All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Anfāl 8:57 Juzʾ 10 Page 184

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So if you, [O Muhammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُرْشِدُ رَسُولَهُ إلى الرِّفْقِ واللُّطْفِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وتارَةً يُرْشِدُ إلى التَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ، بَيَّنَ ما يَجِبُ أنْ يُعامَلُوا بِهِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قالَ اللَّيْثُ: ثَقِفْنا فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا، أيْ أخَذْناهُ وظَفِرْنا بِهِ، والتَّشْرِيدُ عِبارَةٌ عَنِ التَّفْرِيقِ مَعَ الِاضْطِرابِ، يُقالُ: شَرَدَ يَشْرُدُ شُرُودًا، وشَرَّدَهُ تَشْرِيدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنْ ظَفِرْتَ في الحَرْبِ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ فافْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا يُفَرِّقُ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، قالَ عَطاءٌ: تُثْخِنُ فِيهِمُ القَتْلَ حَتّى يَخافَكَ غَيْرُهم، وقِيلَ: نَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُشَرِّدُ غَيْرَهم مِن ناقِضِي العَهْدِ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لَعَلَّ مَن خَلْفَهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ النَّكالَ فَيَمْنَعُهم ذَلِكَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”فَشَرِّذْ“ بِالذّالِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ بِمَعْنى فَفَرِّقْ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ ”شَذِّرْ“، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”مِن خَلْفِهِمْ“، والمَعْنى: فَشَرِّدْ تَشْرِيدًا مُتَلَبِّسًا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدَ العَسْكَرَيْنِ إذا كَسَرُوا الثّانِيَ، فالكاسِرُونَ يَعْدُونَ خَلْفَ المَكْسُورِينَ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُشَرِّدَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ خِيانَةً ونَكْثًا بِأماراتٍ ظاهِرَةٍ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنْ تُظْهِرَ لَهم نَبْذَ العَهْدِ وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بَيِّنًا أنَّكَ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم، ولا تُبادِرْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِيانَةً مِنكَ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في العُهُودِ، وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِنَبْذِ مَن يَنْقُضُ العَهْدَ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وأمَرَهُ أنْ يَتَباعَدَ عَلى أقْصى الوُجُوهِ مَن كُلِّ ما يُوهِمُ نَكْثَ العَهْدِ ونَقْضَهُ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: آثارُ نَقْضِ العَهْدِ إذا ظَهَرَتْ، فَإمّا أنْ تَظْهَرَ ظُهُورًا مُحْتَمَلًا أوْ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ الإعْلامُ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قُرَيْظَةَ عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ أجابُوا أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى مُظاهَرَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَحَصَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ خَوْفُ الغَدْرِ مِنهم بِهِ وبِأصْحابِهِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عُهُودَهم عَلى سَواءٍ ويُؤْذِنَهم بِالحَرْبِ، أمّا إذا ظَهَرَ نَقْضُ العَهْدِ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ فَهَهُنا لا حاجَةَ

صفحة ١٤٧
إلى نَبْذِ العَهْدِ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّهم لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ بِقَتْلِ خُزاعَةَ وهم مِن ذِمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وصَلَ إلَيْهِمْ جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ فَراسِخَ مِن مَكَّةَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms. Indeed, Allah does not like traitors.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُرْشِدُ رَسُولَهُ إلى الرِّفْقِ واللُّطْفِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وتارَةً يُرْشِدُ إلى التَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ، بَيَّنَ ما يَجِبُ أنْ يُعامَلُوا بِهِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قالَ اللَّيْثُ: ثَقِفْنا فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا، أيْ أخَذْناهُ وظَفِرْنا بِهِ، والتَّشْرِيدُ عِبارَةٌ عَنِ التَّفْرِيقِ مَعَ الِاضْطِرابِ، يُقالُ: شَرَدَ يَشْرُدُ شُرُودًا، وشَرَّدَهُ تَشْرِيدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنْ ظَفِرْتَ في الحَرْبِ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ فافْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا يُفَرِّقُ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، قالَ عَطاءٌ: تُثْخِنُ فِيهِمُ القَتْلَ حَتّى يَخافَكَ غَيْرُهم، وقِيلَ: نَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُشَرِّدُ غَيْرَهم مِن ناقِضِي العَهْدِ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لَعَلَّ مَن خَلْفَهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ النَّكالَ فَيَمْنَعُهم ذَلِكَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”فَشَرِّذْ“ بِالذّالِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ بِمَعْنى فَفَرِّقْ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ ”شَذِّرْ“، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”مِن خَلْفِهِمْ“، والمَعْنى: فَشَرِّدْ تَشْرِيدًا مُتَلَبِّسًا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدَ العَسْكَرَيْنِ إذا كَسَرُوا الثّانِيَ، فالكاسِرُونَ يَعْدُونَ خَلْفَ المَكْسُورِينَ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُشَرِّدَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ خِيانَةً ونَكْثًا بِأماراتٍ ظاهِرَةٍ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنْ تُظْهِرَ لَهم نَبْذَ العَهْدِ وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بَيِّنًا أنَّكَ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم، ولا تُبادِرْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِيانَةً مِنكَ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في العُهُودِ، وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِنَبْذِ مَن يَنْقُضُ العَهْدَ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وأمَرَهُ أنْ يَتَباعَدَ عَلى أقْصى الوُجُوهِ مَن كُلِّ ما يُوهِمُ نَكْثَ العَهْدِ ونَقْضَهُ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: آثارُ نَقْضِ العَهْدِ إذا ظَهَرَتْ، فَإمّا أنْ تَظْهَرَ ظُهُورًا مُحْتَمَلًا أوْ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ الإعْلامُ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قُرَيْظَةَ عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ أجابُوا أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى مُظاهَرَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَحَصَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ خَوْفُ الغَدْرِ مِنهم بِهِ وبِأصْحابِهِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عُهُودَهم عَلى سَواءٍ ويُؤْذِنَهم بِالحَرْبِ، أمّا إذا ظَهَرَ نَقْضُ العَهْدِ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ فَهَهُنا لا حاجَةَ

صفحة ١٤٧
إلى نَبْذِ العَهْدِ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّهم لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ بِقَتْلِ خُزاعَةَ وهم مِن ذِمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وصَلَ إلَيْهِمْ جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ فَراسِخَ مِن مَكَّةَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allah].

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَفْعَلُ الرَّسُولُ في حَقِّ مَن يَجِدُهُ في الحَرْبِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ، وذَكَرَ أيْضًا ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَهُ فِيمَن ظَهَرَ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ، بَيَّنَ أيْضًا حالَ مَن فاتَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ، لِئَلّا يَبْقى حَسْرَةً في قَلْبِهِ فَقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن بَلَغَ في أذِيَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَبْلَغًا عَظِيمًا فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا سَبَقُوا فَقَدَ فاتُوكَ ولَمْ تَقْدِرْ عَلى إنْزالِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِهِمْ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ولا تَحْسَبَنَّ أنَّهُمُ انْفَلَتُوا مِنكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُظْفِرُكَ بِعِيرِهِمْ.

والثّانِي: لا تَحْسَبَنَّ أنَّهم لَمّا تَخَلَّصُوا مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ أنَّهم قَدْ تَخَلَّصُوا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِن عَذابِ الآخِرَةِ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ أنَّهم بِهَذا السَّبْقِ لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ فِيمَن فاتَهُ ولَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّشَفِّي والِانْتِقامِ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، وفي تَصْحِيحِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَسْبِقُونا؛ لِأنَّها في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم سَبَقُونا فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهي بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَسِبْتُ أنْ أقُومَ، وحَسِبْتُ أقُومُ وحَذْفُ أنْ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٦٤]، والمَعْنى: أنْ أعْبُدَ.

الثّانِي: أنْ نُضْمِرَ فاعِلًا لِلْحُسْبانِ ونَجْعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا المَفْعُولَ الأوَّلَ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ الَّذِينَ كَفَرُوا.

والثّالِثُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُضْمَرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا أوْ إيّاهم سَبَقُوا، وأمّا أكْثَرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ عَلى مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، والَّذِينَ كَفَرُوا المَفْعُولُ الأوَّلُ، وسَبَقُوا المَفْعُولُ الثّانِي ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ، والمَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سابِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو الوَجْهُ لِأنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِالأوَّلِ كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [العَنْكَبُوتِ: ٤ ] وتَمَّ الكَلامُ ثُمَّ قالَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ فَكَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أنَّهم“ بِفَتْحِ الألِفِ، وجَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّهم سَبَقُوا؛ لِأنَّهم لا يَفُوتُونَ فَهم يُجْزَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ.

الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَجْعَلُ ”لا“ صِلَةً، والتَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ أنَّهم يُعْجِزُونَ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war by which you may terrify the enemy of Allah and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allah knows. And whatever you spend in the cause of Allah will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ عَلى رَسُولِهِ أنْ يُشَرِّدَ مَن صَدَرَ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ، وأنْ يَنْبِذَ العَهْدَ إلى مَن خافَ مِنهُ النَّقْضَ، أمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإعْدادِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ. قِيلَ: إنَّهُ لَمّا اتَّفَقَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في قِصَّةِ بَدْرٍ أنْ قَصَدُوا الكُفّارَ بِلا آلَةٍ ولا عُدَّةٍ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ وأنْ يَعُدُّوا لِلْكُفّارِ ما يُمْكِنُهم مِن آلَةٍ وعُدَّةٍ وقُوَّةٍ، والمُرادُ بِالقُوَّةِ هَهُنا: ما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُوَّةِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ القُوَّةِ أنْواعُ الأسْلِحَةِ.

الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ وقالَ: ”«ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» “ قالَها ثَلاثًا.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القُوَّةُ هي الحُصُونُ.

الرّابِعُ: قالَ أصْحابُ المَعانِي: الأوْلى أنْ يُقالَ: هَذا عامٌّ في كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ عَلى حَرْبِ العَدُوِّ، وكُلُّ ما هو آلَةٌ لِلْغَزْوِ والجِهادِ فَهو مِن جُمْلَةِ القُوَّةِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«القُوَّةُ هي الرَّمْيُ» “ لا يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِ الرَّمْيِ مُعْتَبَرًا، كَما أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “ و”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “ لا يَنْفِي اعْتِبارَ غَيْرِهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَذْكُورَ جُزْءٌ شَرِيفٌ مِنَ المَقْصُودِ فَكَذا هَهُنا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعْدادَ لِلْجِهادِ بِالنَّبْلِ والسِّلاحِ وتَعْلِيمِ الفُرُوسِيَّةِ والرَّمْيِ فَرِيضَةٌ، إلّا أنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الرِّباطُ المُرابَطَةُ أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ، كَفِصالٍ وفَصِيلٍ، ولا شَكَّ أنَّ رَبْطَ الخَيْلِ مِن أقْوى آلاتِ الجِهادِ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ سِيرِينَ: إنَّ فُلانًا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ لِلْحُصُونِ، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُشْتَرى بِهِ الخَيْلُ فَتُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُغْزى عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما أوْصى لِلْحُصُونِ، فَقالَ: هي الخَيْلُ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشّاعِرِ:

ولَقَدْ عَلِمْتُ عَلى تَجَنُّبِيَ الرَّدى أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرى
قالَ عِكْرِمَةُ: ومِن رِباطِ الخَيْلِ: الإناثُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ إذا رُبِطَتْ في الأفْنِيَةِ وعُلِفَتْ رُبُطًا واحِدُها رَبِيطٌ، ويُجْمَعُ رُبُطٌ عَلى رِباطٍ وهو جَمْعُ الجَمْعِ، فَمَعْنى الرِّباطِ هَهُنا الخَيْلُ المَرْبُوطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفُسِّرَ بِالإناثِ لِأنَّها أوْلى ما يُرْبَطُ لِتَناسُلِها ونَمائِها بِأوْلادِها، فارْتِباطُها أوْلى مِنَ ارْتِباطِ الفُحُولِ، هَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَلْ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى الفُحُولِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن رِباطِ الخَيْلِ المُحارَبَةُ عَلَيْها، ولا شَكَّ أنَّ الفُحُولَ أقْوى عَلى الكَرِّ والفَرِّ والعَدْوِ، فَكانَتِ المُحارَبَةُ عَلَيْها أسْهَلَ، فَوَجَبَ تَخْصِيصُ هَذا اللَّفْظِ بِها، ولَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَفْهُومِهِ الأصْلِيِّ، وهو كَوْنُهُ خَيْلًا مَرْبُوطًا، سَواءٌ كانَ مِنَ الفُحُولِ أوْ مِنَ الإناثِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما لِأجْلِهِ أمَرَ بِإعْدادِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ إذا عَلِمُوا كَوْنَ المُسْلِمِينَ مُتَأهِّبِينَ لِلْجِهادِ ومُسْتَعِدِّينَ لَهُ

صفحة ١٤٩
مُسْتَكْمِلِينَ لِجَمِيعِ الأسْلِحَةِ والآلاتِ خافُوهم، وذَلِكَ الخَوْفُ يُفِيدُ أُمُورًا كَثِيرَةً:
أوَّلُها: أنَّهم لا يَقْصِدُونَ دُخُولَ دارِ الإسْلامِ.

وثانِيها: أنَّهُ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهم فَرُبَّما التَزَمُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ جِزْيَةً.

وثالِثُها: أنَّهُ رُبَّما صارَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ.

ورابِعُها: أنَّهم لا يُعِينُونَ سائِرَ الكُفّارِ.

وخامِسُها: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الزِّينَةِ في دارِ الإسْلامِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ تَكْثِيرَ آلاتِ الجِهادِ وأدَواتِها كَما يُرْهِبُ الأعْداءَ الَّذِينَ نَعْلَمُ كَوْنَهم أعْداءً كَذَلِكَ يُرْهِبُ الأعْداءَ الَّذِينَ لا نَعْلَمُ أنَّهم أعْداءٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، والمَعْنى: أنَّ تَكْثِيرَ أسْبابِ الغَزْوِ كَما يُوجِبُ رَهْبَةَ الكُفّارِ فَكَذَلِكَ يُوجِبُ رَهْبَةَ المُنافِقِينَ.

فَإنْ قِيلَ: المُنافِقُونَ لا يَخافُونَ القِتالَ فَكَيْفَ يُوجِبُ ما ذَكَرْتُمُوهُ الإرْهابَ ؟

قُلْنا: هَذا الإرْهابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم إذا شاهَدُوا قُوَّةَ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةَ آلاتِهِمْ وأدَواتِهِمُ انْقَطَعَ عَنْهم طَمَعُهم مِن أنْ يَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ، وذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يَتْرُكُوا الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ويَصِيرُوا مُخْلِصِينَ في الإيمانِ.

والثّانِي: أنَّ المُنافِقَ مِن عادَتِهِ أنْ يَتَرَبَّصَ ظُهُورَ الآفاتِ ويَحْتالَ في إلْقاءِ الإفْسادِ والتَّفْرِيقِ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا شاهَدَ كَوْنَ المُسْلِمِينَ في غايَةِ القُوَّةِ خافَهم وتَرَكَ هَذِهِ الأفْعالَ المَذْمُومَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: في هَذا البابِ ما رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى قالَ: المُرادُ كُفّارُ الجِنِّ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَقالَ: إنَّهُمُ الجِنُّ، ثُمَّ قالَ: ”إنَّ الشَّيْطانَ لا يَخْبِلُ أحَدًا في دارٍ فِيها فَرَسٌ عَتِيقٌ» “ وقالَ الحَسَنُ: صَهِيلُ الفَرَسِ يُرْهِبُ الجِنَّ، وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ تَكْثِيرَ آلاتِ الجِهادِ لا يُعْقَلُ تَأْثِيرُهُ في إرْهابِ الجِنِّ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمَ كَما يُعادِيهِ الكافِرُ، فَكَذَلِكَ قَدْ يُعادِيهِ المُسْلِمُ أيْضًا، فَإذا كانَ قَوِيَّ الحالِ كَثِيرَ السِّلاحِ، فَكَما يَخافُهُ أعْداؤُهُ مِنَ الكُفّارِ، فَكَذَلِكَ يَخافُهُ كُلُّ مَن يُعادِيهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ وهو عامٌّ في الجِهادِ وفي سائِرِ وُجُوهِ الخَيْراتِ‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوَفَّ لَكم أجْرُهُ، أيْ لا يَضِيعُ في الآخِرَةِ أجْرُهُ، ويُعَجِّلُ اللَّهُ عِوَضَهُ في الدُّنْيا‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ لا تُنْقَصُونَ مِنَ الثَّوابِ، ولَمّا ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَّفْسِيرَ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكَهْفِ: ٣٣] .

