All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nāziʿāt 79:36 Juzʾ 30 Page 584

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And Hellfire will be exposed for [all] those who see -

Read in the muṣḥaf

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ يَعْنِي إذا رَأى أعْمالَهُ مُدَوَّنَةً في كِتابِهِ تَذَكَّرَها، وكانَ قَدْ نَسِيَها، كَقَوْلِهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] .

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ أنَّها تَظْهَرُ إظْهارًا مَكْشُوفًا لِكُلِّ ناظِرٍ ذِي بَصَرٍ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ في كَوْنِهِ مُنْكَشِفًا ظاهِرًا كَقَوْلِهِمْ: تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يَجِبُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها بُرِّزَتْ لِيَراها كُلُّ مَن لَهُ عَيْنٌ وبَصَرٌ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَرَوْنَها مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، إلّا أنَّها مَكانُ الكُفّارِ ومَأْواهُمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [مَرْيَمَ: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [مَرْيَمَ: ٧٢] فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩١،٩٠]

صفحة ٤٧
فَخَصَّ الغاوِينَ بِتَبْرِيزِها لَهُمْ، قُلْنا: إنَّها بُرِّزَتْ لِلْغاوِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَها أيْضًا في المَمَرِّ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ”وبَرَزَتْ“ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لِمَن رَأى“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِمَن تَرى“، والضَّمِيرُ لِلْجَحِيمِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفُرْقانِ: ١٢] وقِيلَ: لِمَن تَرى يا مُحَمَّدُ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ القِيامَةِ في الجُمْلَةِ قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ قِسْمَيْنِ: الأشْقِياءُ والسُّعَداءُ، فَذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في جَوابِ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: إذا جاءَتِ الطّامَّةُ دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ، وأهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ما ذُكِرَ في بَيانِ مَأْوى الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا كانَ يَقُولُ مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ في تَفْسِيرِ الطّامَّةِ الكُبْرى، قالَ: إنَّها إذا سَبَقَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.

والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وكَأنَّهُ جَزاءٌ مُرَكَّبٌ عَلى شَرْطَيْنِ نَظِيرُهُ: إذا جاءَ الغَدُ فَمَن جاءَنِي سائِلًا أعْطَيْتُهُ، كَذا هاهُنا أيْ إذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى فَمَن جاءَ طاغِيًا فَإنَّ الجَحِيمَ مَأْواهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَغى﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ النَّضْرُ وأبُوهُ الحارِثُ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ بَعْضِ المُنْكِراتِ مِنهُ فَجَيِّدٌ، وإنْ كانَ المُرادُ تَخْصِيصُها بِهِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما إذا عُرِفَ بِضَرُورَةِ العَقْلِ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ الحُكْمِ هو الوَصْفُ المَذْكُورُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (طَغى)، إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ عَرَفَ حَقارَةَ نَفْسِهِ، وعَرَفَ اسْتِيلاءَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ طُغْيانٌ وتَكَبُّرٌ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّهُ قالَ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “ ومَتى كانَ الإنْسانُ والعِياذُ بِاللَّهِ مَوْصُوفًا بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، كانَ بالِغًا في الفَسادِ إلى أقْصى الغاياتِ، وهو الكافِرُ الَّذِي يَكُونُ عِقابُهُ مُخَلَّدًا، وتَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا تَكُونُ الجَحِيمُ مَأْوًى لَهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الصِّلَةُ لِوُضُوحِ المَعْنى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: غُضَّ الطَّرْفَ، أيْ غُضَّ طَرْفَكَ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى اللّائِقُ بِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ والأخْلاقِ.

The same ayah, in another commentary

An-Nāziʿāt 79:36