All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Baqarah 2:232 Juzʾ 2 Page 37

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And when you divorce women and they have fulfilled their term, do not prevent them from remarrying their [former] husbands if they agree among themselves on an acceptable basis. That is instructed to whoever of you believes in Allah and the Last Day. That is better for you and purer, and Allah knows and you know not.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مُخاطَبَةُ أوْلِياءِ النِّساءِ، بِألّا يَمْنَعُوهُنَّ مِن مُراجَعَةِ أزْواجِهِنَّ، بَعْدَ أنْ أمَرَ المُفارِقِينَ بِإمْساكِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ ورَغَّبَهم في ذَلِكَ، إذْ قَدْ عَلِمَ أنَّ المَرْأةَ إذا رَأتِ الرَّغْبَةَ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَتْ تَأْلَفُهُ وتُعاشِرُهُ لَمْ تَلْبَثْ أنْ تَقْرِنَ رَغْبَتَهُ بِرَغْبَتِها، فَإنَّ المَرْأةَ سَرِيعَةُ

صفحة ٤٢٦
الِانْفِعالِ قَرِيبَةُ القَلْبِ، فَإذا جاءَ مَنعٌ فَإنَّما يَجِيءُ مِن قَبَلِ الأوْلِياءِ ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَرْغِيبَ النِّساءِ في الرِّضا بِمُراجَعَةِ أزْواجِهِنَّ ونَهى الأوْلِياءَ عَنْ مَنعِهِنَّ مِن ذَلِكَ.
وقَدْ عُرِفَ مِن شَأْنِ الأوْلِياءِ في الجاهِلِيَّةِ، وما قارَبَها، الأنَفَةُ مِن أصْهارِهِمْ، عِنْدَ حُدُوثِ الشِّقاقِ بَيْنَهم وبَيْنَ ولاياهم، ورُبَّما رَأوُا الطَّلاقَ اسْتِخْفافًا بِأوْلِياءِ المَرْأةِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِهِمْ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ عَلى قَصْدِ الِانْتِقامِ مِنهم عِنْدَما يَرَوْنَ مِنهم نَدامَةً، ورَغْبَةً في المُراجَعَةِ، وقَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحِ أنَّ البَدّاحَ بْنَ عاصِمٍ الأنْصارِيَّ طَلَّقَ زَوْجَهُ جُمَيْلا بِالتَّصْغِيرِ وقِيلَ جُمَلا وقِيلَ جَمِيلَةُ ابْنَةُ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها، أرادَ مُراجَعَتَها، فَقالَ لَهُ أبُوها مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ: إنَّكَ طَلَّقْتَها طَلاقًا لَهُ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ تَرَكْتَها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فَلَمّا خُطِبَتْ إلَيَّ أتَيْتَنِي تَخْطُبُها مَعَ الخُطّابِ، واللَّهِ لا أُنْكِحُها أبَدًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ مَعْقِلٌ: فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وأرْجَعْتُها إلَيْهِ وقالَ الواحِدِيُّ: نَزَلْتُ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كانَتْ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ طَلَّقَها زَوْجُها وانْقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ جاءَ يُرِيدُ مُراجَعَتَها، وكانَتْ راغِبَةً فِيهِ، فَمَنَعَهُ جابِرٌ مِن ذَلِكَ فَنَزَلَتْ.

والمُرادُ مِن أجْلَهُنَّ هو العِدَّةُ، وهو يَعْضُدُ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ مِن نَظِيرِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ: دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ فَجَعَلَ البُلُوغَ، في الآيَةِ الأوْلى، بِمَعْنى مُشارَفَةِ بُلُوغِ الأجَلِ، وجَعْلَهُ، هُنا، بِمَعْنى انْتِهاءِ الأجَلِ.

فَجُمْلَةُ وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ عَطْفٌ عَلى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٣١] الآيَةَ.