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠
تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ المُخادَعَةُ عَلى ما إذا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ نَوْعُ نِفاقٍ وتَزْوِيرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ أماراتٌ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ قاصِدِينَ لِلشَّرِّ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، بَلْ كانَ الظّاهِرُ مِن أحْوالِهِمُ الثَّباتَ عَلى المَسْألَةِ وتَرْكَ المُنازَعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ فاللَّهُ يَكْفِيكَ، وهو حَسْبُكَ وسَواءٌ قَوْلُكَ: هَذا يَكْفِينِي، وهَذا حَسْبِي.‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ قَوّاكَ وأعانَكَ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأقُولُ: هَذا التَّقْيِيدُ خَطَأٌ لِأنَّ أمْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِ حَياتِهِ إلى آخِرِ وقْتِ وفاتِهِ، ساعَةً فَساعَةً، كانَ أمْرًا إلَهِيًّا وتَدْبِيرًا

صفحة ١٥١
عُلْوِيًّا، وما كانَ لِكَسْبِ الخَلْقِ فِيهِ مَدْخَلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الأنْصارَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَأيُّ حاجَةٍ مَعَ نَصْرِهِ إلى المُؤْمِنِينَ، حَتّى قالَ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ .

قُلْنا: التَّأْيِيدُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ لَكِنَّهُ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: ما يَحْصُلُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

والثّانِي: ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

فالأوَّلُ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، والثّانِي هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ أيَّدَهُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إلى قَوْمٍ أنَفَتُهم شَدِيدَةٌ وحَمِيَّتُهم عَظِيمَةٌ حَتّى لَوْ لُطِمَ رَجُلٌ مِن قَبِيلَةٍ لَطْمَةً قاتَلَ عَنْهُ قَبِيلَتُهُ حَتّى يُدْرِكُوا ثَأْرَهُ، ثُمَّ إنَّهُمُ انْقَلَبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ حَتّى قاتَلَ الرَّجُلُ أخاهُ وأباهُ وابْنَهُ، واتَّفَقُوا عَلى الطّاعَةِ وصارُوا أنْصارًا، وعادُوا أعْوانًا، وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَإنَّ الخُصُومَةَ كانَتْ بَيْنَهم شَدِيدَةً والمُحارَبَةُ دائِمَةً، ثُمَّ زالَتِ الضَّغائِنُ، وحَصَلَتِ الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ، فَإزالَةُ تِلْكَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ وتَبْدِيلُها بِالمَحَبَّةِ القَوِيَّةِ والمُخالَصَةِ التّامَّةِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، وصارَتْ تِلْكَ مُعْجِزَةً ظاهِرَةً عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أحْوالَ القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والإراداتِ والكَراماتِ كُلُّها مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ الأُلْفَةَ والمَوَدَّةَ والمَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ الإيمانِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتِ المَحَبَّةُ المُرَتَّبَةُ عَلَيْهِ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى خِلافِ صَرِيحِ الآيَةِ، قالَ القاضِي: لَوْلا ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ساعَةً فَساعَةً، لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَأُضِيفَتْ تِلْكَ المُخالَصَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُضافُ عِلْمُ الوَلَدِ وأدَبُهُ إلى أبِيهِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ الأبِ وتَرْبِيَتِهِ، فَكَذا هَهُنا.

والجَوابُ: كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وحَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى المَجازِ، وأيْضًا كُلُّ هَذِهِ الألْطافِ كانَتْ حاصِلَةً في حَقِّ الكُفّارِ، مِثْلَ حُصُولِها في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ هُناكَ شَيْءٌ سِوى الألْطافِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ المَعانِي فائِدَةٌ، وأيْضًا فالبُرْهانُ العَقْلِيُّ مُقَوٍّ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ يَصِحُّ أنْ يَصِيرَ مَوْصُوفًا بِالرَّغْبَةِ بَدَلًا عَنِ النَّفْرَةِ وبِالعَكْسِ، فَرُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو العَبْدُ عادَ التَّقْسِيمُ، وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى، فَهو المَقْصُودُ، فَعُلِمَ أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَأكِّدٌ بِصَرِيحِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ فَلا حاجَةَ إلى ما ذَكَرَهُ القاضِي في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا قَبْلَ شُرُوعِهِمْ في الإسْلامِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ في الخُصُومَةِ الدّائِمَةِ والمُحارَبَةِ الشَّدِيدَةِ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى البَعْضِ، فَلَمّا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، زالَتِ الخُصُوماتُ، وارْتَفَعَتِ الخُشُوناتُ، وحَصَلَتِ المَوَدَّةُ التّامَّةُ والمَحَبَّةُ الشَّدِيدَةُ.

واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذا البابِ أنَّ المَحَبَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَصَوُّرِ حُصُولِ خَيْرٍ وكَمالٍ، فالمَحَبَّةُ حالَةٌ مُعَلَّلَةٌ بِهَذا التَّصَوُّرِ المَخْصُوصِ، فَمَتى كانَ هَذا التَّصَوُّرُ حاصِلًا كانَتِ المَحَبَّةُ حاصِلَةً، ومَتى حَصَلَ

صفحة ١٥٢
تَصْوِيرُ الشَّرِّ والبَغْضاءِ: كانَتِ النَّفْرَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ إنَّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الخَيْراتُ والكَمالاتُ الباقِيَةُ الدّائِمَةُ، المُبَرَّأةُ عَنْ جِهاتِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وذَلِكَ هو الكَمالاتُ الرُّوحانِيَّةُ والسَّعاداتُ الإلَهِيَّةُ.

والثّانِي: وهو الكَمالاتُ المُتَبَدِّلَةُ المُتَغَيِّرَةُ، وهي الكَمالاتُ الجُسْمانِيَّةُ والسَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ، فَإنَّها سَرِيعَةُ التَّغْيِيرِ والتَّبَدُّلِ، كالزِّئْبَقِ يَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالإنْسانُ يَتَصَوَّرُ أنَّ لَهُ في صُحْبَةِ زَيْدٍ مالًا عَظِيمًا فَيُحِبُّهُ، ثُمَّ يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ ذَلِكَ المالَ لا يَحْصُلُ فَيُبْغِضُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّ العاشِقَ والمَعْشُوقَ رُبَّما حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ والنَّفْرَةُ بَيْنَهُما في اليَوْمِ الواحِدِ مِرارًا؛ لِأنَّ المَعْشُوقَ إنَّما يُرِيدُ العاشِقَ لِمالِهِ، والعاشِقَ إنَّما يُرِيدُ المَعْشُوقَ لِأجْلِ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذانِ الأمْرانِ مُسْتَعِدّانِ لِلتَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ، فَلا جَرَمَ كانَتِ المَحَبَّةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما والعَداوَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما غَيْرَ باقِيَتَيْنِ بَلْ كانَتا سَرِيعَتَيِ الزَّوالِ والِانْتِقالِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، إنْ كانَ طَلَبَ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، لِأجْلِ أنَّ المَحَبَّةَ تابِعَةٌ لِتَصَوُّرِ الكَمالِ، وتَصَوُّرُ الكَمالِ تابِعٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الكَمالُ سَرِيعَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، كانَتْ مَعْلُولاتُهُ سَرِيعَةَ التَّبَدُّلِ والزَّوالِ، وأمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ تَصَوُّرَ الكَمالاتِ الباقِيَةِ المُقَدَّسَةِ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، لِأنَّ حالَ المَعْلُولِ في البَقاءِ والتَّبَدُّلِ تَبَعٌ لِحالَةِ العِلَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: العَرَبُ كانُوا قَبْلَ مَقْدِمِ الرَّسُولِ طالِبِينَ لِلْمالِ والجاهِ والمُفاخَرَةِ، وكانَتْ مَحَبَّتُهم مُعَلَّلَةً بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ، وكانُوا بِأدْنى سَبَبٍ يَقَعُونَ في الحُرُوبِ والفِتَنِ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ ﷺ ودَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، زالَتِ الخُصُومَةُ والخُشُونَةُ عَنْهم، وعادُوا إخْوانًا مُتَوافِقِينَ، ثُمَّ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْفَتَحَتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الدُّنْيا وتَوَجَّهُوا إلى طَلَبِها عادُوا إلى مُحارَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ومُقاتَلَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَهَذا هو السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ في هَذا البابِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ قادِرٌ قاهِرٌ، يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ في القُلُوبِ، ويُقَلِّبُها مِنَ العَداوَةِ إلى الصَّداقَةِ، ومِنَ النَّفْرَةِ إلى الرَّغْبَةِ، حَكِيمٌ بِفِعْلِ ما يَفْعَلُهُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، أوْ مُطابِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والصَّوابِ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في الجَبْرِ والقَدَرِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠
تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ المُخادَعَةُ عَلى ما إذا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ نَوْعُ نِفاقٍ وتَزْوِيرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ أماراتٌ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ قاصِدِينَ لِلشَّرِّ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، بَلْ كانَ الظّاهِرُ مِن أحْوالِهِمُ الثَّباتَ عَلى المَسْألَةِ وتَرْكَ المُنازَعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ فاللَّهُ يَكْفِيكَ، وهو حَسْبُكَ وسَواءٌ قَوْلُكَ: هَذا يَكْفِينِي، وهَذا حَسْبِي.‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ قَوّاكَ وأعانَكَ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأقُولُ: هَذا التَّقْيِيدُ خَطَأٌ لِأنَّ أمْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِ حَياتِهِ إلى آخِرِ وقْتِ وفاتِهِ، ساعَةً فَساعَةً، كانَ أمْرًا إلَهِيًّا وتَدْبِيرًا

صفحة ١٥١
عُلْوِيًّا، وما كانَ لِكَسْبِ الخَلْقِ فِيهِ مَدْخَلٌ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الأنْصارَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَأيُّ حاجَةٍ مَعَ نَصْرِهِ إلى المُؤْمِنِينَ، حَتّى قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ .

