All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Anfāl 8:58 Juzʾ 10 Page 184

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms. Indeed, Allah does not like traitors.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُرْشِدُ رَسُولَهُ إلى الرِّفْقِ واللُّطْفِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] ومِنها قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وتارَةً يُرْشِدُ إلى التَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ، بَيَّنَ ما يَجِبُ أنْ يُعامَلُوا بِهِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قالَ اللَّيْثُ: ثَقِفْنا فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا، أيْ أخَذْناهُ وظَفِرْنا بِهِ، والتَّشْرِيدُ عِبارَةٌ عَنِ التَّفْرِيقِ مَعَ الِاضْطِرابِ، يُقالُ: شَرَدَ يَشْرُدُ شُرُودًا، وشَرَّدَهُ تَشْرِيدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنْ ظَفِرْتَ في الحَرْبِ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ فافْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا يُفَرِّقُ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، قالَ عَطاءٌ: تُثْخِنُ فِيهِمُ القَتْلَ حَتّى يَخافَكَ غَيْرُهم، وقِيلَ: نَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُشَرِّدُ غَيْرَهم مِن ناقِضِي العَهْدِ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لَعَلَّ مَن خَلْفَهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ النَّكالَ فَيَمْنَعُهم ذَلِكَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”فَشَرِّذْ“ بِالذّالِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ بِمَعْنى فَفَرِّقْ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ ”شَذِّرْ“، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”مِن خَلْفِهِمْ“، والمَعْنى: فَشَرِّدْ تَشْرِيدًا مُتَلَبِّسًا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدَ العَسْكَرَيْنِ إذا كَسَرُوا الثّانِيَ، فالكاسِرُونَ يَعْدُونَ خَلْفَ المَكْسُورِينَ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُشَرِّدَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ خِيانَةً ونَكْثًا بِأماراتٍ ظاهِرَةٍ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنْ تُظْهِرَ لَهم نَبْذَ العَهْدِ وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بَيِّنًا أنَّكَ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم، ولا تُبادِرْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِيانَةً مِنكَ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في العُهُودِ، وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِنَبْذِ مَن يَنْقُضُ العَهْدَ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وأمَرَهُ أنْ يَتَباعَدَ عَلى أقْصى الوُجُوهِ مَن كُلِّ ما يُوهِمُ نَكْثَ العَهْدِ ونَقْضَهُ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: آثارُ نَقْضِ العَهْدِ إذا ظَهَرَتْ، فَإمّا أنْ تَظْهَرَ ظُهُورًا مُحْتَمَلًا أوْ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ الإعْلامُ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قُرَيْظَةَ عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ أجابُوا أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى مُظاهَرَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَحَصَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ خَوْفُ الغَدْرِ مِنهم بِهِ وبِأصْحابِهِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عُهُودَهم عَلى سَواءٍ ويُؤْذِنَهم بِالحَرْبِ، أمّا إذا ظَهَرَ نَقْضُ العَهْدِ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ فَهَهُنا لا حاجَةَ

صفحة ١٤٧
إلى نَبْذِ العَهْدِ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّهم لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ بِقَتْلِ خُزاعَةَ وهم مِن ذِمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وصَلَ إلَيْهِمْ جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ فَراسِخَ مِن مَكَّةَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allah].

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَفْعَلُ الرَّسُولُ في حَقِّ مَن يَجِدُهُ في الحَرْبِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ، وذَكَرَ أيْضًا ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَهُ فِيمَن ظَهَرَ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ، بَيَّنَ أيْضًا حالَ مَن فاتَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ، لِئَلّا يَبْقى حَسْرَةً في قَلْبِهِ فَقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن بَلَغَ في أذِيَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَبْلَغًا عَظِيمًا فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا سَبَقُوا فَقَدَ فاتُوكَ ولَمْ تَقْدِرْ عَلى إنْزالِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِهِمْ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ولا تَحْسَبَنَّ أنَّهُمُ انْفَلَتُوا مِنكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُظْفِرُكَ بِعِيرِهِمْ.

والثّانِي: لا تَحْسَبَنَّ أنَّهم لَمّا تَخَلَّصُوا مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ أنَّهم قَدْ تَخَلَّصُوا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِن عَذابِ الآخِرَةِ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ أنَّهم بِهَذا السَّبْقِ لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ فِيمَن فاتَهُ ولَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّشَفِّي والِانْتِقامِ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، وفي تَصْحِيحِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَسْبِقُونا؛ لِأنَّها في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم سَبَقُونا فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهي بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَسِبْتُ أنْ أقُومَ، وحَسِبْتُ أقُومُ وحَذْفُ أنْ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٦٤]، والمَعْنى: أنْ أعْبُدَ.