والخِطابُ الواقِعُ في قَوْلِهِ طَلَّقْتُمْ وتَعْضِلُوهُنَّ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ دُونَ اخْتِلافِ التَّوَجُّهِ، فَيَكُونُ مُوَجَّهًا إلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ صالِحٌ لِأنَّ يَقَعُ مِنهُ الطَّلاقُ، إنْ كانَ زَوْجًا، ويَقَعُ مِنهُ العَضْلُ، إنْ كانَ ولِيًّا، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ عَلى مِثْلِهِ فَلا يَكادُ يَخْفى في اسْتِعْمالِهِمْ، ولَمّا كانَ المُسْنَدُ إلَيْهِ أحَدَ الفِعْلَيْنِ، غَيْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ الفِعْلُ الآخَرُ، إذْ لا يَكُونُ الطَّلاقُ مِمَّنْ يَكُونُ مِنهُ العَضْلُ، ولا العَكْسُ، كانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَأْخُذُ مِنِ الخِطابِ ما هو بِهِ جَدِيرٌ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُمْ أوْقَعْتُمُ الطَّلاقَ، فَهُمُ الأزْواجُ، وبِقَوْلِهِ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ النَّهْيُ عَنْ صُدُورِ العَضْلِ، وهم أوْلِياءُ النِّساءِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ الخِطابَ لِلنّاسِ عامَّةً أيْ إذا وُجِدَ فِيكُمُ الطَّلاقُ، وبَلَغَ المُطَلَّقاتُ أجَلَهُنَّ، فَلا يَقَعُ مِنكُمُ العَضْلُ

صفحة ٤٢٧
ووَجْهُ تَفْسِيرِهِ هَذا بِقَوْلِهِ: (لِأنَّهُ إذا وُجِدَ العَضْلُ بَيْنَهم وهم راضُونَ كانُوا في حُكْمِ العاضِلِينَ) .
والعَضْلُ: المَنعُ والحَبْسُ وعَدَمُ الِانْتِقالِ، فَمِنهُ عَضَّلَتِ المَرْأةُ بِالتَّشْدِيدِ إذا عَسَرَتْ وِلادَتُها وعَضَّلَتِ الدَّجاجَةُ إذا نَشِبَ بَيْضُها فَلَمْ يَخْرُجْ، والمُعاضَلَةُ في الكَلامِ: احْتِباسُ المَعْنى حَتّى لا يَبْدُوَ مِنَ الألْفاظِ، وهو التَّعْقِيدُ، وشاعَ في كَلامِ العَرَبِ في مَنعِ الوَلِيِّ مَوْلاتَهُ مِنَ النِّكاحِ. وفي الشَّرْعِ: هو المَنعُ بِدُونِ وجْهِ صَلاحٍ، فالأبُ لا يُعَدُّ عاضِلًا بِرَدِّ كُفْءٍ أوِ اثْنَيْنِ، وغَيْرُ الأبِ يُعَدُّ عاضِلًا بِرَدِّ كُفْءٍ واحِدٍ.

وإسْنادُ النِّكاحِ إلى النِّساءِ هُنا لِأنَّهُ هو المَعْضُولُ عَنْهُ، والمُرادُ بِأزْواجِهِنَّ طالِبُوا المُراجَعَةَ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وسَمّاهُنَّ أزْواجًا مَجازًا بِاعْتِبارِ ما كانَ، لِقُرْبِ تِلْكَ الحالَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَنعَ ظُلْمٌ؛ فَإنَّهم كانُوا أزْواجًا لَهُنَّ مِن قَبْلُ، فَهم أحَقُّ بِأنْ يَرْجِعْنَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ شَرْطٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ إذا عَلِمَ عَدَمَ التَّراضِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ورَأى أنَّ المُراجَعَةَ سَتَعُودُ إلى دَخَلٍ وفَسادٍ فَلَهُ أنْ يَمْنَعَ مَوْلاتَهُ، نُصْحًا لَها، وفي هَذا الشَّرْطِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ: وهي أنَّ الوَلِيَّ لا يَحِقُّ لَهُ مَنعُها، مَعَ تَراضِي الزَّوْجَيْنِ بِعَوْدِ المُعاشَرَةِ، إذْ لا يَكُونُ الوَلِيُّ أدْرى بِمَيْلِها مِنها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ، في المَثَلِ المَشْهُورِ: رَضِيَ الخَصْمانِ ولَمْ يَرْضَ القاضِي. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى اعْتِبارِ الوِلايَةَ لِلْمَرْأةِ في النِّكاحِ، بِناءً عَلى غالِبِ الأحْوالِ يَوْمَئِذٍ؛ لِأنَّ جانِبَ المَرْأةِ جانِبٌ ضَعِيفٌ، مَطْمُوعٌ فِيهِ، مَعْصُومٌ عَنِ الِامْتِهانِ، فَلا يَلِيقُ تَرْكُها تَتَوَلّى مِثْلَ هَذا الأمْرِ بِنَفْسِها؛ لِأنَّهُ يُنافِي نَفاسَتِها وضَعْفِها، فَقَدْ يَسْتَخِفُّ بِحُقُوقِها الرِّجالُ، حِرْصًا عَلى مَنافِعِهِمْ وهي تَضْعُفُ عَنِ المُعارَضَةِ.

