All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Falaq 113:4 Juzʾ 30 Page 604

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And from the evil of the blowers in knots

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏

هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأنْواعِ الخاصَّةِ المَعْطُوفَةِ عَلى العامِّ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الفلق: ٢] . وعَطْفُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ عَلى شَرِّ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتٌ يَتَحَيَّنُ فِيهِ السَّحَرَةُ إجْراءَ شَعْوَذَتِهِمْ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ.

والنَّفْثُ: نَفْخٌ مَعَ تَحْرِيكِ اللِّسانِ بِدُونِ إخْراجِ رِيقٍ، فَهو أقَلُّ مِنَ التُّفْلِ، يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ إذا وضَعُوا عِلاجَ سِحْرِهِمْ في شَيْءٍ وعَقَدُوا عَلَيْهِ عُقَدًا ثُمَّ نَفَثُوا عَلَيْها.

فالمُرادُ بِـ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ النِّساءُ السّاحِراتُ، وإنَّما جِيءَ بِصِفَةِ المُؤَنَّثِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عِنْدَ العَرَبِ أنْ يَتَعاطى السِّحْرَ النِّساءُ؛ لِأنَّ نِساءَهم لا شُغْلَ لَهُنَّ بَعْدَ تَهْيِئَةِ لَوازِمِ الطَّعامِ والماءِ والنَّظافَةِ؛ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ انْكِبابُهُنَّ عَلى مِثْلِ هاتِهِ السَّفاسِفِ مِنَ السِّحْرِ والتَّكَهُّنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فالأوْهامُ الباطِلَةُ تَتَفَشّى بَيْنَهُنَّ، وكانَ العَرَبُ يَزْعُمُونَ أنَّ الغُولَ ساحِرَةٌ مِنَ الجِنِّ. ووَرَدَ في خَبَرِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ أنَّ عِمارَةَ بْنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ اتُّهِمَ بِزَوْجَةِ النَّجاشِيِّ، وأنَّ النَّجاشِيَّ دَعا لَهُ السَّواحِرَ فَنَفَخْنَ في إحْلِيلِهِ فَصارَ مَسْلُوبَ العَقْلِ هائِمًا عَلى وجْهِهِ ولَحِقَ بِالوُحُوشِ. والعُقَدُ: جَمْعُ عُقْدَةٍ وهي رَبْطٌ في خَيْطٍ أوْ وتَرٍ يَزْعُمُ السَّحَرَةُ أنَّهُ سِحْرُ المَسْحُورِ يَسْتَمِرُّ ما دامَتْ تِلْكَ العُقْدَةُ مَعْقُودَةً، ولِذَلِكَ يَخافُونَ مِن حَلِّها فَيَدْفِنُونَها أوْ يُخَبِّئُونَها في مَحَلٍّ لا يُهْتَدى إلَيْهِ. أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ السَّحَرَةِ؛ لِأنَّهُ ضَمِنَ لَهُ أنْ لا يَلْحَقَهُ شَرُّ السَّحَرَةِ، وذَلِكَ إبْطالٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ في أكاذِيبِهِمْ إنَّهُ مَسْحُورٌ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٨] .

وجُمْلَةُ القَوْلِ هُنا: أنَّهُ لَمّا كانَ الأصَحُّ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُونٌ مِن أنْ يُصِيبَهُ شَرُّ النَّفّاثاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعاذَهُ مِنها.

صفحة ٦٢٩
وأمّا السِّحْرُ فَقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإنَّما جُعِلَتِ الِاسْتِعاذَةُ مِنَ النَّفّاثاتِ لا مِنَ النَّفْثِ، فَلَمْ يَقُلْ: إذا نَفَثْنَ في العُقَدِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْثَهُنَّ في العُقَدِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَجْلِبُ ضُرًّا بِذاتِهِ، وإنَّما يَجْلِبُ الضُّرَّ النّافِثاتُ وهُنَّ مُتَعاطِياتُ السِّحْرِ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَحْرِصُ عَلى أنْ لا يَتْرُكَ شَيْئًا مِمّا يُحَقِّقُ لَهُ ما يَعْمَلُهُ لِأجْلِهِ إلّا احْتالَ عَلى إيصالِهِ إلَيْهِ، فَرُبَّما وضَعَ لَهُ في طَعامِهِ أوْ شَرابِهِ عَناصِرَ مُفْسِدَةً لِلْعَقْلِ أوْ مُهْلِكَةً بِقَصْدٍ أوْ غَيْرِ قَصْدٍ، أوْ قاذُوراتٍ يُفْسِدُ اخْتِلاطُها بِالجَسَدِ بَعْضَ عَناصِرِ انْتِظامِ الجِسْمِ يَخْتَلُّ بِها نَشاطُهُ أوْ إرادَتُهُ، ورُبَّما أغْرى بِهِ مَن يَغْتالُهُ أوْ مَن يَتَجَسَّسُ عَلى أحْوالِهِ لِيُرِيَ لِمَن يَسْألُونَهُ السِّحْرَ أنَّ سِحْرَهُ لا يَخْتَلِفُ ولا يُخْطِئُ.

وتَعْرِيفُ (النَّفّاثاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو في مَعْنى النَّكِرَةِ لا تَفاوُتَ في المَعْنى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الفلق: ٣] وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الفلق: ٥]، وإنَّما أُوثِرَ لَفْظُ النَّفّاثاتِ بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ في مِثْلِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ مَعْلُومَةٌ لِلسّامِعِ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِمْ (أرْسَلَها العِراكَ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

وتَعْرِيفُ (النَّفّاثاتِ) بِاللّامِ إشارَةٌ إلى أنَّهُنَّ مَعْهُوداتٌ بَيْنَ العَرَبِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Falaq 113:4