All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nabaʾ 78:29 Juzʾ 30 Page 582

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

But all things We have enumerated in writing.

Read in the muṣḥaf

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ فَسادَ حالِهِمْ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وفي القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بَلَغَ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ بَيَّنَ أنَّ تَفاصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ في كَمِّيَّتِها وكَيْفِيَّتِها مَعْلُومَةٌ لَهُ، وقَدْرَ ما يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ مَعْلُومٌ لَهُ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: (كُلَّ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ (أحْصَيْناهُ) والمَعْنى: وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: (وكُلُّ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ عَلِمْنا كُلَّ شَيْءٍ كَما هو عِلْمًا لا يَزُولُ ولا يَتَبَدَّلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، واعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ لا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا تَقْرِيرًا لِما ادَّعاهُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا عالِمٌ بِجَمِيعِ ما فَعَلُوهُ، وعالِمٌ بِجِهاتِ تِلْكَ الأفْعالِ وأحْوالِها واعْتِباراتِها

صفحة ١٨
الَّتِي لِأجْلِها يَحْصُلُ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ والعِقابِ، فَلا جَرَمَ لا أُوصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ إلّا قَدْرَ ما يَكُونُ وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَهُ كانَ كافِرًا قَطْعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُ أحْصَيْناهُ إحْصاءً، وإنَّما عَدَلَ عَنْ تِلْكَ اللَّفْظَةِ إلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِأنَّ الكِتابَةَ هي النِّهايَةُ في قُوَّةِ العِلْمِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتابَةِ» “، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ إحْصاءً مُساوِيًا في القُوَّةِ والثَّباتِ والتَّأْكِيدِ لِلْمَكْتُوبِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (كِتابًا) تَأْكِيدُ ذَلِكَ الإحْصاءِ والعِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ إنَّما ورَدَ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِأفْهامِ أهْلِ الظّاهِرِ، فَإنَّ المَكْتُوبَ يَقْبَلُ الزَّوالَ، وعِلْمُ اللَّهِ بِالأشْياءِ لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (كِتابًا) حالًا في مَعْنى مَكْتُوبًا، والمَعْنى وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ حالَ كَوْنِهِ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [يس: ١٢] أوْ في صُحُفِ الحَفَظَةِ.

The same ayah, in another commentary

An-Nabaʾ 78:29