ووَجْهُ الإشارَةِ: أنَّ اللَّهَ أشارَ إلى حَقَّيْنِ: حَقِّ الوَلِيِّ بِالنَّهْيِ عَنِ العَضْلِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ بِيَدِهِ، لَما نَهى عَنْ مَنعِهِ، ولا يُقالُ: نَهى عَنِ اسْتِعْمالِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ النَّهْيُ عَنِ البَغْيِ والعُدْوانِ كافِيًا، ولَجِيءَ بِصِيغَةِ (ما يَكُونُ لَكم) ونَحْوِها وحَقِّ المَرْأةِ في الرِّضا ولِأجْلِهِ أسْنَدَ اللَّهُ النِّكاحَ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ، ولَمْ يَقُلْ: أنْ تُنْكِحُوهُنَّ أزْواجَهُنَّ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الإسْلامِ، وشَذَّ أبُو حَنِيفَةَ في المَشْهُورِ عَنْهُ فَلَمْ يَشْتَرِطِ الوِلايَةَ في النِّكاحِ، واحْتَجَّ لَهُ الجَصّاصُ بِأنَّ اللَّهَ أسْنَدَ النِّكاحَ هُنا لِلنِّساءِ وهو اسْتِدْلالٌ بَعِيدٌ عَنِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: نَكَحَتِ المَرْأةُ، فَإنَّهُ بِمَعْنى تَزَوَّجَتْ

صفحة ٤٢٨
دُونَ تَفْصِيلٍ بِكَيْفِيَّةِ هَذا التَّزَوُّجِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ رِضا المَرْأةِ بِالزَّوْجِ هو العَقْدُ المُسَمّى بِالنِّكاحِ، وإنَّما الخِلافُ في اشْتِراطِ مُباشَرَةِ الوَلِيِّ لِذَلِكَ دُونَ جَبْرٍ، وهَذا لا يُنافِيهِ إسْنادُ النِّكاحِ إلَيْهِنَّ، أمّا وِلايَةُ الإجْبارِ فَلَيْسَتْ مِن غَرَضِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها وارِدَةٌ في شَأْنِ الأيامى ولا جَبْرَ عَلى أيِّمٍ بِاتِّفاقِ العُلَماءِ.
وقَوْلُهُ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ إشارَةٌ إلى حُكْمِ النَّهْيِ عَنِ العَضْلِ، وإفْرادُ الكافِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ جَماعَةٌ، رَعْيًا لِتَناسِي أصْلِ وضْعِها مِنِ الخِطابِ إلى ما اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ مِن مَعْنى بُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ فَقَطْ، فَإفْرادُها في أسْماءِ الإشارَةِ هو الأصْلُ، وأمّا جَمْعُها في قَوْلِهِ ذَلِكم أزْكى لَكم فَتَجْدِيدٌ لِأصْلِ وضْعِها.