قُلْنا: التَّأْيِيدُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ لَكِنَّهُ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: ما يَحْصُلُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

والثّانِي: ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

فالأوَّلُ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، والثّانِي هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ أيَّدَهُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إلى قَوْمٍ أنَفَتُهم شَدِيدَةٌ وحَمِيَّتُهم عَظِيمَةٌ حَتّى لَوْ لُطِمَ رَجُلٌ مِن قَبِيلَةٍ لَطْمَةً قاتَلَ عَنْهُ قَبِيلَتُهُ حَتّى يُدْرِكُوا ثَأْرَهُ، ثُمَّ إنَّهُمُ انْقَلَبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ حَتّى قاتَلَ الرَّجُلُ أخاهُ وأباهُ وابْنَهُ، واتَّفَقُوا عَلى الطّاعَةِ وصارُوا أنْصارًا، وعادُوا أعْوانًا، وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَإنَّ الخُصُومَةَ كانَتْ بَيْنَهم شَدِيدَةً والمُحارَبَةُ دائِمَةً، ثُمَّ زالَتِ الضَّغائِنُ، وحَصَلَتِ الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ، فَإزالَةُ تِلْكَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ وتَبْدِيلُها بِالمَحَبَّةِ القَوِيَّةِ والمُخالَصَةِ التّامَّةِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، وصارَتْ تِلْكَ مُعْجِزَةً ظاهِرَةً عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أحْوالَ القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والإراداتِ والكَراماتِ كُلُّها مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ الأُلْفَةَ والمَوَدَّةَ والمَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ الإيمانِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتِ المَحَبَّةُ المُرَتَّبَةُ عَلَيْهِ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى خِلافِ صَرِيحِ الآيَةِ، قالَ القاضِي: لَوْلا ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ساعَةً فَساعَةً، لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَأُضِيفَتْ تِلْكَ المُخالَصَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُضافُ عِلْمُ الوَلَدِ وأدَبُهُ إلى أبِيهِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ الأبِ وتَرْبِيَتِهِ، فَكَذا هَهُنا.

والجَوابُ: كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وحَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى المَجازِ، وأيْضًا كُلُّ هَذِهِ الألْطافِ كانَتْ حاصِلَةً في حَقِّ الكُفّارِ، مِثْلَ حُصُولِها في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ هُناكَ شَيْءٌ سِوى الألْطافِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ المَعانِي فائِدَةٌ، وأيْضًا فالبُرْهانُ العَقْلِيُّ مُقَوٍّ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ يَصِحُّ أنْ يَصِيرَ مَوْصُوفًا بِالرَّغْبَةِ بَدَلًا عَنِ النَّفْرَةِ وبِالعَكْسِ، فَرُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو العَبْدُ عادَ التَّقْسِيمُ، وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى، فَهو المَقْصُودُ، فَعُلِمَ أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَأكِّدٌ بِصَرِيحِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ فَلا حاجَةَ إلى ما ذَكَرَهُ القاضِي في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا قَبْلَ شُرُوعِهِمْ في الإسْلامِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ في الخُصُومَةِ الدّائِمَةِ والمُحارَبَةِ الشَّدِيدَةِ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى البَعْضِ، فَلَمّا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، زالَتِ الخُصُوماتُ، وارْتَفَعَتِ الخُشُوناتُ، وحَصَلَتِ المَوَدَّةُ التّامَّةُ والمَحَبَّةُ الشَّدِيدَةُ.

واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذا البابِ أنَّ المَحَبَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَصَوُّرِ حُصُولِ خَيْرٍ وكَمالٍ، فالمَحَبَّةُ حالَةٌ مُعَلَّلَةٌ بِهَذا التَّصَوُّرِ المَخْصُوصِ، فَمَتى كانَ هَذا التَّصَوُّرُ حاصِلًا كانَتِ المَحَبَّةُ حاصِلَةً، ومَتى حَصَلَ

صفحة ١٥٢
تَصْوِيرُ الشَّرِّ والبَغْضاءِ: كانَتِ النَّفْرَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ إنَّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الخَيْراتُ والكَمالاتُ الباقِيَةُ الدّائِمَةُ، المُبَرَّأةُ عَنْ جِهاتِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وذَلِكَ هو الكَمالاتُ الرُّوحانِيَّةُ والسَّعاداتُ الإلَهِيَّةُ.

والثّانِي: وهو الكَمالاتُ المُتَبَدِّلَةُ المُتَغَيِّرَةُ، وهي الكَمالاتُ الجُسْمانِيَّةُ والسَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ، فَإنَّها سَرِيعَةُ التَّغْيِيرِ والتَّبَدُّلِ، كالزِّئْبَقِ يَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالإنْسانُ يَتَصَوَّرُ أنَّ لَهُ في صُحْبَةِ زَيْدٍ مالًا عَظِيمًا فَيُحِبُّهُ، ثُمَّ يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ ذَلِكَ المالَ لا يَحْصُلُ فَيُبْغِضُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّ العاشِقَ والمَعْشُوقَ رُبَّما حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ والنَّفْرَةُ بَيْنَهُما في اليَوْمِ الواحِدِ مِرارًا؛ لِأنَّ المَعْشُوقَ إنَّما يُرِيدُ العاشِقَ لِمالِهِ، والعاشِقَ إنَّما يُرِيدُ المَعْشُوقَ لِأجْلِ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذانِ الأمْرانِ مُسْتَعِدّانِ لِلتَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ، فَلا جَرَمَ كانَتِ المَحَبَّةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما والعَداوَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما غَيْرَ باقِيَتَيْنِ بَلْ كانَتا سَرِيعَتَيِ الزَّوالِ والِانْتِقالِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، إنْ كانَ طَلَبَ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، لِأجْلِ أنَّ المَحَبَّةَ تابِعَةٌ لِتَصَوُّرِ الكَمالِ، وتَصَوُّرُ الكَمالِ تابِعٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الكَمالُ سَرِيعَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، كانَتْ مَعْلُولاتُهُ سَرِيعَةَ التَّبَدُّلِ والزَّوالِ، وأمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ تَصَوُّرَ الكَمالاتِ الباقِيَةِ المُقَدَّسَةِ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، لِأنَّ حالَ المَعْلُولِ في البَقاءِ والتَّبَدُّلِ تَبَعٌ لِحالَةِ العِلَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: العَرَبُ كانُوا قَبْلَ مَقْدِمِ الرَّسُولِ طالِبِينَ لِلْمالِ والجاهِ والمُفاخَرَةِ، وكانَتْ مَحَبَّتُهم مُعَلَّلَةً بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ، وكانُوا بِأدْنى سَبَبٍ يَقَعُونَ في الحُرُوبِ والفِتَنِ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ ﷺ ودَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، زالَتِ الخُصُومَةُ والخُشُونَةُ عَنْهم، وعادُوا إخْوانًا مُتَوافِقِينَ، ثُمَّ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْفَتَحَتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الدُّنْيا وتَوَجَّهُوا إلى طَلَبِها عادُوا إلى مُحارَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ومُقاتَلَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَهَذا هو السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ في هَذا البابِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ قادِرٌ قاهِرٌ، يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ في القُلُوبِ، ويُقَلِّبُها مِنَ العَداوَةِ إلى الصَّداقَةِ، ومِنَ النَّفْرَةِ إلى الرَّغْبَةِ، حَكِيمٌ بِفِعْلِ ما يَفْعَلُهُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، أوْ مُطابِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والصَّوابِ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في الجَبْرِ والقَدَرِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠
تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ المُخادَعَةُ عَلى ما إذا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ نَوْعُ نِفاقٍ وتَزْوِيرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ أماراتٌ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ قاصِدِينَ لِلشَّرِّ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، بَلْ كانَ الظّاهِرُ مِن أحْوالِهِمُ الثَّباتَ عَلى المَسْألَةِ وتَرْكَ المُنازَعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ فاللَّهُ يَكْفِيكَ، وهو حَسْبُكَ وسَواءٌ قَوْلُكَ: هَذا يَكْفِينِي، وهَذا حَسْبِي.‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ قَوّاكَ وأعانَكَ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأقُولُ: هَذا التَّقْيِيدُ خَطَأٌ لِأنَّ أمْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِ حَياتِهِ إلى آخِرِ وقْتِ وفاتِهِ، ساعَةً فَساعَةً، كانَ أمْرًا إلَهِيًّا وتَدْبِيرًا

صفحة ١٥١
عُلْوِيًّا، وما كانَ لِكَسْبِ الخَلْقِ فِيهِ مَدْخَلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الأنْصارَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَأيُّ حاجَةٍ مَعَ نَصْرِهِ إلى المُؤْمِنِينَ، حَتّى قالَ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ .

قُلْنا: التَّأْيِيدُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ لَكِنَّهُ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: ما يَحْصُلُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

والثّانِي: ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

فالأوَّلُ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، والثّانِي هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ أيَّدَهُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إلى قَوْمٍ أنَفَتُهم شَدِيدَةٌ وحَمِيَّتُهم عَظِيمَةٌ حَتّى لَوْ لُطِمَ رَجُلٌ مِن قَبِيلَةٍ لَطْمَةً قاتَلَ عَنْهُ قَبِيلَتُهُ حَتّى يُدْرِكُوا ثَأْرَهُ، ثُمَّ إنَّهُمُ انْقَلَبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ حَتّى قاتَلَ الرَّجُلُ أخاهُ وأباهُ وابْنَهُ، واتَّفَقُوا عَلى الطّاعَةِ وصارُوا أنْصارًا، وعادُوا أعْوانًا، وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَإنَّ الخُصُومَةَ كانَتْ بَيْنَهم شَدِيدَةً والمُحارَبَةُ دائِمَةً، ثُمَّ زالَتِ الضَّغائِنُ، وحَصَلَتِ الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ، فَإزالَةُ تِلْكَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ وتَبْدِيلُها بِالمَحَبَّةِ القَوِيَّةِ والمُخالَصَةِ التّامَّةِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، وصارَتْ تِلْكَ مُعْجِزَةً ظاهِرَةً عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أحْوالَ القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والإراداتِ والكَراماتِ كُلُّها مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ الأُلْفَةَ والمَوَدَّةَ والمَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ الإيمانِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتِ المَحَبَّةُ المُرَتَّبَةُ عَلَيْهِ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى خِلافِ صَرِيحِ الآيَةِ، قالَ القاضِي: لَوْلا ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ساعَةً فَساعَةً، لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَأُضِيفَتْ تِلْكَ المُخالَصَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُضافُ عِلْمُ الوَلَدِ وأدَبُهُ إلى أبِيهِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ الأبِ وتَرْبِيَتِهِ، فَكَذا هَهُنا.

والجَوابُ: كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وحَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى المَجازِ، وأيْضًا كُلُّ هَذِهِ الألْطافِ كانَتْ حاصِلَةً في حَقِّ الكُفّارِ، مِثْلَ حُصُولِها في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ هُناكَ شَيْءٌ سِوى الألْطافِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ المَعانِي فائِدَةٌ، وأيْضًا فالبُرْهانُ العَقْلِيُّ مُقَوٍّ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ يَصِحُّ أنْ يَصِيرَ مَوْصُوفًا بِالرَّغْبَةِ بَدَلًا عَنِ النَّفْرَةِ وبِالعَكْسِ، فَرُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو العَبْدُ عادَ التَّقْسِيمُ، وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى، فَهو المَقْصُودُ، فَعُلِمَ أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَأكِّدٌ بِصَرِيحِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ فَلا حاجَةَ إلى ما ذَكَرَهُ القاضِي في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا قَبْلَ شُرُوعِهِمْ في الإسْلامِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ في الخُصُومَةِ الدّائِمَةِ والمُحارَبَةِ الشَّدِيدَةِ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى البَعْضِ، فَلَمّا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، زالَتِ الخُصُوماتُ، وارْتَفَعَتِ الخُشُوناتُ، وحَصَلَتِ المَوَدَّةُ التّامَّةُ والمَحَبَّةُ الشَّدِيدَةُ.

واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذا البابِ أنَّ المَحَبَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَصَوُّرِ حُصُولِ خَيْرٍ وكَمالٍ، فالمَحَبَّةُ حالَةٌ مُعَلَّلَةٌ بِهَذا التَّصَوُّرِ المَخْصُوصِ، فَمَتى كانَ هَذا التَّصَوُّرُ حاصِلًا كانَتِ المَحَبَّةُ حاصِلَةً، ومَتى حَصَلَ

صفحة ١٥٢
تَصْوِيرُ الشَّرِّ والبَغْضاءِ: كانَتِ النَّفْرَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ إنَّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الخَيْراتُ والكَمالاتُ الباقِيَةُ الدّائِمَةُ، المُبَرَّأةُ عَنْ جِهاتِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وذَلِكَ هو الكَمالاتُ الرُّوحانِيَّةُ والسَّعاداتُ الإلَهِيَّةُ.

والثّانِي: وهو الكَمالاتُ المُتَبَدِّلَةُ المُتَغَيِّرَةُ، وهي الكَمالاتُ الجُسْمانِيَّةُ والسَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ، فَإنَّها سَرِيعَةُ التَّغْيِيرِ والتَّبَدُّلِ، كالزِّئْبَقِ يَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالإنْسانُ يَتَصَوَّرُ أنَّ لَهُ في صُحْبَةِ زَيْدٍ مالًا عَظِيمًا فَيُحِبُّهُ، ثُمَّ يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ ذَلِكَ المالَ لا يَحْصُلُ فَيُبْغِضُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّ العاشِقَ والمَعْشُوقَ رُبَّما حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ والنَّفْرَةُ بَيْنَهُما في اليَوْمِ الواحِدِ مِرارًا؛ لِأنَّ المَعْشُوقَ إنَّما يُرِيدُ العاشِقَ لِمالِهِ، والعاشِقَ إنَّما يُرِيدُ المَعْشُوقَ لِأجْلِ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذانِ الأمْرانِ مُسْتَعِدّانِ لِلتَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ، فَلا جَرَمَ كانَتِ المَحَبَّةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما والعَداوَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما غَيْرَ باقِيَتَيْنِ بَلْ كانَتا سَرِيعَتَيِ الزَّوالِ والِانْتِقالِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، إنْ كانَ طَلَبَ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، لِأجْلِ أنَّ المَحَبَّةَ تابِعَةٌ لِتَصَوُّرِ الكَمالِ، وتَصَوُّرُ الكَمالِ تابِعٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الكَمالُ سَرِيعَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، كانَتْ مَعْلُولاتُهُ سَرِيعَةَ التَّبَدُّلِ والزَّوالِ، وأمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ تَصَوُّرَ الكَمالاتِ الباقِيَةِ المُقَدَّسَةِ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، لِأنَّ حالَ المَعْلُولِ في البَقاءِ والتَّبَدُّلِ تَبَعٌ لِحالَةِ العِلَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: العَرَبُ كانُوا قَبْلَ مَقْدِمِ الرَّسُولِ طالِبِينَ لِلْمالِ والجاهِ والمُفاخَرَةِ، وكانَتْ مَحَبَّتُهم مُعَلَّلَةً بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ، وكانُوا بِأدْنى سَبَبٍ يَقَعُونَ في الحُرُوبِ والفِتَنِ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ ﷺ ودَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، زالَتِ الخُصُومَةُ والخُشُونَةُ عَنْهم، وعادُوا إخْوانًا مُتَوافِقِينَ، ثُمَّ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْفَتَحَتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الدُّنْيا وتَوَجَّهُوا إلى طَلَبِها عادُوا إلى مُحارَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ومُقاتَلَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَهَذا هو السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ في هَذا البابِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ قادِرٌ قاهِرٌ، يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ في القُلُوبِ، ويُقَلِّبُها مِنَ العَداوَةِ إلى الصَّداقَةِ، ومِنَ النَّفْرَةِ إلى الرَّغْبَةِ، حَكِيمٌ بِفِعْلِ ما يَفْعَلُهُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، أوْ مُطابِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والصَّوابِ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في الجَبْرِ والقَدَرِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠
تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ المُخادَعَةُ عَلى ما إذا حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ نَوْعُ نِفاقٍ وتَزْوِيرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ أماراتٌ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ قاصِدِينَ لِلشَّرِّ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، بَلْ كانَ الظّاهِرُ مِن أحْوالِهِمُ الثَّباتَ عَلى المَسْألَةِ وتَرْكَ المُنازَعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ فاللَّهُ يَكْفِيكَ، وهو حَسْبُكَ وسَواءٌ قَوْلُكَ: هَذا يَكْفِينِي، وهَذا حَسْبِي.‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ قَوّاكَ وأعانَكَ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأقُولُ: هَذا التَّقْيِيدُ خَطَأٌ لِأنَّ أمْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوَّلِ حَياتِهِ إلى آخِرِ وقْتِ وفاتِهِ، ساعَةً فَساعَةً، كانَ أمْرًا إلَهِيًّا وتَدْبِيرًا

صفحة ١٥١
عُلْوِيًّا، وما كانَ لِكَسْبِ الخَلْقِ فِيهِ مَدْخَلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الأنْصارَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَأيُّ حاجَةٍ مَعَ نَصْرِهِ إلى المُؤْمِنِينَ، حَتّى قالَ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ .

قُلْنا: التَّأْيِيدُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ لَكِنَّهُ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: ما يَحْصُلُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

والثّانِي: ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ أسْبابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتادَةٍ.

فالأوَّلُ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، والثّانِي هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ أيَّدَهُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إلى قَوْمٍ أنَفَتُهم شَدِيدَةٌ وحَمِيَّتُهم عَظِيمَةٌ حَتّى لَوْ لُطِمَ رَجُلٌ مِن قَبِيلَةٍ لَطْمَةً قاتَلَ عَنْهُ قَبِيلَتُهُ حَتّى يُدْرِكُوا ثَأْرَهُ، ثُمَّ إنَّهُمُ انْقَلَبُوا عَنْ تِلْكَ الحالَةِ حَتّى قاتَلَ الرَّجُلُ أخاهُ وأباهُ وابْنَهُ، واتَّفَقُوا عَلى الطّاعَةِ وصارُوا أنْصارًا، وعادُوا أعْوانًا، وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَإنَّ الخُصُومَةَ كانَتْ بَيْنَهم شَدِيدَةً والمُحارَبَةُ دائِمَةً، ثُمَّ زالَتِ الضَّغائِنُ، وحَصَلَتِ الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ، فَإزالَةُ تِلْكَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ وتَبْدِيلُها بِالمَحَبَّةِ القَوِيَّةِ والمُخالَصَةِ التّامَّةِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، وصارَتْ تِلْكَ مُعْجِزَةً ظاهِرَةً عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أحْوالَ القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والإراداتِ والكَراماتِ كُلُّها مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ الأُلْفَةَ والمَوَدَّةَ والمَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ الإيمانِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتِ المَحَبَّةُ المُرَتَّبَةُ عَلَيْهِ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لا فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى خِلافِ صَرِيحِ الآيَةِ، قالَ القاضِي: لَوْلا ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ساعَةً فَساعَةً، لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَأُضِيفَتْ تِلْكَ المُخالَصَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُضافُ عِلْمُ الوَلَدِ وأدَبُهُ إلى أبِيهِ، لِأجْلِ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ الأبِ وتَرْبِيَتِهِ، فَكَذا هَهُنا.

والجَوابُ: كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وحَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى المَجازِ، وأيْضًا كُلُّ هَذِهِ الألْطافِ كانَتْ حاصِلَةً في حَقِّ الكُفّارِ، مِثْلَ حُصُولِها في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ هُناكَ شَيْءٌ سِوى الألْطافِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ المَعانِي فائِدَةٌ، وأيْضًا فالبُرْهانُ العَقْلِيُّ مُقَوٍّ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ يَصِحُّ أنْ يَصِيرَ مَوْصُوفًا بِالرَّغْبَةِ بَدَلًا عَنِ النَّفْرَةِ وبِالعَكْسِ، فَرُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو العَبْدُ عادَ التَّقْسِيمُ، وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى، فَهو المَقْصُودُ، فَعُلِمَ أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَأكِّدٌ بِصَرِيحِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ فَلا حاجَةَ إلى ما ذَكَرَهُ القاضِي في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا قَبْلَ شُرُوعِهِمْ في الإسْلامِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ في الخُصُومَةِ الدّائِمَةِ والمُحارَبَةِ الشَّدِيدَةِ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى البَعْضِ، فَلَمّا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، زالَتِ الخُصُوماتُ، وارْتَفَعَتِ الخُشُوناتُ، وحَصَلَتِ المَوَدَّةُ التّامَّةُ والمَحَبَّةُ الشَّدِيدَةُ.

واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذا البابِ أنَّ المَحَبَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَصَوُّرِ حُصُولِ خَيْرٍ وكَمالٍ، فالمَحَبَّةُ حالَةٌ مُعَلَّلَةٌ بِهَذا التَّصَوُّرِ المَخْصُوصِ، فَمَتى كانَ هَذا التَّصَوُّرُ حاصِلًا كانَتِ المَحَبَّةُ حاصِلَةً، ومَتى حَصَلَ

صفحة ١٥٢
تَصْوِيرُ الشَّرِّ والبَغْضاءِ: كانَتِ النَّفْرَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ إنَّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الخَيْراتُ والكَمالاتُ الباقِيَةُ الدّائِمَةُ، المُبَرَّأةُ عَنْ جِهاتِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وذَلِكَ هو الكَمالاتُ الرُّوحانِيَّةُ والسَّعاداتُ الإلَهِيَّةُ.

والثّانِي: وهو الكَمالاتُ المُتَبَدِّلَةُ المُتَغَيِّرَةُ، وهي الكَمالاتُ الجُسْمانِيَّةُ والسَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ، فَإنَّها سَرِيعَةُ التَّغْيِيرِ والتَّبَدُّلِ، كالزِّئْبَقِ يَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالإنْسانُ يَتَصَوَّرُ أنَّ لَهُ في صُحْبَةِ زَيْدٍ مالًا عَظِيمًا فَيُحِبُّهُ، ثُمَّ يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ ذَلِكَ المالَ لا يَحْصُلُ فَيُبْغِضُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّ العاشِقَ والمَعْشُوقَ رُبَّما حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ والنَّفْرَةُ بَيْنَهُما في اليَوْمِ الواحِدِ مِرارًا؛ لِأنَّ المَعْشُوقَ إنَّما يُرِيدُ العاشِقَ لِمالِهِ، والعاشِقَ إنَّما يُرِيدُ المَعْشُوقَ لِأجْلِ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذانِ الأمْرانِ مُسْتَعِدّانِ لِلتَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ، فَلا جَرَمَ كانَتِ المَحَبَّةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما والعَداوَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَهُما غَيْرَ باقِيَتَيْنِ بَلْ كانَتا سَرِيعَتَيِ الزَّوالِ والِانْتِقالِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، إنْ كانَ طَلَبَ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، لِأجْلِ أنَّ المَحَبَّةَ تابِعَةٌ لِتَصَوُّرِ الكَمالِ، وتَصَوُّرُ الكَمالِ تابِعٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الكَمالُ سَرِيعَ الزَّوالِ والِانْتِقالِ، كانَتْ مَعْلُولاتُهُ سَرِيعَةَ التَّبَدُّلِ والزَّوالِ، وأمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ تَصَوُّرَ الكَمالاتِ الباقِيَةِ المُقَدَّسَةِ عَنِ التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، لِأنَّ حالَ المَعْلُولِ في البَقاءِ والتَّبَدُّلِ تَبَعٌ لِحالَةِ العِلَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: العَرَبُ كانُوا قَبْلَ مَقْدِمِ الرَّسُولِ طالِبِينَ لِلْمالِ والجاهِ والمُفاخَرَةِ، وكانَتْ مَحَبَّتُهم مُعَلَّلَةً بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ، وكانُوا بِأدْنى سَبَبٍ يَقَعُونَ في الحُرُوبِ والفِتَنِ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ ﷺ ودَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، زالَتِ الخُصُومَةُ والخُشُونَةُ عَنْهم، وعادُوا إخْوانًا مُتَوافِقِينَ، ثُمَّ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْفَتَحَتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الدُّنْيا وتَوَجَّهُوا إلى طَلَبِها عادُوا إلى مُحارَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ومُقاتَلَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَهَذا هو السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ في هَذا البابِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ قادِرٌ قاهِرٌ، يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ في القُلُوبِ، ويُقَلِّبُها مِنَ العَداوَةِ إلى الصَّداقَةِ، ومِنَ النَّفْرَةِ إلى الرَّغْبَةِ، حَكِيمٌ بِفِعْلِ ما يَفْعَلُهُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، أوْ مُطابِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والصَّوابِ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في الجَبْرِ والقَدَرِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنَّصْرِ عِنْدَ مُخادَعَةِ الأعْداءِ، وعَدَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُطْلَقًا عَلى

