All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

At-Tawbah 9:116 Juzʾ 11 Page 205

‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allah any protector or any helper.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، والمُسْلِمُونَ كانُوا قَدْ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهم قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ وسائِرِ أقْرِبائِهِمْ مِمَّنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خافُوا بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ مِن الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأيْضًا فَإنَّ أقْوامًا مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، كانُوا قَدْ ماتُوا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَقَعَ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم، فَأزالُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُهم بِعَمَلٍ إلّا بَعْدَ أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوهُ ويَحْتَرِزُوا عَنْهُ. فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ في النَّظْمِ. وقِيلَ المُرادُ: إنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ المَنعِ مِن مُخالَطَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، ووُجُوبِ مُبايِنَتِهِمْ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُوالاتِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الإلَهَ الرَّحِيمَ الكَرِيمَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا التَّشْدِيدُ الشَّدِيدُ في حَقِّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ ؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ أقْوامًا بِالعُقُوبَةِ بَعْدَ إذْ دَعاهم إلى الرُّشْدِ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوهُ، فَأمّا بَعْدَ أنْ فَعَلَ ذَلِكَ وأزاحَ العُذْرَ وأزالَ العِلَّةَ فَلَهُ أنْ يُؤاخِذَهم بِأشَدِّ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ والعُقُوبَةِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى:(لِيُضِلَّ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ أضَلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ صَرَفَهَ عَنْهُ ومَنَعَهُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ.

والثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِن هَذا الإضْلالِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الكُمَيْتِ:

وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ

صفحة ١٦٩
وقالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: هَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ، لِأنَّ العَرَبَ إذا أرادُوا ذَلِكَ المَعْنى قالُوا: ضَلَّلَ يُضْلِلُ، واحْتِجاجُهم بِبَيْتِ الكُمَيْتِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِنا أكْفَرَ في الحُكْمِ صِحَّةُ قَوْلِنا أضَلَّ ولَيْسَ كُلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ فِيهِ أفْعَلُ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ كَسَرَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ أكْسَرَهُ، بَلْ يَجِبُ فِيهِ الرُّجُوعُ إلى السَّماعِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُوقِعَ الضَّلالَةَ في قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الهُدى، حَتّى يَكُونَ مِنهُمُ الأمْرُ الَّذِي بِهِ يُسْتَحَقُّ العِقابُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: حاصِلُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ أحَدًا إلّا بَعْدَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ كَوْنَ ذَلِكَ الفِعْلِ قَبِيحًا، ومَنهِيًّا عَنْهُ. وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وبِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَكانَ التَّقْدِيرُ: أنَّ مَن كانَ عالِمًا قادِرًا هَكَذا، لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا، والعالِمُ القادِرُ الغَنِيُّ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ والعِقابَ قَبْلَ البَيانِ. وإزالَةُ العُذْرِ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ تَعالى، فَنَظْمُ الآيَةِ إنَّما يَصِحُّ إذا فَسَّرْناها بِهَذا الوَجْهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الِابْتِداءُ بِالعِقابِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ.

والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ إلّا بَعْدَ التَّبْيِينِ وإزالَةِ العُذْرِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَسَقَطَ ما ذَكَرْتُمُوهُ في هَذا البابِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى هَهُنا فَوائِدُ:

إحْداها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالبَراءَةِ مِنَ الكُفّارِ بَيَّنَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا كانَ هو ناصِرًا لَكم، فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْرارِكم.

وثانِيها: أنَّ القَوْمَ مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَمّا أمَرْتَنا بِالِانْقِطاعِ مِنَ الكُفّارِ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِآبائِنا وأوْلادِنا وإخْوانِنا؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ الكَثِيرُ مِنهم كافِرِينَ، والمُرادُ أنَّكم إنْ صِرْتُمْ مَحْرُومِينَ عَنْ مُعاوَنَتِهِمْ ومُناصَرَتِهِمْ، فالإلَهُ الَّذِي هو المالِكُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ والمُحْيِي والمُمِيتُ ناصِرُكم، فَلا يَضُرُّكم أنْ يَنْقَطِعُوا عَنْكم.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَأنَّهُ قالَ وجَبَ عَلَيْكم أنْ تَنْقادُوا لِحُكْمِي وتَكْلِيفِي لِكَوْنِي إلَهَكم ولِكَوْنِكم عَبِيدًا لِي.

The same ayah, in another commentary

At-Tawbah 9:116