ومَعْنى أزْكى وأطْهَرُ أنَّهُ أوْفَرُ لِلْعِرْضِ، وأقْرَبُ لِلْخَيْرِ، فَأزْكى دالٌّ عَلى النَّماءِ والوَفْرِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْضُلُونَهُنَّ حَمِيَّةً وحِفاظًا عَلى المُرُوءَةِ مِن لَحاقِ ما فِيهِ شائِبَةُ الحَطِيطَةِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ عَدَمَ العَضْلِ أوْفَرُ لِلْعِرْضِ؛ لِأنَّ فِيهِ سَعْيًا إلى اسْتِبْقاءِ الوُدِّ بَيْنَ العائِلاتِ الَّتِي تَقارَبَتْ بِالصِّهْرِ والنَّسَبِ؛ فَإذا كانَ العَضْلُ إبايَةً لِلضَّيْمِ، فالإذْنُ لَهُنَّ بِالمُراجَعَةِ حِلْمٌ وعَفْوٌ ورِفاءٌ لِلْحالِ وذَلِكَ أنْفَعُ مِن إبايَةِ الضَّيْمِ.

وأمّا قَوْلُهُ أطَهْرُ فَهو مَعْنى أنْزَهُ، أيْ أنَّهُ أقْطَعُ لِأسْبابِ العَداواتِ والإحَنِ والأحْقادِ بِخِلافِ العَضْلِ الَّذِي قَصَدْتُمْ مِنهُ قَطْعَ العَوْدِ إلى الخُصُومَةِ، وماذا تَضُرُّ الخُصُومَةُ في وقْتٍ قَلِيلٍ يَعْقُبُها رِضا ما تَضُرُّ الإحَنُ الباقِيَةُ، والعَداواتُ المُتَأصِّلَةُ، والقُلُوبُ المُحْرَقَةُ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أزْكى بِالمَعْنى الأوَّلِ، ناظِرًا لِأحْوالِ الدُّنْيا، وأطَهْرُ بِمَعْنى فِيهِ السَّلامَةُ مِنَ الذُّنُوبِ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ أطْهَرُ مَطْلُوبَ المُفاضَلَةِ، جاءَ عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُزاوَجَةِ مَعَ قَوْلِهِ أزْكى.

وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ، وإزالَةٌ لِاسْتِغْرابِهِمْ حِينَ تَلَقِّي هَذا الحُكْمِ، لِمُخالَفَتِهِ لِعاداتِهِمُ القَدِيمَةِ، وما اعْتَقَدُوا نَفْعًا وصَلاحًا وإبْقاءً عَلى أعْراضِهِمْ، فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ أنَّ ما أمَرَهم بِهِ ونَهاهم عَنْهُ هو الحَقُّ، لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ النّافِعَ، وهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا، فَمَفْعُولُ ”يَعْلَمُ“ مَحْذُوفٌ أيْ واللَّهُ يَعْلَمُ ما فِيهِ كَمالُ زَكاتِكم وطَهارَتِكم؛ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ.

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Mothers may breastfeed their children two complete years for whoever wishes to complete the nursing [period]. Upon the father is the mothers' provision and their clothing according to what is acceptable. No person is charged with more than his capacity. No mother should be harmed through her child, and no father through his child. And upon the [father's] heir is [a duty] like that [of the father]. And if they both desire weaning through mutual consent from both of them and consultation, there is no blame upon either of them. And if you wish to have your children nursed by a substitute, there is no blame upon you as long as you give payment according to what is acceptable. And fear Allah and know that Allah is Seeing of what you do.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

