All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Ṣād 38:16 Juzʾ 23 Page 453

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account"

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حِكايَةٌ لِما قالُوهُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِتَأْخِيرِ عِقابِهِمْ إلى الآخِرَةِ، أيْ قالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِسْطَنا، ونَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ، ولا تُؤَخِّرْهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الصَّيْحَةُ المَذْكُورَةُ، وتَصْدِيرُ دُعائِهِمْ بِالنِّداءِ المَذْكُورِ لِلْإمْعانِ في الِاسْتِهْزاءِ، كَأنَّهم يَدْعُونَ ذَلِكَ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والِابْتِهالِ، والقائِلُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ، وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وأبُو جَهْلٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَلى القَوْلَيْنِ الباقُونَ راضُونَ، فَلِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِن قَطَّهُ إذا قَطَعَهُ، ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطٌّ، لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القِرْطاسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:

ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ بِنِعْمَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويُطْلِقُ
قِيلَ: وهو في ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وقَدْ فَسَّرَهُ بِها هَنا أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ، أيْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا، لِنَنْظُرَ فِيها، وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم أرادُوا نَصِيبَهم مِنَ الجَنَّةِ.

ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّهم سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ وعْدَ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنها لِنَتَنَعَّمَ بِهِ في الدُّنْيا.

قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أقْوى التَّفاسِيرِ أنَّهم سَألُوا أنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ النَّعِيمُ الَّذِي كانَ يَعِدُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَن آمَنَ لِقَوْلِهِمْ رَبَّنا، ولَوْ كانَ عَلى ما يَحْمِلُهُ أهْلُ التَّأْوِيلِ مِن سُؤالِ العَذابِ أوِ الكِتابِ اسْتِهْزاءً لَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ، ولَمْ يَسْألُوا رَبَّهُمْ، وفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ آنِفًا.

‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allah].

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى ما يَتَجَدَّدُ مِن أمْثالِ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ المُؤْذِيَةِ، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ اذْكُرْ لَهم قِصَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَعْظِيمًا لِلْمَعْصِيَةِ في أعْيُنِهِمْ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى كَمالِ قُبْحِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ، وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ والمُلْكَ لَمّا ألَمَّ بِما هو خِلافُ الأوْلى نالَهُ ما ألَمَّهُ، وأدامَ غَمَّهُ ونَدَمَهُ، فَما الظَّنُّ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الأذَلِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَزالُوا عَلى أكْبَرِ الكَبائِرِ مُصِرِّينَ، أوِ اذْكُرْ قِصَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في نَفْسِكَ، وتَحَفَّظْ مِنِ ارْتِكابِ ما يُوجِبُ العِتابَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَذْكُرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ عَرَضَ لَهم ما عَرَضَ، فَصَبَرُوا حَتّى فَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وأحْسَنَ عاقِبَتَهُمْ، تَرْغِيبًا لَهُ في الصَّبْرِ وتَسْهِيلًا لِأمْرِهِ عَلَيْهِ، وإيذانًا بِبُلُوغِ ما يُرِيدُهُ بِذَلِكَ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: أمَرَهُ بِالصَّبْرِ، وذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ بُرْهانًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، والذِّكْرُ عَلى هَذا، والأوَّلِ لِسانِيٌّ، وعَلى ما بَيْنَهُما قَلْبِيٌّ، وهو مُرادُ مَن فَسَّرَ ﴿اذْكُرْ﴾ عَلى ذَلِكَ بِتَذَكَّرْ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ ذا القُوَّةِ، يُقالُ: فُلانٌ أيْدٍ وذُو أيْدٍ وذُو آدٍ وأيادٍ بِمَعْنى، وأيادِ كُلِّ شَيْءٍ ما يُتَقَوّى بِهِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ أنَّهُما قالا:

الأوّابُ المُسَبِّحُ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أنَّهُ المُسَبِّحُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، «عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ فَقالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى».

