All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Insān 76:7 Juzʾ 29 Page 579

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

They [are those who] fulfill [their] vows and fear a Day whose evil will be widespread.

Read in the muṣḥaf

النَّوْعُ الثّانِي مِن أعْمالِ الأبْرارِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

صفحة ٢١٥
واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الطّاعَةِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتِ النِّيَّةُ مَقْرُونَةً بِالعَمَلِ، فَلَمّا حَكى عَنْهُمُ العَمَلَ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ حَكى عَنْهُمُ النِّيَّةَ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وتَحْقِيقُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وبِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالأبْرارِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أحْوالُ القِيامَةِ وأهْوالُها كُلُّها فِعْلُ اللَّهِ، وكُلُّ ما كانَ فِعْلًا لِلَّهِ فَهو يَكُونُ حِكْمَةً وصَوابًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ شَرًّا، فَكَيْفَ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِأنَّها شَرٌّ ؟

(الجَوابُ): أنَّها إنَّما سُمِّيَتْ شَرًّا لِكَوْنِها مُضِرَّةً بِمَن تَنْزِلُ عَلَيْهِ وصَعْبَةً عَلَيْهِ، كَما تُسَمّى الأمْراضُ وسائِرُ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ شُرُورًا.

السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى المُسْتَطِيرِ ؟

(الجَوابُ): فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ فاشِيًا مُنْتَشِرًا بالِغًا أقْصى المَبالِغِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: اسْتَطارَ الحَرِيقُ، واسْتَطارَ الفَجْرُ، وهو مِن ”طارَ“ بِمَنزِلَةِ اسْتَنْفَرَ مِن نَفَرَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: شَرُّ ذَلِكَ اليَوْمِ مُسْتَطِيرٌ مُنْتَشِرٌ، مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أوْلِيائِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ١٠٣] ؟

قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَوْلَ القِيامَةِ شَدِيدٌ، ألا تَرى أنَّ السَّماواتِ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ وتَصِيرُ كالمُهْلِ، وتَتَناثَرُ الكَواكِبُ، وتَتَكَوَّرُ الشَّمْسُ والقَمَرُ، وتَفْزَعُ المَلائِكَةُ، وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وتُنْسَفُ الجِبالُ، وتُسْجَرُ البِحارُ، وهَذا الهَوْلُ عامٌّ يَصِلُ إلى كُلِّ المُكَلَّفِينَ عَلى ما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحج: ٢]، وقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلّا أنَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ يُؤَمِّنُ أوْلِياءَهُ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ يَكُونُ مُسْتَطِيرًا في العُصاةِ والفُجّارِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَهم آمِنُونَ، كَما قالَ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ١٠٣]، ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٦٨]، ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فاطر: ٣٤] إلّا أنَّ أهْلَ العِقابِ في غايَةِ الكَثْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الثَّوابِ، فَأُجْرِيَ الغالِبُ مَجْرى الكُلِّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المُسْتَطِيرِ؛ أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ سَرِيعَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِ، وكَأنَّ هَذا القائِلَ ذَهَبَ إلى أنَّ الطَّيَرانَ إسْراعٌ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ”كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا“، ولَمْ يَقُلْ: وسَيَكُونُ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ؟

(الجَوابُ): اللَّفْظُ وإنْ كانَ لِلْماضِي، إلّا أنَّهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وهو كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٥]، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا في عِلْمِ اللَّهِ وفي حِكْمَتِهِ، كَأنَّهُ تَعالى يَعْتَذِرُ ويَقُولُ: إيصالُ هَذا الضَّرَرِ إنَّما كانَ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نِظامَ العالَمِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وهُما يُوجِبانِ الوَفاءَ بِهِ، لِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِي، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كانَ ذَلِكَ في الحِكْمَةِ لازِمًا، فَلِهَذا السَّبَبِ فَعَلْتُهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Insān 76:7