All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Al-Wāqiʿah 56:81 Juzʾ 27 Page 537

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then is it to this statement that you are indifferent

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أتُعْرِضُونَ فَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِإعْظامِهِ وإجْلالِهِ والإيمانِ بِما تَضَمَّنَهُ وأرْشَدَ إلَيْهِ وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُتَهاوِنُونَ بِهِ كَمَن يَدْهُنُ في الأمْرِ أيْ يَلِينُ جانِبُهُ ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ تَهاوُنًا بِهِ، وأصْلُ الِإدْهانِ كَما قِيلَ: جَعْلُ الأدِيمِ ونَحْوِهِ مَدْهُونًا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّهْنِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلَيِّنًا لَيِّنًا مَحْسُوسًا يُرادُ بِهِ اللِّينُ المَعْنَوِيُّ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ اللِّينِ أوِ اسْتُعِيرَ لَهُ، ولِذا سُمِّيَتِ المُداراةُ مُداهَنَةً وهَذا مَجازٌ مَعْرُوفٌ ولِشُهْرَتِهِ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ولِذا تَجَوَّزَ بِهِ هُنا عَنِ التَّهاوُنِ أيْضًا لِأنَّ المُتَهاوِنَ بِالأمْرِ
صفحة 156
لا يَتَصَلَّبُ فِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّجّاجِ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مُكَذِّبُونَ وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّكْذِيبَ مِن فُرُوعِ التَّهاوُنِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أيْ مُنافِقُونَ في التَّصْدِيقِ بِهِ تَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا بِهِ وإذا خَلَوْتُمْ إلى إخْوانِكم قُلْتُمْ: إنّا مَعَكم والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ وما قَدَّمْناهُ أوْلى، والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْكُفّارِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهَذا الحَدِيثِ ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: وكانُوا يَقُولُونَ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقِعَةَ: 47، 48] فالكَلامُ عَوْدٌ إلى ذَلِكَ بَعْدَ رَدِّهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أفَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ في إنْكارِ البَعْثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ أصْحابَكم أيْ تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ مُداهَنَةً أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ وعَلى الإصْرارِ عَلَيْهِ عازِمُونَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ وسَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And make [the thanks for] your provision that you deny [the Provider]?

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ شُكْرَكم ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وبِنَجْمِ كَذا وكَذا، أخْرَجَ ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو إمّا إشارَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا أيْ شُكْرُ رِزْقِكم أوْ إشارَةٌ إلى أنَّ الرِّزْقَ مَجازٌ عَنْ لازِمِهِ وهو الشُّكْرُ، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ ما رُزِقَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى شَكَرَهُ، ونُقِلَ عَنِ الكَرْمانِيِّ أنَّهُ نَقَلَ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ الرِّزْقَ مِن أسْماءِ الشُّكْرِ واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ ولَعَلَّهُ هو ما حَكاهُ الهَيْثَمُ، وفي البَحْرِ وغَيْرِهِ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنَ عَبّاسٍ قَرَآ - شُكْرَكم - بَدَلَ ( رِزْقَكم ) وحَمَلَهُ بَعْضُ شُرّاحِ البُخارِيِّ عَلى التَّفْسِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتِّلاوَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: «قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «الواقِعَةَ» في الفَجْرِ فَقالَ: «وتَجْعَلُونَ - شُكْرَكم - أنَّكم تُكَذِّبُونَ» فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: إنِّي قَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ سَيَقُولُ قائِلٌ لِمَ قَرَأها هَكَذا إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ كانُوا إذا أُمْطِرُوا قالُوا: أُمْطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - وتَجْعَلُونَ - شُكْرَكم أنَّكم إذا مُطِرْتُمْ تُكَذِّبُونَ -» ومَعْنى جَعْلِ شُكْرِهِمِ التَّكْذِيبَ جَعْلُ التَّكْذِيبِ مَكانَ الشُّكْرِ فَكَأنَّهُ عَيَّنَهُ عِنْدَهم فَهو مِن بابِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ كَيُّ الصَّحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وتَجْعَلُونَ ) إلَخْ نَزَلَ في القائِلِينَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما قَبْلُ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««مُطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أصْبَحَ مِنَ النّاسِ شاكِرٌ ومِنهم كافِرٌ قالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وضَعَها اللَّهُ وقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الواقِعَةَ: 75] حَتّى بَلَغَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏» .

وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَ ذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُرْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلُوا الحِجْرَ فَأمَرَهم ﷺ أنْ لا يَحْمِلُوا مِن مائِهِ شَيْئًا ثُمَّ ارْتَحَلُوا ونَزَلُوا مَنزِلًا آخَرَ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا فَأُمْطِرُوا وسَقَوْا فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُتَّهَمُ بِالنِّفاقِ: إنَّما مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَنَزَلَ ما نَزَلَ»، ولَعَلَّ جَمْعًا مِنَ الكُفّارِ قالُوا نَحْوَ ذَلِكَ أيْضًا بَلْ هم لَمْ يَزالُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، والأخْبارُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ في القائِلِينَ بِالأنْواءِ، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها تَوْبِيخٌ لِأُولَئِكَ، وظاهِرُ مُقابَلَةِ الشُّكْرِ بِالكُفْرِ في الحَدِيثِ السّابِقِ أنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ كُفْرانُ النِّعْمَةِ إذا أُضِيفَتْ لِغَيْرِ مُوجِدِها جَلَّ جَلالُهُ
صفحة 157
وقَدْ صَحَّ ذِكْرُهُ مَعَ الإيمانِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجَهْنِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصُّبْحَ بِالحُدَيْبِيَةِ في إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمّا سَلَّمَ أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكم في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَقالَ: قالَ: ما أنْعَمْتُ عَلى عِبادِي نِعْمَةً إلّا أصْبَحَ فَرِيقٌ مِنهم بِها كافِرِينَ فَأمّا مَن آمَنَ بِي وحَمِدَنِي عَلى سُقْيايَ فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِي وكَفَرَ بِالكَواكِبِ وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِالكَوْكَبِ وكَفَرَ بِي»» والآيَةُ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها في قائِلِي ذَلِكَ ظاهِرَةٌ في كُفْرِهِمِ المُقابِلِ لِلْإيمانِ فَكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ اعْتِقادِ أنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ حَقِيقَةً مُوجِدَةٌ لِلْمَطَرِ وهو كُفْرٌ بِلا رَيْبٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والنَّوْءُ مِيقاتٌ وعَلامَةٌ لَهُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وقِيلَ: تَسْمِيَتُهُ كُفْرًا لِأنَّهُ يُفْضِي إلَيْهِ إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ حَقِيقَةً.

هَذا وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ - وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم - لِنِعْمَةِ القُرْآنِ - أنَّكم تُكَذِّبُونَ - بِهِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ: بِئْسَ ما أخَذَ القَوْمُ لِأنْفُسِهِمْ لَمْ يُرْزَقُوا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا التَّكْذِيبَ.

وفِي الإرْشادِ أنَّهُ الأوْفَقُ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ، وأقُولُ ما قَدَّمْناهُ تَفْسِيرٌ مَأْثُورٌ نَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ المَقْبُولَةُ، وذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَيْسَ فِيهِ ما يَأْبى إرادَةَ مَعْنى مُطابِقٍ لِسَبَبِ النُّزُولِ ومُوافِقٌ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ أنْ وصَفَ القُرْآنَ بِما دَلَّ عَلى جَلالَةِ شَأْنِهِ وعِزَّةِ مَكانِهِ وأشْعَرَ بِاشْتِمالِهِ عَلى ما فِيهِ تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ وتَحْلِيَتُها بِما يُوجِبُ كَمالَها مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ ونَحْوِها حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَعَبَّرَ جَلَّ وعَلا عَنْ ذاتِهِ سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الرَّبِّ الدّالِّ عَلى التَّرْبِيَةِ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