صفحة ٤٢٩
‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏
انْتِقالٌ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ والبَيْنُونَةِ؛ فَإنَّهُ لَمّا نَهى عَنِ العَضْلِ، وكانَتْ بَعْضُ المُطَلَّقاتِ لَهُنَّ أوْلادٌ في الرَّضاعَةِ ويَتَعَذَّرُ عَلَيْهِنَّ التَّزَوُّجُ وهُنَّ مُرْضِعاتٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَضُرُّ بِالأوْلادِ، ويُقَلِّلُ رَغْبَةَ الأزْواجِ فِيهِنَّ، كانَتْ تِلْكَ الحالَةُ مَثارَ خِلافٍ بَيْنِ الآباءِ والأُمَّهاتِ، فَلِذَلِكَ ناسَبَ التَّعَرُّضُ لِوَجْهِ الفَصْلِ بَيْنَهم في ذَلِكَ، فَإنَّ أمْرَ الإرْضاعِ مُهِمٌّ، لِأنَّ بِهِ حَياةَ النَّسْلِ، ولِأنَّ تَنْظِيمَ أمْرِهِ مِن أهَمِّ شُئُونِ أحْكامِ العائِلَةِ. واعْلَمْ أنَّ اسْتِخْلاصَ مَعانِي هَذِهِ الآيَةِ مِن أعْقَدِ ما عُرِضَ لِلْمُفَسِّرِينَ.

فَجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٣٢] والمُناسَبَةُ غَيْرُ خَفِيَّةٍ. والوالِداتُ عامٌّ، لِأنَّهُ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِاللّامِ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ الوالِداتِ مِنَ المُطَلَّقاتِ بِقَرِينَةِ سِياقِ الآيِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٢٨] ولِذَلِكَ وُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِالعَطْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى اتِّحادِ السِّياقِ، فَقَوْلُهُ: والوالِداتُ مَعْناهُ: والوالِداتُ مِنهُنَّ، أيْ مِنَ المُطَلَّقاتِ المُتَقَدِّمِ الإخْبارُ عَنْهُنَّ في الآيِ الماضِيَةِ، أيِ المُطَلَّقاتِ اللّائِي لَهُنَّ أوْلادٌ في سِنِّ الرَّضاعَةِ، ودَلِيلُ التَّخْصِيصِ أنَّ الخِلافَ في مُدَّةِ الإرْضاعِ لا يَقَعُ بَيْنَ الأبِ والأُمِّ، إلّا بَعْدَ الفِراقِ، ولا يَقَعُ في حالَةِ العِصْمَةِ؛ إذْ مِنَ العادَةِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ العَرَبِ ومُعْظَمِ الأُمَمِ أنَّ الأُمَّهاتَ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ في مُدَّةِ العِصْمَةِ، وأنَّهُنَّ لا تَمْتَنِعُ مِنهُ مَن تَمْتَنِعُ إلّا لِسَبَبِ طَلَبِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ جَدِيدٍ، بَعْدَ فِراقِ والِدِ الرَّضِيعِ؛ فَإنَّ المَرْأةَ المُرْضِعَ لا يَرْغَبُ الأزْواجُ فِيها؛ لِأنَّها تَشْتَغِلُ بِرَضِيعِها عَنْ زَوْجِها في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ.

