All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

An-Nabaʾ 78:28 Juzʾ 30 Page 582

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And denied Our verses with [emphatic] denial.

Read in the muṣḥaf

والنَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ اعْلَمْ أنَّ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الإنْسانِيَّةِ قُوَّتَيْنِ: نَظَرِيَّةً وعَمَلِيَّةً، وكَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ولِذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الشُّعَراءِ: ٨٣] ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَهاهُنا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى رَداءَةَ حالِهِمْ في الأمْرَيْنِ، أمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَنَبَّهَ عَلى فَسادِها بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ كانُوا مُقْدِمِينَ عَلى جَمِيعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، وغَيْرَ راغِبِينَ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ والخَيْراتِ.

وأمّا في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فَنَبَّهَ عَلى فَسادِها بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ كانُوا مُنْكِرِينَ بِقُلُوبِهِمْ لِلْحَقِّ

صفحة ١٧
ومُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، وإذا عَرَفْتَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّفْسِيرِ ظَهَرَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا قَدْ بَلَغُوا في الرَّداءَةِ والفَسادِ إلى حَيْثُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا وُجُودُ ما هو أزْيَدُ مِنهُ، فَلَمّا كانَتْ أفْعالُهم كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِها هو العُقُوبَةَ العَظِيمَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ ما قَدَّمَهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَما أعْظَمَ لَطائِفَ القُرْآنِ مَعَ أنَّ الأدْوارَ العَظِيمَةَ قَدِ اسْتَمَرَّتْ، ولَمْ يَنْتَبِهْ لَها أحَدٌ، فالحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُرْهانِهِ عَلى ما خَصَّ هَذا الضَّعِيفَ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا بِجَمِيعِ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والشَّرائِعِ والقُرْآنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ في الرَّداءَةِ والفَسادِ والبُعْدِ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَوْلُهُ: (كِذّابًا) أيْ تَكْذِيبًا، وفِعّالٌ مِن مَصادِرِ التَّفَعُّلِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ:

لَقَدْ طالَ ما رَيَّثْتَنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِنا
مِن قَضَّيْتُ قِضّاءً، قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ يَمانِيَّةٌ، ونَظِيرُهُ خَرَّقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وقالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ؟ وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: كُنْتُ أُفَسِّرُ آيَةً فَقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ فَسَّرْتَها فِسّارًا ما سُمِعَ بِهِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرُ كَذَّبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:

فَصَدَقْتُها أوْ كَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذّابُهُ
وهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [نُوحٍ: ١٧] يَعْنِي وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكَذَّبُوا كِذّابًا.
وثانِيها: أنْ يَنْصِبَهُ بِـ: كَذَّبُوا؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى كَذَّبُوا لِأنَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ بِالحَقِّ كاذِبٌ.

وثالِثُها: أنْ يَجْعَلَ الكِذّابَ بِمَعْنى المُكاذَبَةِ، فَمَعْناهُ وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكاذَبُوا مُكاذَبَةً، أوْ كَذَّبُوا بِها مُكاذِبِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا عِنْدَ المُسْلِمِينَ كاذِبِينَ، وكانَ المُسْلِمُونَ عِنْدَهم كاذِبِينَ فَبَيْنَهم مُكاذَبَةٌ، وقُرِئَ أيْضًا كَذَلِكَ وهو جَمْعُ كاذِبٍ، أيْ كَذَّبُوا بِآياتِنا كاذِبِينَ، وقَدْ يَكُونُ الكَذّابُ بِمَعْنى الواحِدِ البَلِيغِ في الكَذِبِ، يُقالُ: رَجُلٌ كَذّابٌ كَقَوْلِكَ حَسّانٌ وبَخّالٌ، فَيُجْعَلُ صِفَةً لِمَصْدَرِ كَذَّبُوا أيْ تَكْذِيبًا كِذّابًا مُفْرِطًا كَذِبُهُ.

The same ayah, in another commentary

An-Nabaʾ 78:28