وقَدْ يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِكَرِيمٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ نَفّاعٌ جَمُّ المَنافِعِ فَإنَّهُ لا مَنفَعَةَ أجَلَّ مِمّا ذُكِرَ وكانَ قَدْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ بَعِيدٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنَزِّلُ لِماءِ المَطَرِ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا قالَ عَزَّ قائِلًا: أفَبِهَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى العَقائِدِ الحَقَّةِ المُرْشِدِ إلى ما فِيهِ نَفْعُكم أنْتُمْ مُتَهاوِنُونَ فَلا تَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ وتَجْعَلُونَ بَدَلَ شُكْرِكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ، ومِن ذَلِكَ أنَّكم تَقُولُونَ إذا مُطِرْتُمْ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَتُسْنِدُونَ إنْزالَ المَطَرِ إلى الكَواكِبِ وقَدْ أرْشَدَكم غَيْرَ مَرَّةٍ إلى ما يَأْبى ذَلِكَ مِنَ العَقائِدِ وهَداكم إلى أنَّهُ تَعالى هو المُنَزِّلُ لِلْمَطَرِ لا الكَواكِبُ ولا غَيْرُها أصْلًا - فَما جاءَ مِن تَفْسِيرِ تُكَذِّبُونَ بِتَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إلّا بَيانَ نَوْعٍ اقْتَضاهُ الحالُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ المَنعُوتِ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ وكَوْنُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَزْعُمُهُ الكُفّارُ تَكْذِيبًا بِهِ مِمّا لا يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، وهَذا لا تَمَحُّلَ فِيهِ، وقَدْ يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالرِّزْقِ المَطَرُ وكَوْنُ ( تُكَذِّبُونَ ) عَلى مَعْنى تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ - أيِ المَطَرِ - مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ وإنْ لَمْ أقِفْ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في أثَرٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، المَعْنى أفَبِهَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ المُرْشِدِ إلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنهُ تَعالى لا غَيْرُ المُصَرِّحِ عَنْ قَرِيبٍ بِأنَّهُ المُنَزِّلُ لِلْمَطَرِ وحْدَهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ تُكَذِّبُونَ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّجّاجِ ومِن ذَلِكَ أنَّكم تَجْعَلُونَ مَوْضِعَ شُكْرِ ما يَرْزُقُكم مِنَ المَطَرِ ويُنَزِّلُهُ لَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ، والتَّبْكِيتُ الآتِي مَبْنِيٌّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ المَفْهُومِ مِن ( تُكَذِّبُونَ ) أوْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَكِنَّ التَّكْذِيبَ بِهِ بِاعْتِبارِ التَّكْذِيبِ بِبَعْضِ ما نَطَقَ بِهِ بِما سَبَقَ وتَوَقُّفُ المُرادِ بِالآيَةِ عَلى الخَبَرِ غَيْرُ بِدْعٍ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وحالُ عَطْفِ ( تَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ) عَلى ما قَبْلَهُ لا يَخْفى عَلى نَبِيِّهِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِفَهْمِ كِتابِهِ الكَرِيمِ.

صفحة 158
وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «تَكْذِبُونَ» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الكَذِبِ وهو قَوْلُهم في القُرْآنِ إنَّهُ - وحاشاهُ - افْتِراءٌ ويَرْجِعُ إلى هَذا قَوْلُهم في المَطَرِ: إنَّهُ مِنَ الأنْواءِ لِأنَّ القُرْآنَ ناطِقٌ بِخِلافِهِ،

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then why, when the soul at death reaches the throat