صفحة ٤٣٠
وجُمْلَةُ يُرْضِعْنَ خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّشْرِيعُ، وإثْباتُ حَقِّ الِاسْتِحْقاقِ، ولَيْسَ بِمَعْنى الأمْرِ لِلْوالِداتِ والإيجابِ عَلَيْهِنَّ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْدَ أحْكامِ المُطَلَّقاتِ، ولِأنَّهُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَإنَّ الضَّمِيرَ شامِلٌ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، عَلى وجْهِ التَّغْلِيبِ، كَما يَأْتِي، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى إيجابِ إرْضاعِ الوَلَدِ عَلى أُمِّهِ، ولَكِنْ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَها، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الطَّلاقِ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الطلاق: ٦] ولِأنَّهُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ أجْرُ الرَّضاعَةِ، والزَّوْجَةُ في العِصْمَةِ لَيْسَ لَها نَفَقَةٌ وكِسْوَةٌ لِأجْلِ الرَّضاعَةِ، بَلْ لِأجْلِ العِصْمَةِ.
وقَوْلُهُ أوْلادَهُنَّ صَرَّحَ بِالمَفْعُولِ، مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا، إيماءً إلى أحَقِّيَّةِ الوالِداتِ بِذَلِكَ وإلى تَرْغِيبِهِنَّ فِيهِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ أوْلادَهُنَّ تَذاكيرَ لَهُنَّ بِداعِي الحَنانِ والشَّفَقَةِ، فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ: لَيْسَتِ الآيَةُ وارِدَةً إلّا لِبَيانِ إرْضاعِ المُطَلَّقاتِ أوْلادَهُنَّ، فَإذا رامَتِ المُطَلَّقَةُ إرْضاعَ ولَدِها، فَهي أوْلى بِهِ، سَواءٌ كانَتْ بِغَيْرِ أجْرٍ أمْ طَلَبَتْ أجْرَ مِثْلِها، ولِذَلِكَ كانَ المَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ: أنَّ الأبَ إذا وجَدَ مَن تُرْضِعَ لَهُ غَيْرَ الأُمِّ بِدُونِ أجْرٍ، وبِأقَلَّ مِن أجْرِ المِثْلِ، لَمْ يُجَبْ إلى ذَلِكَ، كَما سَنُبَيِّنُهُ، ومِنَ العُلَماءِ مَن تَأوَّلَ الوالِداتُ عَلى العُمُومِ، سَواءٌ كُنَّ في العِصْمَةِ، أوْ بَعْدَ الطَّلاقِ كَما في القُرْطُبِيِّ، والبَيْضاوِيِّ ويَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ الفُرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: أنَّ هَذا قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في ذاتِ الزَّوْجِ وفي المُطَلَّقَةِ مَعَ عُسْرِ الأبِ، ولَمْ يَنْسُبْهُ إلى مالِكٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُهُ يُرْضِعْنَ خَبَرٌ مَعْناهُ الأمْرُ عَلى الوُجُوبِ لِبَعْضِ الوالِداتِ، والأمْرُ عَلى النَّدْبِ والتَّخْيِيرِ لِبَعْضِهِنَّ وتَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ: وفي هَذا اسْتِعْمالُ صِيغَةِ الأمْرِ في القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو مُطْلَقُ الطَّلَبِ، ولا داعِي إلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ حُكْمَ إرْضاعِ الأُمِّ ولَدَها في العِصْمَةِ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ الوالِداتِ اللّائِي في العِصْمَةِ، قَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الآيَةَ، فَإنَّ اللّائِي في العِصْمَةِ لَهُنَّ النَّفَقَةُ والكِسْوَةُ بِالأصالَةِ.

والحَوْلُ في كَلامِ العَرَبِ: العامُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن تَحَوُّلِ دَوْرَةِ القَمَرِ أوِ الشَّمْسِ في فَلَكِهِ مِن مَبْدَأٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْهِ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى السَّمْتِ الَّذِي ابْتَدَأ مِنهُ، فَتِلْكَ المُدَّةُ الَّتِي ما بَيْنَ المَبْدَأِ والمَرْجَعِ تُسَمّى حَوْلًا.

صفحة ٤٣١
وحَوْلُ العَرَبِ قَمَرِيٌّ وكَذَلِكَ أقَرَّهُ الإسْلامُ. ووَصْفُ الحَوْلَيْنِ بِكامِلَيْنِ، تَأْكِيدٌ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ حَوْلًا وبَعْضَ الثّانِي؛ لِأنَّ إطْلاقَ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، في الأزْمانِ والأسْنانِ، عَلى بَعْضِ المَدْلُولِ، إطْلاقٌ شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَيَقُولُونَ: هو ابْنُ سَنَتَيْنِ: ويُرِيدُونَ سَنَةً وبَعْضَ الثّانِيَةِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ.
وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، قالَ في الكَشّافِ: بَيانٌ لِمَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ الحُكْمُ كَقَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ، فَلَكَ بَيانٌ لِلْمُهَيَّتِ لَهُ أيْ هَذا الحُكْمُ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الإرْضاعَ أيْ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ، بِتَقْدِيرِ هَذا الحُكْمِ لِمَن أرادَ. قالَ التَّفْتازانِيُّ: وقَدْ يُصَرَّحُ بِهَذا المُبْتَدَأُ في بَعْضِ التَّراكِيبِ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ٢٥] وماصَدَقَ ”مَن“ هُنا مَن يُهِمُّهُ ذَلِكَ: وهو الأبُ، والأُمُّ، ومَن يَقُومُ مَقامَهُما، مِن ولِيِّ الرَّضِيعِ، وحاضِنِهِ والمَعْنى: أنَّ هَذا الحُكْمَ يَسْتَحِقُّهُ مَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ، وأباهُ الآخَرُ، فَإنْ أرادا مَعًا عَدَمَ إتْمامِ الرَّضاعَةِ فَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةَ.

وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الرَّضاعَ حَوْلَيْنِ، رَعْيًا لِكَوْنِهِما أقْصى مُدَّةٍ يَحْتاجُ فِيها الطِّفْلُ لِلرَّضاعِ إذا عَرَضَ لَهُ ما اقْتَضى زِيادَةَ إرْضاعِهِ، فَأمّا بَعْدَ الحَوْلَيْنِ فَلَيْسَ في نَمائِهِ ما يَصْلُحُ لَهُ الرَّضاعَ بَعْدُ، ولَمّا كانَ خِلافُ الأبَوَيْنِ في مُدَّةِ الرَّضاعِ لا يَنْشَأُ إلّا عَنِ اخْتِلافِ النَّظَرِ في حاجَةِ مِزاجِ الطِّفْلِ إلى زِيادَةِ الرَّضاعِ، جَعَلَ اللَّهُ القَوْلَ لِمَن دَعا إلى الزِّيادَةِ، احْتِياطًا لِحِفْظِ الطِّفْلِ. وقَدْ كانَتِ الأُمَمُ في عُصُورِ قِلَّةِ التَّجْرِبَةِ، وانْعِدامِ الأطِبّاءِ، لا يَهْتَدُونَ إلى ما يَقُومُ لِلطِّفْلِ مَقامَ الرَّضاعِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا أفَطَمُوهُ أعْطَوْهُ الطَّعامَ، فَكانَتْ أمْزِجَةُ بَعْضِ الأطْفالِ بِحاجَةٍ إلى تَطْوِيلِ الرَّضاعِ، لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى هَضْمِ الطَّعامِ وهَذِهِ عَوارِضُ تَخْتَلِفُ. وفي عَصْرِنا أصْبَحَ الأطِبّاءُ يَعْتاضُونَ لِبَعْضِ الصِّبْيانِ بِالإرْضاعِ الصِّناعِيِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهُ لا أصْلَحَ لِلصَّبِيِّ مِن لَبَنِ أُمِّهِ، ما لَمْ تَكُنْ بِها عاهَةٌ أوْ كانَ اللَّبَنُ غَيْرَ مُسْتَوْفٍ الأجْزاءَ الَّتِي بِها تَغْذِيَةُ أجْزاءِ بَدَنِ الطِّفْلِ، ولِأنَّ الإرْضاعَ الصِّناعِيَّ يَحْتاجُ إلى فَرْطِ حَذَرٍ في سَلامَةِ اللَّبَنِ مِنَ العُفُونَةِ: في قِوامِهِ، وإنائِهِ. وبِلادُ العَرَبِ شَدِيدَةُ الحَرارَةِ في غالِبِ السَّنَةِ؛ ولَمْ يَكُونُوا يُحْسِنُونَ حِفْظَ أطْعِمَتِهِمْ مِنَ التَّعَفُّنِ بِالمُكْثِ، فَرُبَّما كانَ فِطامُ الأبْناءِ في العامِ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ يَجُرُّ مَضارَّ لِلرُّضَعاءِ،

