All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Layl 92:19 Juzʾ 30 Page 596

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And not [giving] for anyone who has [done him] a favor to be rewarded

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ مَعْنى سَيُجَنَّبُها أيْ: سَيُبْعَدُها ويُجْعَلُ مِنها عَلى جانِبٍ يُقالُ: جَنَّبْتُهُ الشَّيْءَ أيْ: بَعَّدْتُهُ وجَنَّبْتُهُ عَنْهُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ مِنّا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. واعْلَمْ أنَّ الشِّيعَةَ بِأسْرِهِمْ يُنْكِرُونَ هَذِهِ الرِّوايَةَ، ويَقُولُونَ: إنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٥٥] فَقَوْلُهُ: ﴿الأتْقى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ إشارَةٌ إلى ما في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهم في مَحْضَرِي قُلْتُ: أُقِيمَ الدَّلالَةُ العَقْلِيَّةُ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أبُو بَكْرٍ، وتَقْرِيرُها: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الأتْقى هو أفْضَلُ الخَلْقِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أبُو بَكْرٍ، فَهاتانِ المُقَدِّمَتانِ مَتى صَحَّتا صَحَّ المَقْصُودُ، إنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ مِن هَذا الأتْقى أفْضَلُ الخَلْقِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والأكْرَمُ هو الأفْضَلُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أتْقى وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْرَمَ كانَ أتْقى، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ أتْقى كانَ أكْرَمَ، قُلْنا: وصْفُ كَوْنِ الإنْسانِ أتْقى مَعْلُومٌ مُشاهَدٌ، ووَصْفُ كَوْنِهِ أفْضَلَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ولا مُشاهَدٌ، والإخْبارُ عَنِ المَعْلُومِ بِغَيْرِ المَعْلُومِ هو الطَّرِيقُ الحَسَنُ، أمّا عَكْسُهُ فَغَيْرُ مُفِيدٍ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّ الأكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو الأتْقى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ أتْقاكم أكْرَمُكم عِنْدَ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الأتْقى المَذْكُورَ هَهُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أفْضَلَ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ، فَنَقُولُ: لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أبا بَكْرٍ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ أفْضَلَ الخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، إمّا أبُو بَكْرٍ أوْ عَلِيٌّ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُها عَلى أبِي بَكْرٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ هَذا الأتْقى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏

صفحة ١٨٦
وهَذا الوَصْفُ لا يَصْدُقُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ في تَرْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ أخَذَهُ مِن أبِيهِ وكانَ يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ، ويَكْسُوهُ، ويُرَبِّيهِ، وكانَ الرَّسُولُ مُنْعِمًا عَلَيْهِ نِعْمَةً يَجِبُ جَزاؤُها، أمّا أبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ [ نِعْمَةٌ ] دُنْيَوِيَّةٌ، بَلْ أبُو بَكْرٍ كانَ يُنْفِقُ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ كانَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ نِعْمَةُ الهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الدِّينِ، إلّا أنَّ هَذا لا يُجْزى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] والمَذْكُورُ هَهُنا لَيْسَ مُطْلَقَ النِّعْمَةِ بَلْ نِعْمَةٌ تُجْزى، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَصْلُحُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ، وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الأفْضَلَ مِنَ الأُمَّةِ، إمّا أبُو بَكْرٍ أوْ عَلِيٍّ، وثَبَتَ أنَّ الآيَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِعَلِيٍّ، تَعَيَّنَ حَمْلُها عَلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وثَبَتَ دَلالَةُ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ أفْضَلُ الأُمَّةِ، وأمّا الرِّوايَةُ فَهي أنَّهُ كانَ بِلالًا [ عَبْدًا ] لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، فَسَلَحَ عَلى الأصْنامِ فَشَكا إلَيْهِ المُشْرِكُونَ فِعْلَهُ، فَوَهَبَهُ لَهم، ومِائَةً مِنَ الإبِلِ يَنْحَرُونَها لِآلِهَتِهِمْ، فَأخَذُوهُ وجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ في الرَّمْضاءِ وهو يَقُولُ: أحَدٌ، أحَدٌ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، وقالَ: يُنْجِيكَ أحَدٌ، أحَدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ أبا بَكْرٍ أنَّ بِلالًا يُعَذَّبُ في اللَّهِ؛ فَحَمَلَ أبُو بَكْرٍ رِطْلًا مِن ذَهَبٍ فابْتاعَهُ بِهِ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَنَزَلَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وهو عَلى المِنبَرِ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَشْتَرِي الضَّعَفَةَ مِنَ العَبِيدِ فَيُعْتِقُهم، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: يا بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ تَبْتاعُ مَن يَمْنَعُ ظَهْرَكَ، فَقالَ: مَنعُ ظَهْرِي أُرِيدُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَحَلِّ: ﴿يَتَزَكّى﴾ وجْهانِ: إنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِن ﴿يُؤْتِي﴾ فَلا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ، والصِّلاتُ لا مَحَلَّ لَها، وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُؤْتِي﴾ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Layl 92:19