صفحة ١٥٣
جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَلْزَمُ حُصُولُ التَّكْرارِ؛ لِأنَّ المَعْنى في الآيَةِ الأُولى: إنْ أرادُوا خِداعَكَ كَفاكَ اللَّهُ أمْرَهم، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في كُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ الأنْصارُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، نَزَلَتْ في إسْلامِ عُمَرَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَ المُفَسِّرُونَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، كُتِبَتْ في سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: اللَّهُ كافِيكَ وكافِي أتْباعِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ الفَرّاءُ: الكافُ في ”حَسْبُكَ“ خَفْضٌ ”ومَن“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ والمَعْنى: يَكْفِيكَ اللَّهُ ويَكْفِي مَنِ اتَّبَعَكَ، قالَ الشّاعِرُ:

إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
قالَ: ولَيْسَ بِكَثِيرٍ مِن كَلامِهِمْ أنْ يَقُولُوا: حَسْبُكَ وأخاكَ، بَلِ المُعْتادُ أنْ يُقالَ حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى كَفاكَ اللَّهُ وكَفاكَ أتْباعُكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا أحْسَنُ الوَجْهَيْنِ، أيْ ويُمْكِنُ أنْ يُنْصَرَ القَوْلُ الأوَّلُ بِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ ناصِرَهُ امْتَنَعَ أنْ يَزْدادَ حالُهُ أوْ يَنْقُصَ بِسَبَبِ نُصْرَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وأيْضًا إسْنادُ الحُكْمِ إلى المَجْمُوعِ يُوهِمُ أنَّ الواحِدَ مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ لا يَكْفِي في حُصُولِ ذَلِكَ المُهِمِّ، وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، إلّا أنَّ مِن أنْواعِ النُّصْرَةِ ما لا يَحْصُلُ بِناءً عَلى الأسْبابِ المَأْلُوفَةِ المُعْتادَةِ، ومِنها ما يَحْصُلُ بِناءً عَلى الأسْبابِ المَأْلُوفَةِ المُعْتادَةِ، فَلِهَذا الفَرْقِ اعْتَبَرَ نُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يَكْفِيكَ بِنَصْرِهِ وبِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنَ الواجِبِ أنْ تَتَّكِلَ عَلى ذَلِكَ إلّا بِشَرْطِ أنْ تُحَرِّضَ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ فَإنَّهُ تَعالى إنَّما يَكْفِيكَ بِالكِفايَةِ بِشَرْطِ أنْ يَحْصُلَ مِنهم بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ في المُجاهَدَةِ. فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ كالتَّحْضِيضِ وهو الحَثُّ عَلى الشَّيْءِ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ في اشْتِقاقِهِ وجْهًا آخَرَ بَعِيدًا، فَقالَ: التَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ أنْ يَحُثَّ الإنْسانُ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ حَثًّا يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ كانَ حارِضًا، والحارِضُ الَّذِي قارَبَ الهَلاكَ، أشارَ بِهَذا إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لَوْ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ بَعْدَ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ، كانُوا حارِضِينَ، أيْ هالِكِينَ. فَعِنْدَهُ التَّحْرِيضُ مُشْتَقٌّ مِن لَفْظِ الحارِضِ والحَرِضِ.

ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الخَبَرَ بَلِ المُرادُ الأمْرُ كَأنَّهُ قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَلْيَصْبِرُوا ولْيَجْتَهِدُوا في القِتالِ حَتّى يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ الخَبَرَ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ الخَبَرَ، لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ قَطُّ مِائَتانِ مِنَ الكُفّارِ عِشْرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ٦٦] والنَّسْخُ ألْيَقُ بِالأمْرِ مِنهُ بِالخَبَرِ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ مِن بَعْدُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ٦٦] وذَلِكَ تَرْغِيبًا في الثَّباتِ عَلى الجِهادِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الكَلامِ هو الأمْرُ وإنْ كانَ وارِدًا بِلَفْظِ الخَبَرِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٣٣]﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨]، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حاصِلُهُ وُجُوبُ ثَباتِ الواحِدِ في مُقابَلَةِ العَشَرَةِ، فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ

صفحة ١٥٤
الوَجِيزَةِ إلى تِلْكَ الكَلِماتِ الطَّوِيلَةِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما ورَدَ عَلى وفْقِ الواقِعَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَبْعَثُ السَّرايا، والغالِبُ أنَّ تِلْكَ السَّرايا ما كانَ يَنْتَقِصُ عَدَدُها عَنِ العِشْرِينَ وما كانَتْ تَزِيدُ عَلى المِائَةِ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ”إنْ تَكُنْ“ بِالتّاءِ، وكَذَلِكَ الَّذِي بَعْدَهُ ”وإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ“ وقَرَأ أبُو عَمْرِو الأوَّلَ بِالياءِ والثّانِيَ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ فِيهِما.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العِلَّةَ في هَذِهِ الغَلَبَةِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ولا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، فَإنَّ غايَةَ السَّعادَةِ والبَهْجَةِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَوِيَّةَ، ومَن كانَ هَذا مُعْتَقَدَهُ فَإنَّهُ يَشِحُّ بِهَذِهِ الحَياةِ، ولا يُعَرِّضُها لِلزَّوالِ، أمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ لا سَعادَةَ في هَذِهِ الحَياةِ وأنَّ السَّعادَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الدّارِ الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يُبالِي بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَيُقْدِمُ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ وعَزْمٍ صَحِيحٍ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ الواحِدُ مِن هَذا البابِ يُقاوِمُ العَدَدَ الكَثِيرَ مِنَ البابِ الأوَّلِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ إنَّما يُعَوِّلُونَ عَلى قُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ، والمُسْلِمُونَ يَسْتَعِينُونَ بِرَبِّهِمْ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ بِهِ ألْيَقَ وأوْلى.

الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو وجْهٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا أصْحابُ الرِّياضاتِ والمُكاشَفاتِ، وهو أنَّ كُلَّ قَلْبٍ اخْتَصَّ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ كانَ صاحِبُهُ مَهِيبًا عِنْدَ الخَلْقِ، ولِذَلِكَ إذا حَضَرَ الرَّجُلُ العالِمُ عِنْدَ عالَمٍ مِنَ النّاسِ الأقْوِياءِ الجُهّالِ الأشِدّاءِ، فَإنَّ أُولَئِكَ الأقْوِياءَ الأشِدّاءَ الجُهّالَ يَهابُونَ ذَلِكَ العالِمَ ويَحْتَرِمُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ السِّباعَ القَوِيَّةَ إذا رَأتِ الآدَمِيَّ هابَتْهُ وانْحَرَفَتْ عَنْهُ، وما ذاكَ إلّا أنَّ الآدَمِيَّ بِسَبَبِ ما فِيهِ مِن نُورِ العَقْلِ يَكُونُ مَهِيبًا، وأيْضًا الرَّجُلُ الحَكِيمُ إذا اسْتَوْلى عَلى قَلْبِهِ نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ تَقْوى أعْضاؤُهُ وتَشْتَدُّ جَوارِحُهُ، ورُبَّما قَوِيَ عِنْدَ ظُهُورِ التَّجَلِّي في قَلْبِهِ عَلى أعْمالٍ يَعْجِزُ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فالمُؤْمِنُ إذا أقْدَمَ عَلى الجِهادِ فَكَأنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ ومالَهُ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ، فَكانَ في هَذِهِ الحالَةِ كالمُشاهِدِ لِنُورِ جَلالِ اللَّهِ فَيَقْوى قَلْبُهُ وتَكْمُلُ رُوحُهُ ويَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ أحْوالٌ مِن بابِ المُكاشَفاتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أقْوى قُوَّةً مِنَ الكافِرِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ فَذاكَ لِأنَّ ظُهُورَ هَذا التَّجَلِّي لا يَحْصُلُ إلّا نادِرًا ولِلْفَرْدِ بَعْدَ الفَرْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

