All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nabaʾ 78:10 Juzʾ 30 Page 582

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And made the night as clothing

Read in the muṣḥaf

وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ القَفّالُ: أصْلُ اللِّباسِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الإنْسانُ ويَتَغَطّى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُغَطِّيًا لَهُ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ يَغْشى النّاسَ بِظُلْمَتِهِ فَيُغَطِّيهِمْ جُعِلَ لِباسًا لَهُمْ،

صفحة ٨
وهَذا السَّبْتُ، سُمِّيَ اللَّيْلُ لِباسًا عَلى وجْهِ المَجازِ، والمُرادُ كَوْنُ اللَّيْلِ ساتِرًا لَهم. وأمّا وجْهُ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، فَهو أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ الإنْسانَ عَنِ العُيُونِ إذا أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ إخْفاءَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ إطْلاعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، قالَ المُتَنَبِّي:

وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وأيْضًا فَكَما أنَّ الإنْسانَ بِسَبَبِ اللِّباسِ يَزْدادُ جَمالُهُ وتَتَكامَلُ قُوَّتُهُ ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى الحَرِّ والبَرْدِ، فَكَذا لِباسُ اللَّيْلِ بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ يَزِيدُ في جَمالِ الإنْسانِ، وفي طَراوَةِ أعْضائِهِ، وفي تَكامُلِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ، ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى التَّعَبِ الجُسْمانِيِّ، وأذى الأفْكارِ المُوحِشَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ وجَدَ الخِفَّةَ العَظِيمَةَ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في المَعاشِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والمَعْنى: وجَعْلِنا النَّهارَ وقْتَ المَعاشِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعاشًا مَفْعَلًا وظَرْفًا لِلتَّعَيُّشِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، ومَعْنى كَوْنِ النَّهارِ مَعاشًا أنَّ الخَلْقَ إنَّما يُمْكِنُهُمُ التَّقَلُّبُ في حَوائِجِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ في النَّهارِ لا في اللَّيْلِ.

وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ سَبْعَ سَماواتٍ (شِدادًا) جَمْعُ شَدِيدَةٍ يَعْنِي مُحْكَمَةً قَوِيَّةَ الخَلْقِ لا يُؤَثِّرُ فِيها مُرُورُ الزَّمانِ، لا فُطُورَ فِيها ولا فُرُوجَ، ونَظِيرُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ البِناءِ يُسْتَعْمَلُ في أسافِلِ البَيْتِ والسَّقْفِ في أعْلاهُ فَكَيْفَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؟ قُلْنا: البِناءُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنَ الآفَةِ والِانْحِلالِ مِنَ السَّقْفِ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: (وبَنَيْنا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ وإنْ كانَ سَقْفًا لَكِنَّهُ في البُعْدِ عَنِ الِانْحِلالِ كالبِناءِ، فالغَرَضُ مِنَ اخْتِيارِ هَذا اللَّفْظِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.

The same ayah, in another commentary

An-Nabaʾ 78:10