روح المعانيAl-Ālūsī

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلَخْ تَبْكِيتٌ كَما سَمِعْتَ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَكْذِيبِهِمْ بِما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلَخْ أعْنِي الآياتِ الدّالَّةَ عَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَواتِهِمْ ومِن حَيْثُ طَعامِهِمْ وشَرابِهِمْ وسائِرِ أسْبابِ مَعايِشِهِمْ - ولَوْلا - لِلتَّحْضِيضِ بِإظْهارِ عَجْزِهِمْ، ( وإذا ) ظَرْفِيَّةٌ، ( والحُلْقُومَ ) مَجْرى الطَّعامِ وضَمِيرُ ( بَلَغَتِ ) لِلنَّفْسِ لِانْفِهامِها مِنَ الكَلامِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ قَبْلُ، والمُرادُ بِها الرُّوحُ بِمَعْنى البُخارِ المُنْبَعِثِ عَنِ القَلْبِ دُونَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ فَإنَّها لا تُوصَفُ بِما ذُكِرَ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وهي المُسَمّاةُ بِالرُّوحِ الأمْرِيَّةِ، وأنَّها لا داخِلَ البَدَنِ ولا خارِجَهُ ولا تَتَّصِفُ بِصِفاتِ الأجْسامِ كالصُّعُودِ والنُّزُولِ وغَيْرِهِما عَلى ما اخْتارَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ وهي الرُّوحُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [الإسْراءَ: 85] جِسْمٌ لَطِيفٌ جِدًّا سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ وهو حَيٌّ بِنَفْسِهِ يَتَّصِفُ بِالخُرُوجِ والدُّخُولِ وغَيْرِهِما مِن صِفاتِ الأجْسامِ وقَدْ رَدَّ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ قَوْلَ الغَزالِيِّ ومَن وافَقَهُ بِأدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها في كِتابِهِ الرُّوحِ، ووَصْفُها بِبُلُوغِ الحُلْقُومِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

وأمّا عَلى القَوْلِ بِالتَّجَرُّدِ وعَدَمِ التَّحَيُّزِ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ ضَعْفُ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ وقُرْبُ انْقِطاعِهِ عَنْهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْلا إذا حانَ انْقِطاعُ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ ﴿وأنْتُمْ﴾ أيُّها الخاسِرُونَ حَوْلَ صاحِبِها ﴿حِينَئِذٍ﴾ أيْ حِينَ إذْ بَلَغَتِ الحُلْقُومُ ووَصَلَتْ إلَيْهِ أوْ حانَ انْقِطاعُ تَعَلُّقِها ﴿تَنْظُرُونَ﴾ إلى ما يُقاسِيهِ مِنَ الغَمَراتِ، وقِيلَ: ( تَنْظُرُونَ ) حالَكم ووَجْهُهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم شاهَدُوا حالَ أنْفُسِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَرَأ عِيسى حِينِئِذٍ بِكَسْرِ النُّونِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ في إذْ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيِ المُحْتَضَرِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ﴿مِنكُمْ﴾ والمُرادُ بِالقُرْبِ العِلْمُ وهو مِن إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ فَإنَّ القُرْبَ أقْوى سَبَبٍ لِلِاطِّلاعِ والعِلْمِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ القُرْبُ عِلْمًا وقُدْرَةً أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن كُلِّ ذَلِكَ مِنكم حَيْثُ لا تَعْرِفُونَ مِن حالِهِ إلّا ما تُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ الشِّدَّةِ مِن غَيْرِ أنْ تَقِفُوا عَلى كُنْهِها وكَيْفِيَّتِها وأسْبابِها الحَقِيقِيَّةِ ولا أنْ تَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ دَفْعِها إلّا بِما لا يُنْجِعُ شَيْئًا ونَحْنُ المُسْتَوْلُونَ لِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ بِعِلْمِنا وقُدْرَتِنا أوْ بِمَلائِكَةِ المَوْتِ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لا تُدْرِكُونَ كَوْنَنا أقْرَبَ إلَيْهِ مِنكم لِجَهْلِكم بِشُؤُونِنا وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: لا تُدْرِكُونَ كُنْهَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ عَلى أنَّ الِاسْتِدْراكَ مِن تَنْظُرُونَ والإبْصارُ مِنَ البَصَرِ بِالعَيْنِ تَجَوُّزٌ بِهِ عَنِ الإدْراكِ أوْ هو مِنَ البَصِيرَةِ بِالقَلْبِ وقِيلَ: أُرِيدَ بِأقْرَبِيَّتِهِ تَعالى إلَيْهِ مِنهم أقْرَبِيَّةُ رُسُلِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ ورُسُلُنا الَّذِينَ يَقْبِضُونَ رُوحَهُ ويُعالِجُونَ إخْراجَها أقْرَبُ إلَيْهِ مِنهم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَهُمْ

You read 56:81–83 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Wāqiʿah 56:81