الثّانِي: أنْ نُضْمِرَ فاعِلًا لِلْحُسْبانِ ونَجْعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا المَفْعُولَ الأوَّلَ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ الَّذِينَ كَفَرُوا.

والثّالِثُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُضْمَرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا أوْ إيّاهم سَبَقُوا، وأمّا أكْثَرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ عَلى مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، والَّذِينَ كَفَرُوا المَفْعُولُ الأوَّلُ، وسَبَقُوا المَفْعُولُ الثّانِي ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ، والمَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سابِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو الوَجْهُ لِأنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِالأوَّلِ كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [العَنْكَبُوتِ: ٤ ] وتَمَّ الكَلامُ ثُمَّ قالَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ فَكَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أنَّهم“ بِفَتْحِ الألِفِ، وجَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّهم سَبَقُوا؛ لِأنَّهم لا يَفُوتُونَ فَهم يُجْزَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ.

الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَجْعَلُ ”لا“ صِلَةً، والتَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ أنَّهم يُعْجِزُونَ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war by which you may terrify the enemy of Allah and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allah knows. And whatever you spend in the cause of Allah will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ عَلى رَسُولِهِ أنْ يُشَرِّدَ مَن صَدَرَ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ، وأنْ يَنْبِذَ العَهْدَ إلى مَن خافَ مِنهُ النَّقْضَ، أمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإعْدادِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ. قِيلَ: إنَّهُ لَمّا اتَّفَقَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في قِصَّةِ بَدْرٍ أنْ قَصَدُوا الكُفّارَ بِلا آلَةٍ ولا عُدَّةٍ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ وأنْ يَعُدُّوا لِلْكُفّارِ ما يُمْكِنُهم مِن آلَةٍ وعُدَّةٍ وقُوَّةٍ، والمُرادُ بِالقُوَّةِ هَهُنا: ما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُوَّةِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ القُوَّةِ أنْواعُ الأسْلِحَةِ.

الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ وقالَ: ”«ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» “ قالَها ثَلاثًا.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القُوَّةُ هي الحُصُونُ.

الرّابِعُ: قالَ أصْحابُ المَعانِي: الأوْلى أنْ يُقالَ: هَذا عامٌّ في كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ عَلى حَرْبِ العَدُوِّ، وكُلُّ ما هو آلَةٌ لِلْغَزْوِ والجِهادِ فَهو مِن جُمْلَةِ القُوَّةِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«القُوَّةُ هي الرَّمْيُ» “ لا يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِ الرَّمْيِ مُعْتَبَرًا، كَما أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “ و”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “ لا يَنْفِي اعْتِبارَ غَيْرِهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَذْكُورَ جُزْءٌ شَرِيفٌ مِنَ المَقْصُودِ فَكَذا هَهُنا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعْدادَ لِلْجِهادِ بِالنَّبْلِ والسِّلاحِ وتَعْلِيمِ الفُرُوسِيَّةِ والرَّمْيِ فَرِيضَةٌ، إلّا أنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الرِّباطُ المُرابَطَةُ أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ، كَفِصالٍ وفَصِيلٍ، ولا شَكَّ أنَّ رَبْطَ الخَيْلِ مِن أقْوى آلاتِ الجِهادِ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ سِيرِينَ: إنَّ فُلانًا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ لِلْحُصُونِ، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُشْتَرى بِهِ الخَيْلُ فَتُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُغْزى عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما أوْصى لِلْحُصُونِ، فَقالَ: هي الخَيْلُ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشّاعِرِ:

ولَقَدْ عَلِمْتُ عَلى تَجَنُّبِيَ الرَّدى أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرى
قالَ عِكْرِمَةُ: ومِن رِباطِ الخَيْلِ: الإناثُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ إذا رُبِطَتْ في الأفْنِيَةِ وعُلِفَتْ رُبُطًا واحِدُها رَبِيطٌ، ويُجْمَعُ رُبُطٌ عَلى رِباطٍ وهو جَمْعُ الجَمْعِ، فَمَعْنى الرِّباطِ هَهُنا الخَيْلُ المَرْبُوطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفُسِّرَ بِالإناثِ لِأنَّها أوْلى ما يُرْبَطُ لِتَناسُلِها ونَمائِها بِأوْلادِها، فارْتِباطُها أوْلى مِنَ ارْتِباطِ الفُحُولِ، هَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَلْ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى الفُحُولِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن رِباطِ الخَيْلِ المُحارَبَةُ عَلَيْها، ولا شَكَّ أنَّ الفُحُولَ أقْوى عَلى الكَرِّ والفَرِّ والعَدْوِ، فَكانَتِ المُحارَبَةُ عَلَيْها أسْهَلَ، فَوَجَبَ تَخْصِيصُ هَذا اللَّفْظِ بِها، ولَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَفْهُومِهِ الأصْلِيِّ، وهو كَوْنُهُ خَيْلًا مَرْبُوطًا، سَواءٌ كانَ مِنَ الفُحُولِ أوْ مِنَ الإناثِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما لِأجْلِهِ أمَرَ بِإعْدادِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ إذا عَلِمُوا كَوْنَ المُسْلِمِينَ مُتَأهِّبِينَ لِلْجِهادِ ومُسْتَعِدِّينَ لَهُ

