All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Kahf 18:51 Juzʾ 15 Page 299

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها، وهُما ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الكهف: ٥٠] إلى قَوْلِهِ بَدَلًا، فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ في الخَلْقِ بِطَرِيقِ الأوْلى فَلَمْ يَكُونُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُعْبَدُوا، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ، فَإنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وخَلْقِ المَوْجُوداتِ.

والإشْهادُ: جَعْلُ الغَيْرِ شاهِدًا، أيْ حاضِرًا، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحْضارٍ خاصٍّ، وهو إحْضارُ المُشارَكَةِ في العَمَلِ أوِ الإعانَةِ عَلَيْهِ، ونَفْيُ هَذا الشُّهُودِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ

صفحة ٣٤٣
المُشارَكَةِ في الخَلْقِ والإلَهِيَّةِ بِالفَحْوى، أيْ: بِالأوْلى، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ كانَ قَبْلَ وُجُودِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، فَهو اسْتِدْلالٌ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ بِسَبْقِ العَدَمِ عَلى وُجُودِهِمْ، وكُلُّ ما جازَ عَلَيْهِ العَدَمُ اسْتَحالَ عَلَيْهِ القِدَمُ، والقِدَمُ مِن لَوازِمَ الإلَهِيَّةِ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ”أشْهَدْتُهم“ وقَوْلِهِ ”أنْفُسِهِمْ“ عائِدَةٌ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، أيْ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، كَما عادَ إلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكهف: ٥٠] .
ومَعْنى ”أنْفُسِهِمْ“: أنْفُسُ بَعْضِهِمْ بِقَرِينَةِ اسْتِحالَةِ مُشاهَدَةِ المَخْلُوقِ خَلْقَ نَفْسِهِ، فَإطْلاقُ الأنْفُسِ هَنا نَظِيرُ إطْلاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [النور: ٦١] وفي قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٨٤]، أيْ أنْفُسَ بَعْضِكم، فَعَلى هَذا الوَجْهِ تَتَناسَقُ الضَّمائِرُ، ويَتَقَوَّمُ المَعْنى المَقْصُودُ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ لَهُما سُكّانَهُما كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٩] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ١٠] ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فصلت: ١١] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فصلت: ١٢]، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ في الأرْضِ جِنًّا مُتَصَرِّفِينَ فَكانُوا إذا نَزَلُوا وادِيًا مَخُوفًا قالُوا: أعُوذُ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي، لِيَكُونُوا في أمْنٍ مِن ضُرِّهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (ما أشْهَدْناهم) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ (وما كُنْتَ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى الخِطابِ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ.

والمُرادُ بِالمُضِلِّينَ الشَّياطِينُ؛ لِأنَّهم أضَلُّوا النّاسَ بِإلْقاءِ خَواطِرِ الضَّلالَةِ والفَسادِ في النُّفُوسِ، كَما قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٢١] .

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

صفحة ٣٤٤
والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم إلى المُضِلِّينَ لِإفادَةِ الذَّمِّ، ولِأنَّ التَّذْيِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا.
والعَضُدُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ في الأفْصَحِ، وبِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ في لُغَةِ تَمِيمٍ، وفِيهِ لُغاتٌ أُخْرى أضْعَفُ، ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأهُ بِضَمِّ العَيْنِ وضَمِّ الضّادِ عَلى أنَّها لُغَةٌ في عَضُدٍ، وهي رِوايَةُ هارُونَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ولَيْسَتْ مَشْهُورَةً، وهو: العَظْمُ الَّذِي بَيْنَ المِرْفَقِ والكَتِفِ، وهو يُطْلَقُ مَجازًا عَلى المُعِينِ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: فُلانٌ عَضُدِي، واعْتَضَدْتُ بِهِ.

والمَعْنى: لا يَلِيقُ بِالكَمالِ الإلَهِيِّ أنْ أتَّخِذَ أهْلَ الإضْلالِ أعْوانًا فَأُشْرِكَهم في تَصَرُّفِي في الإنْشاءِ، فَإنَّ اللَّهَ مُفِيضٌ الهِدايَةَ وواهِبٌ الدِّرايَةَ، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْوانُهُ مَصادِرَ الضَّلالَةِ ؟ أيْ لا يُعِينُ المُعِينَ إلّا عَلى عَمَلِ أمْثالِهِ، ولا يَكُونُ إلّا قَرِينًا لِأشْكالِهِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Kahf 18:51