صفحة ١٥٥
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَبْعَثُ العَشَرَةَ إلى وجْهِ المِائَةِ، بَعَثَ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا قِبَلَ بَدْرٍ إلى قَوْمٍ فَلَقِيَهم أبُو جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ وأرادُوا قِتالَهم، فَمَنَعَهم حَمْزَةُ» «وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلى خالِدِ بْنِ صَفْوانَ الهُذَلِيِّ وكانَ في جَماعَةٍ، فابْتَدَرَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُ لِي، فَقالَ: ”إنَّكَ إذا رَأيْتَهُ ذَكَرْتَ الشَّيْطانَ ووَجَدْتَ لِذَلِكَ قَشْعَرِيرَةً وقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُ جَمَعَ لِي فاخْرُجْ إلَيْهِ واقْتُلْهُ“ قالَ: فَخَرَجْتُ نَحْوَهُ فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ وجَدْتُ القَشْعَرِيرَةَ فَقالَ لِي: مَنِ الرَّجُلُ ؟ قُلْتُ لَهُ: مِنَ العَرَبِ، سَمِعْتُ بِكَ وبِجَمْعِكَ، ومَشَيْتُ مَعَهُ حَتّى إذا تَمَكَّنْتُ مِنهُ قَتَلْتُهُ بِالسَّيْفِ وأسْرَعْتُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وذَكَرْتُ أنِّي قَتَلْتُهُ، فَأعْطانِي عَصًا وقالَ: ”أمْسِكْها فَإنَّها آيَةٌ بَيْنِي وبَيْنَكَ يَوْمَ القِيامَةِ“» ثُمَّ إنَّ هَذا التَّكْلِيفَ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ فَأزالَهُ اللَّهُ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ التَّكْلِيفُ الأوَّلُ ضَجَّ المُهاجِرُونَ، وقالُوا: يا رَبِّ نَحْنُ جِياعٌ وعَدُوُّنا شِباعٌ، ونَحْنُ في غُرْبَةٍ وعَدُوُّنا في أهْلِيهِمْ، ونَحْنُ قَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأمْوالِنا وأوْلادِنا وعَدُوُّنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ الأنْصارُ: شُغِلْنا بِعَدُوِّنا وواسَيْنا إخْوانَنا، فَنَزَلَ التَّخْفِيفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّما أُمِرَ الرَّجُلُ أنْ يَصْبِرَ لِعَشَرَةٍ، والعَشَرَةُ لِمِائَةٍ حالَ ما كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ، فَلَمّا كَثُرُوا خَفَّفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيُّما رَجُلٍ فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، فَإنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، والحاصِلُ أنَّ الجُمْهُورَ ادَّعَوْا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ناسِخٌ لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ هَذا النَّسْخَ، وتَقْرِيرُ قَوْلِهِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَهَبْ أنّا نَحْمِلُ هَذا الخَبَرَ عَلى الأمْرِ إلّا أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ مَشْرُوطًا بِكَوْنِ العِشْرِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّبْرِ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ غَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ هَؤُلاءِ، فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ حُكْمٍ عِنْدَ شَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَفْقُودٌ في حَقِّ هَذِهِ الجَماعَةِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الحُكْمُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ البَتَّةَ.

فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: لِيَكُنِ العِشْرُونَ الصّابِرُونَ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالنَّسْخُ لازِمٌ.

قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ: إنْ حَصَلَ عِشْرُونَ صابِرُونَ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، فَلْيَشْتَغِلُوا بِجِهادِهِمْ ؟ والحاصِلُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ ورَدَ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَخالَفْنا هَذا الظّاهِرَ وحَمَلْناهُ عَلى الأمْرِ، أمّا في رِعايَةِ الشَّرْطِ فَقَدْ تَرَكْناهُ عَلى ظاهِرِهِ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ حَصَلَ مِنكم عِشْرُونَ مَوْصُوفُونَ بِالصَّبْرِ عَلى مُقاوَمَةِ المِائَتَيْنِ فَلْيَشْتَغِلُوا بِمُقاوَمَتِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ.

فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ هَذا التَّكْلِيفِ.

قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَ التَّخْفِيفِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ التَّثْقِيلِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ الرُّخْصَةُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى عِنْدَ الرُّخْصَةِ لِلْحُرِّ في نِكاحِ الأمَةِ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٢٨] ولَيْسَ هُناكَ نَسْخٌ وإنَّما هو إطْلاقُ نِكاحِ الأمَةِ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ نِكاحَ الحَرائِرِ، فَكَذا هَهُنا. وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ هَؤُلاءِ العِشْرِينَ كانُوا في مَحَلِّ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ حاصِلٌ فِيهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ لازِمًا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ غَيْرُ حاصِلٍ وأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ فِيهِمْ ضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ تَخَلَّصُوا عَنْ ذَلِكَ

صفحة ١٥٦
الخَوْفِ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم، ومِمّا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ النَّسْخِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ مُقارِنَةً لِلْآيَةِ الأُولى، وجَعْلُ النّاسِخِ مُقارِنًا لِلْمَنسُوخِ لا يَجُوزُ.
فَإنْ قالُوا: العِبْرَةُ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ بِالنُّزُولِ دُونَ التِّلاوَةِ فَإنَّها قَدْ تَتَقَدَّمُ وقَدْ تَتَأخَّرُ، ألا تَرى أنَّ في عِدَّةِ الوَفاةِ النّاسِخَ مُقَدَّمٌ عَلى المَنسُوخِ.

قُلْنا: لَمّا كانَ كَوْنُ النّاسِخِ مُقارِنًا لِلْمَنسُوخِ غَيْرَ جائِزٍ في الوُجُودِ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جائِزًا في الذِّكْرِ، اللَّهُمَّ إلّا لِدَلِيلٍ قاهِرٍ وأنْتُمْ ما ذَكَرْتُمْ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ في عِدَّةِ الوَفاةِ: النّاسِخُ مُقَدَّمٌ عَلى المَنسُوخِ فَنَقُولُ: إنَّ أبا مُسْلِمٍ يُنْكِرُ كُلَّ أنْواعِ النَّسْخِ في القُرْآنِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْزامُ هَذا الكَلامِ عَلَيْهِ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ، وأقُولُ: إنْ ثَبَتَ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى الإطْلاقِ قَبْلَ أبِي مُسْلِمٍ عَلى حُصُولِ هَذا النَّسْخِ فَلا كَلامَ عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإجْماعُ القاطِعُ فَنَقُولُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ صَحِيحٌ حَسَنٌ.

* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ هِشامٌ عَلى قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ: فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ: الآنَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيكم ضَعْفًا وهَذا يَقْتَضِي أنَّ عِلْمَهُ بِضَعْفِهِمْ ما حَصَلَ إلّا في هَذا الوَقْتِ، والمُتَكَلِّمُونَ أجابُوا بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ حُدُوثِ الشَّيْءِ لا يَعْلَمُهُ حاصِلًا واقِعًا، بَلْ يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ سَيَحْدُثُ، أمّا عِنْدَ حُدُوثِهِ ووُقُوعِهِ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ حادِثًا واقِعًا، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: أنَّ الآنَ حَصَلَ العِلْمُ بِوُقُوعِهِ وحُصُولِهِ، وقَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ الحاصِلُ هو العِلْمُ بِأنَّهُ سَيَقَعُ أوْ سَيَحْدُثُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ”عَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا“ بِفَتْحِ الضّادِ وفي الرَّوْمِ مِثْلَهُ، والباقُونَ فِيهِما بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ صَحِيحَتانِ، الضَّعْفُ والضُّعْفُ كالمَكْثِ والمُكْثِ. وخالَفَ حَفْصٌ عاصِمًا في هَذا الحَرْفِ وقَرَأهُما بِالضَّمِّ وقالَ: ما خالَفْتُ عاصِمًا في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ إلّا في هَذا الحَرْفِ.

* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِي اسْتَقَرَّ حُكْمُ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ بالِغٍ مُكَلَّفٍ وقَفَ بِإزاءِ مُشْرِكَيْنِ، عَبْدًا كانَ أوْ حُرًّا فالهَزِيمَةُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَةٌ ما دامَ مَعَهُ سِلاحٌ يُقاتِلُ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِلاحٌ فَلَهُ أنْ يَنْهَزِمَ، وإنْ قاتَلَهُ ثَلاثَةٌ حَلَّتْ لَهُ الهَزِيمَةُ، والصَّبْرُ أحْسَنُ.
رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ أنَّهُ وقَفَ جَيْشُ مُؤْتَةَ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ وأُمَراؤُهم عَلى التَّعاقُبِ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ في مُقابَلَةِ مِائَتَيْ ألْفٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِائَةُ ألْفٍ مِنَ الرُّومِ ومِائَةُ ألْفٍ مِنَ المُسْتَعْرِبَةِ وهم لَخْمٌ وجُذامُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ لا تَقَعُ الغَلَبَةُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، والإذْنُ هَهُنا هو الإرادَةُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ وإرادَةِ الكائِناتِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ ما ذَكَرَهُ في الآيَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ٦٥] فَبَيَّنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ والمَقْصُودُ أنَّ العِشْرِينَ لَوْ صَبَرُوا ووَقَفُوا فَإنَّ نُصْرَتِي مَعَهم وتَوْفِيقِي مُقارِنٌ لَهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ أبِي مُسْلِمٍ وهو أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ ما صارَ مَنسُوخًا بَلْ هو ثابِتٌ كَما كانَ، فَإنَّ العِشْرِينَ إنْ قَدَرُوا عَلى مُصابَرَةِ المِائَتَيْنِ بَقِيَ ذَلِكَ الحُكْمُ، وإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُصابَرَتِهِمْ فالحُكْمُ المَذْكُورُ هَهُنا زائِلٌ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:57