صفحة ١٤٩
مُسْتَكْمِلِينَ لِجَمِيعِ الأسْلِحَةِ والآلاتِ خافُوهم، وذَلِكَ الخَوْفُ يُفِيدُ أُمُورًا كَثِيرَةً:
أوَّلُها: أنَّهم لا يَقْصِدُونَ دُخُولَ دارِ الإسْلامِ.

وثانِيها: أنَّهُ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهم فَرُبَّما التَزَمُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ جِزْيَةً.

وثالِثُها: أنَّهُ رُبَّما صارَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ.

ورابِعُها: أنَّهم لا يُعِينُونَ سائِرَ الكُفّارِ.

وخامِسُها: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الزِّينَةِ في دارِ الإسْلامِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ تَكْثِيرَ آلاتِ الجِهادِ وأدَواتِها كَما يُرْهِبُ الأعْداءَ الَّذِينَ نَعْلَمُ كَوْنَهم أعْداءً كَذَلِكَ يُرْهِبُ الأعْداءَ الَّذِينَ لا نَعْلَمُ أنَّهم أعْداءٌ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، والمَعْنى: أنَّ تَكْثِيرَ أسْبابِ الغَزْوِ كَما يُوجِبُ رَهْبَةَ الكُفّارِ فَكَذَلِكَ يُوجِبُ رَهْبَةَ المُنافِقِينَ.

فَإنْ قِيلَ: المُنافِقُونَ لا يَخافُونَ القِتالَ فَكَيْفَ يُوجِبُ ما ذَكَرْتُمُوهُ الإرْهابَ ؟

قُلْنا: هَذا الإرْهابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم إذا شاهَدُوا قُوَّةَ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةَ آلاتِهِمْ وأدَواتِهِمُ انْقَطَعَ عَنْهم طَمَعُهم مِن أنْ يَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ، وذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يَتْرُكُوا الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ويَصِيرُوا مُخْلِصِينَ في الإيمانِ.

والثّانِي: أنَّ المُنافِقَ مِن عادَتِهِ أنْ يَتَرَبَّصَ ظُهُورَ الآفاتِ ويَحْتالَ في إلْقاءِ الإفْسادِ والتَّفْرِيقِ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا شاهَدَ كَوْنَ المُسْلِمِينَ في غايَةِ القُوَّةِ خافَهم وتَرَكَ هَذِهِ الأفْعالَ المَذْمُومَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: في هَذا البابِ ما رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى قالَ: المُرادُ كُفّارُ الجِنِّ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَقالَ: إنَّهُمُ الجِنُّ، ثُمَّ قالَ: ”إنَّ الشَّيْطانَ لا يَخْبِلُ أحَدًا في دارٍ فِيها فَرَسٌ عَتِيقٌ» “ وقالَ الحَسَنُ: صَهِيلُ الفَرَسِ يُرْهِبُ الجِنَّ، وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ تَكْثِيرَ آلاتِ الجِهادِ لا يُعْقَلُ تَأْثِيرُهُ في إرْهابِ الجِنِّ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمَ كَما يُعادِيهِ الكافِرُ، فَكَذَلِكَ قَدْ يُعادِيهِ المُسْلِمُ أيْضًا، فَإذا كانَ قَوِيَّ الحالِ كَثِيرَ السِّلاحِ، فَكَما يَخافُهُ أعْداؤُهُ مِنَ الكُفّارِ، فَكَذَلِكَ يَخافُهُ كُلُّ مَن يُعادِيهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ وهو عامٌّ في الجِهادِ وفي سائِرِ وُجُوهِ الخَيْراتِ‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوَفَّ لَكم أجْرُهُ، أيْ لا يَضِيعُ في الآخِرَةِ أجْرُهُ، ويُعَجِّلُ اللَّهُ عِوَضَهُ في الدُّنْيا‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ لا تُنْقَصُونَ مِنَ الثَّوابِ، ولَمّا ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَّفْسِيرَ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكَهْفِ: ٣٣] .

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 8:58–62 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:58