All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Kahf 18:3 Juzʾ 15 Page 293

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

In which they will remain forever

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏

”لِيُنْذِرَ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أنْزَلَ“، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ لِيُنْذِرَ اللَّهُ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ ”يُنْذِرَ“ مَحْذُوفٌ؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ،

صفحة ٢٤٩
أوْ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المُنْذَرُ بِهِ، وهو البَأْسُ الشَّدِيدُ تَهْوِيلًا لَهُ، ولِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ.
والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في الألَمِ، ويُطْلَقُ عَلى القُوَّةِ في الحَرْبِ؛ لِأنَّها تُؤْلِمُ العَدُوَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٧] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هُنا: شِدَّةُ الحالِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ هو الَّذِي أُطْلِقَ عَلى اسْمِ البَأْسِ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ دَرَجَ الطَّبَرِيُّ، وهَذا إيماءٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما سَيَلْقَوْنَهُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ بَأْسٌ مِن لَدُنْهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِهِ، وبِأمْرِهِ عِبادَهُ أنْ يَفْعَلُوهُ، فاسْتِعْمالُ لَدُنْ هُنا في مَعْنَيَيْهِ؛ الحَقِيقِيِّ، والمَجازِيِّ.

ولَيْسَ في جَعْلِ الإنْذارِ بِبَأْسِ الدُّنْيا عِلَّةً لِإنْزالِ الكِتابِ ما يَقْتَضِي اقْتِصارَ عِلَلِ إنْزالِهِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الواحِدَ قَدْ تَكُونُ لَهُ عِلَلٌ كَثِيرَةٌ يُذْكَرُ بَعْضُها، ويُتْرَكُ بَعْضٌ.

وإنَّما آثَرْتُ الحَمْلَ عَلى جَعْلِ البَأْسِ الشَّدِيدِ بَأْسَ الدُّنْيا لِلتَّفَصِّي مِمّا يَرِدُ عَلى إعادَةِ فِعْلِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الكهف: ٤] كَما سَيَأْتِي.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، وبِهَذا الوَجْهِ فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ الشَّدِيدِ ما يَشْمَلُ بَأْسَ عَذابِ الآخِرَةِ وبَأْسَ عَذابِ الدُّنْيا، وعَلى هَذا دَرَجَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والقُرْطُبِيُّ، ويَكُونَ اسْتِعْمالُ ‏‏ ‏‏‏ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، أمّا في عَذابِ الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في عَذابِ الدُّنْيا فَلِأنَّ بَعْضَهُ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وهُما مِن أفْعالِ النّاسِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أمَرَ المُسْلِمِينَ بِهِما، فَهُما مِن لَدُنْهُ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ ”يُنْذِرَ“ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ يُنْذِرُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الكِتابِ، ولا بِالمُنْزَلِ عَلَيْهِ، ولِدَلالَةِ مُقابَلِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

* * *

صفحة ٢٥٠
‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، فَهو سَبَبٌ آخَرُ لِإنْزالِ الكِتابِ أثارَتْهُ مُناسَبَةُ ذِكْرِ الإنْذارِ لِيَبْقى الإنْذارُ مُوَجَّهًا إلى غَيْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَشِّرَ“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنَّ) أيْ بِأنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا، وذِكْرُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَ ذَلِكَ الأجْرِ بِحُصُولِ ذَلِكَ لِأمْرَيْنِ، ولا يَتَعَرَّضُ القُرْآنُ في الغالِبِ لِحالَةِ حُصُولِ الإيمانِ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، ولِحُكْمِهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ.

والمُكْثُ: الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ، شَبَّهَ ما لَهم مِنَ اللَّذّاتِ والمُلائِماتِ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ حالُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأجْرَ الحَسَنَ كالمُحِيطِ بِهِمْ لا يُفارِقُهم طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ أبَدًا بِتَأْكِيدٍ لِمَعْنى ”ماكِثِينَ“ بَلْ أُفِيدَ بِمَجْمُوعِها الإحاطَةُ والدَّوامُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Kahf 18:3