وهَذا إنْ صَحَّ لا يُعْدَلُ عَنْهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذا الأيْدِ، وتَدُلُّ بِأيِّ مَعْنًى كانَ الأوّابُ فِيها عَلى أنَّ المُرادَ
صفحة 174
بِالأيْدِ القُوَّةُ الدِّينِيَّةُ، وهي القُوَّةُ عَلى العِبادَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وغَيْرُهم إذْ لا يَحْسُنُ التَّعْلِيلُ لَوْ حُمِلَتِ القُوَّةُ عَلى القُوَّةِ في الجِسْمِ، نَعَمْ قَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوِيَّ الجِسْمِ أيْضًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ هُنا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعَبْدِنا ووَصْفِهِ بِذِي الأيْدِ، والتَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ دِلالَةٌ عَلى كَثْرَةِ عِبادَتِهِ ووُفُورِ طاعَتِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا ذَكَرَ داوُدَ وحَدَّثَ عَنْهُ قالَ: كانَ أعْبَدَ البَشَرِ» .

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنِّي أعْبَدُ مِن داوُدَ“».

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا وكانَ يَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ.

وفِي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى قُوَّتِهِ في العِبادَةِ لِما في كُلٍّ مِنَ الصِّيامِ والقِيامِ المَذْكُورَيْنِ مِن تَرْكِ راحَةٍ تَذْكُرُها قَرِيبًا.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allah] in the [late] afternoon and [after] sunrise.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قِصَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لِتَعْلِيلِ قُوَّتِهِ في الدِّينِ، وأوّابِيَّتِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَعَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَخَّرَ، وإيثارُها عَلى اللّامِ، لِأنَّ تَسْخِيرَ الجِبالِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيها إلَيْهِ كَتَسْخِيرِ الرِّيحِ وغَيْرِها لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ بِطَرِيقِ الِاقْتِداءِ بِهِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى: وأُخِّرَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ عَنِ ‏‏‏‏‏ وقُدِّمَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ]، فَقِيلَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لِذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ ثَمَّتَ، فَقُدِّمَ مُسارَعَةً لِلتَّعْيِينِ، ولا كَذَلِكَ هُنا، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ وهو أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى آيَةِ الأنْبِياءِ، وتَسْبِيحُهُنَّ تَقْدِيسٌ بِلِسانٍ، قالَ لائِقٌ بِهِنَّ نَظِيرَ تَسْبِيحِ الحَصى المَسْمُوعِ في كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: تَقْدِيسٌ بِلِسانِ الحالِ، وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَعْدُ يَأْباهُ إذْ لا اخْتِصاصَ لِتَسْبِيحِهِنَّ الحالِيِّ بِهِما، وكَذا لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعَهُ، وقِيلَ: المَعْنى يَسِرْنَ مَعَهُ عَلى أنَّ يُسَبِّحْنَ مِنَ السِّباحَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ ‏‏‏‏‏ والعُدُولُ عَنْ مُسَبِّحاتٍ مَعَ أنَّ الأصْلَ في الحالِ الإفْرادُ لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّسْبِيحِ حالًا بَعْدَ حالٍ نَظِيرَ ما في قَوْلِ الأعْشى:

لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ إلى ضَوْءِ نارٍ في يَفاعٍ تَحَرَّقُ
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ، ومُقابَلَتُها بِمَحْشُورَةٍ هُنا كالمُعَيِّنَةِ لِلْحالِيَّةِ، ‏‏‏‏‏ هو كَما قالَ الرّاغِبُ: مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، أيْ يُسَبِّحْنَ بِهَذا الوَقْتِ، ولَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في اسْتِيعابِهِ بِالتَّسْبِيحِ، ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ وقْتَ الإشْراقِ، قالَ ثَعْلَبٌ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ وصَفَتْ، فَوَقْتُ الإشْراقِ وقْتُ ارْتِفاعِها عَنِ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، وصَفاءِ شُعاعِها، وهو الضَّحْوَةُ الصُّغْرى.

ورُوِيَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى شَيْءٌ حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أيْضًا: ما عَرَفْتُ صَلاةَ الضُّحى إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ فَهْمِ الحَبْرِ إيّاها مِنَ الآيَةِ أيْ كُلُّ تَسْبِيحٍ ورَدَ في القُرْآنِ فَهو عِنْدَهُ، ما لَمْ يُرَدْ بِهِ التَّعَجُّبُ، والتَّنْزِيهُ بِمَعْنى الصَّلاةِ، فَحَيْثُ كانَتْ صَلاةٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُصَّتْ عَلى طَرِيقِ المَدْحِ عُلِمَ مِنهُ مَشْرُوعِيَّتُها.

وفِي الكَشْفِ: وجْهُهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ بِالتَّسْبِيحِ، وقَدْ عُلِمَ مِنَ الرِّوايَةِ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي مُسَبِّحًا فِيهِما، فَحُكِيَ في القُرْآنِ ما كانَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّتَهُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الضُّحى، وهو المَطْلُوبُ، أوْ نَقُولُ: إنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ
صفحة 175
غَيْرُ تَسْبِيحِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ الأوَّلَ مَجازٌ، فَحُمِلَ تَسْبِيحُ داوُدَ عَلى المَجازِ أيْضًا، لِأنَّ المَجازَ أنْسَبُ اهـ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إذا عُلِمَ مِنَ الرِّوايَةِ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ أخَذَهُ مِنَ الآيَةِ؟ والتَّجَوُّزُ يَنْبَغِي تَقْلِيلُهُ ما أمْكَنَ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ ‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ (بِيُسَبِّحْنَ) حَتّى يَكُونَ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسَبِّحًا، أيْ مُصَلِّيًا، وإلّا فَتَسْبِيحُ الجِبالِ لا دِلالَةَ لَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومَعَ هَذا فَفِيهِ حِينَئِذٍ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ، إلّا أنْ يُقالَ بِهِ، أوْ يُجْعَلَ بِمَعْنى يُعَظِّمْنَ، ويُجْعَلَ تَعْظِيمُ كُلٍّ مَحْمُولًا عَلى ما يُناسِبُهُ، وبَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وارْتَضى الخَفاجِيُّ الأوَّلَ وأُراهُ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ أيْضًا.

وقالَ الجَلَبِيُّ في ذَلِكَ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ شَرَفٍ، فَيَصْلُحُ ذَلِكَ الشَّرَفُ سَبَبًا لِتَعْيِينِهِما لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَإنَّ لِفَضِيلَةِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ أثَرًا في فَضِيلَةِ ما يَقَعُ فِيهِما مِنَ العِباداتِ، وهَذا عِنْدِي أصْفى مِمّا تَقَدَّمَ، ويُشْعِرُ بِهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَما أدْرِي ما هي حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ صَلاةَ الضُّحى ثَمانِ رَكَعاتٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أنَّ لِهَذِهِ السّاعَةِ صَلاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

هَذا، ولَهم في صَلاةِ الضُّحى كَلامٌ طَوِيلٌ، والحَقُّ سُنِّيَّتُها، وقَدْ ورَدَ فِيها كَما قالَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ ابْنُ العِراقِيِّ: أحادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ حَتّى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّها بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ.

ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ هانِئٍ الَّذِي في الصَّحِيحَيْنِ، وزَعَمَ أنَّ تِلْكَ الصَّلاةَ كانَتْ صَلاةَ شُكْرٍ، لِذَلِكَ الفَتْحِ العَظِيمِ صادَفَتْ ذَلِكَ الوَقْتَ، لا أنَّها عِبادَةٌ مَخْصُوصَةٌ فِيهِ دُونَ سَبَبِ أوانِها كانَتْ قَضاءً عَمّا شَغَلَ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن حِزْبِهِ، فِيها خِلافُ ظاهِرِ الخَبَرِ السّابِقِ عَنْها.

وكَذا ما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ كُرَيْبٍ عَنْها أنَّها قالَتْ: «صَلّى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - سُبْحَةَ الضُّحى» .

ومُسْلِمٌ في كِتابِ الطَّهارَةِ مِن طَرِيقِ أبِي مُرَّةَ عَنْها أيْضًا، فَفِيهِ: ثُمَّ صَلّى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ سُبْحَةَ الضُّحى.

وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ أنَّها قالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، فَصَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ، فَقُلْتُ: ما هَذِهِ الصَّلاةُ؟ قالَ: هَذِهِ صَلاةُ الضُّحى».

واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّفْيِ بِحَدِيثِ عائِشَةَ، «إنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعَ العَمَلَ، وهو يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ بِهِ النّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وما سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحى قَطُّ، وإنِّي لَأُسَبِّحُها،» رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وأبُو مالِكٍ، وحَمَلَهُ القائِلُونَ بِالإثْباتِ عَلى نَفْيِ رُؤْيَتِها ذَلِكَ لِما أنَّهُ رَوى عَنْها مُسْلِمٌ، وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أرْبَعًا، ويَزِيدُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى».

وقَدْ شَهِدَ أيْضًا بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّيها عَلى ما قالَ الحاكِمُ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ، وزَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وبُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، وعُتْبانُ بْنُ مالِكٍ، وعُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، ونُعَيْمُ بْنُ هَمّامٍ الغَطَفانِيُّ، وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ، وأُمُّ هانِئٍ، وأُمُّ سَلَمَةَ، ومِنَ القَواعِدِ المَعْرُوفَةِ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي مَعَ أنَّ رِوايَةَ الإثْباتِ أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِن رِوايَةِ النَّفْيِ، وتَأْوِيلَها أهْوَنُ مِن تَأْوِيلِ تِلْكَ، وذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّها أفْضَلُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الرَّواتِبِ لَكِنَّ النَّوَوِيَّ في شَرْحِ المُهَذِّبِ قَدَّمَ عَلَيْها صَلاةَ التَّراوِيحِ، فَجَعَلَها في الفَضْلِ بَيْنَ الرَّواتِبِ والضُّحى، والمَذْهَبُ عَنْهم وُجُوبُها عَلَيْهِ ﷺ، وأنَّ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واحْتُجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وأُمِرْتُ بِصَلاةِ الضُّحى، ولَمْ تُؤْمَرُوا»
صفحة 176
بِها“ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا، وقالَ شَيْخُ الحُفّاظِ أبُو الفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في خَبَرٍ صَحِيحٍ، وفي الأخْبارِ ما يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ أقَلَّها رَكْعَتانِ.

لِخَبَرِ البُخارِيِّ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْصاهُ بِهِما، وأنْ لا يَدَعَهُما،» وأدْنى كَمالِها أرْبَعٌ لِما صَحَّ: «كانَ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أرْبَعًا ويَزِيدُ ما شاءَ،» فَسِتٌّ، فَثَمانٍ، وأكْثَرُها اثْنَتا عَشْرَةَ رَكْعَةً، لِخَبَرٍ ضَعِيفٍ يُعْمَلُ بِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ الأكْثَرَ ثَمانٍ.

وذَكَرُوا أنَّها أفْضَلُ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، والعَمَلُ القَلِيلُ قَدْ يَفْضُلُ الكَثِيرَ فَما يَقْتَضِيهِ أجْرُكَ عَلى قَدْرِ نَصَبِكَ أغْلَبِيٌّ.

وصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِالمُغايَرَةِ بَيْنَ صَلاةِ الضُّحى وصَلاةِ الإشْراقِ قالَ: ومِمّا لا يُسَنُّ جَماعَةً رَكْعَتانِ عَقِبَ الإشْراقِ بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِ الكَراهَةِ، وهي غَيْرُ الضُّحى، وتَقَدَّمَ لَكَ ما يُفِيدُ اتِّحادِهِما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وصَحَّ إطْلاقُ صَلاةِ الأوّابِينَ عَلى صَلاةِ الضُّحى، كَإطْلاقِها عَلى الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ بَعْدَ المَغْرِبِ، هَذا وتَمامُ الكَلامِ فِيها في كُتُبِ الفِقْهِ والحَدِيثِ،

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And the birds were assembled, all with him repeating [praises].

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 38:16–20 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Ṣād 38:16