صفحة ٤٣٢
ولِلْأمْزِجَةِ في ذَلِكَ تَأْثِيرٌ أيْضًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّقْدِيرَ بِالحَوْلَيْنِ لِلْوَلَدِ الَّذِي يَمْكُثُ في بَطْنِ أُمِّهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فَإنْ مَكَثَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ، فَرَضاعُهُ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وهَكَذا بِزِيادَةِ كُلِّ شَهْرٍ في البَطْنِ يَنْقُصُ شَهْرٌ مِن مُدَّةِ الرَّضاعَةِ. حَتّى يَكُونَ لِمُدَّةِ الحَمْلِ والرَّضاعِ ثَلاثُونَ شَهْرًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحقاف: ١٥]، وفي هَذا القَوْلِ مَنزَعٌ إلى تَحْكِيمِ أحْوالِ الأمْزِجَةِ؛ لِأنَّهُ، بِمِقْدارِ ما تَنْقُصُ مُدَّةُ مُكْثِهِ في البَطْنِ، تَنْقُصُ مُدَّةُ نُضْجِ مِزاجِهِ.
والجُمْهُورُ عَلى خِلافِ هَذا وأنَّ الحَوْلَيْنِ غايَةٌ لِإرْضاعِ كُلِّ مَوْلُودٍ. وأخَذُوا مِنَ الآيَةِ أنَّ الرَّضاعَ المُعْتَبَرَ هو ما كانَ في الحَوْلَيْنِ، وأنَّ ما بَعْدَهُما لا حاجَةَ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لا يُجابُ إلَيْهِ طالِبُهُ.

وعَبَّرَ عَنِ الوالِدِ بِالمَوْلُودِ لَهُ، إيماءً إلى أنَّهُ الحَقِيقُ بِهَذا الحُكْمِ؛ لِأنَّ مَنافِعَ الوَلَدِ مُنْجَزَةٌ إلَيْهِ، وهو لاحِقٌ بِهِ ومُعْتَزٌّ بِهِ في القَبِيلَةِ، حَسَبَ مُصْطَلَحِ الأُمَمِ، فَهو الأجْدَرُ بِإعاشَتِهِ، وتَقْوِيمِ وسائِلِها. والرِّزْقُ: النَّفَقَةُ، والكِسْوَةُ: اللِّباسُ، والمَعْرُوفُ: ما تَعارَفَهُ أمْثالُهم وما لا يُجْحِفُ بِالأبِ.

والمُرادُ بِالرِّزْقِ والكِسْوَةِ هُنا، ما تَأْخُذُهُ المُرْضِعُ، أجْرًا عَنْ رَضاعَتِها، مِن طَعامٍ ولِباسٍ لِأنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْمَراضِعِ كِسْوَةً ونَفَقَةً، وكَذَلِكَ غالِبُ إجاراتِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ أكْثَرُ قَبائِلِ العَرَبِ أهْلَ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، بَلْ كانُوا يَتَعامَلُونَ بِالأشْياءِ، وكانَ الأُجَراءُ لا يَرْغَبُونَ في الدِّرْهَمِ والدِّينارِ، وإنَّما يَطْلُبُونَ كِفايَةَ ضَرُوراتِهِمْ، وهي الطَّعامُ والكِسْوَةُ، ولِذَلِكَ أحالَ اللَّهُ تَقْدِيرَهُما عَلى المَعْرُوفِ عِنْدَهم مِن مَراتِبِ النّاسِ وسَعَتِهِمْ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وجُمَلُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها - إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُعْتَرَضاتٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وجُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ بِالمَعْرُوفِ، ومَوْقِعُ جُمْلَةِ لا تُضارُّ والِدَةٌ إلى آخِرِها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ أيْضًا، وهو اعْتِراضٌ يُفِيدُ أُصُولًا عَظِيمَةً لِلتَّشْرِيعِ ونِظامِ الِاجْتِماعِ.

والتَّكْلِيفُ تَفْعِيلٌ: بِمَعْنى جَعَلَهُ ذا كُلْفَةٍ، والكُلْفَةُ: المَشَقَّةُ، والتَّكَلُّفُ: التَّعَرُّضُ لِما فِيهِ مَشَقَّةٌ، ويُطْلَقُ التَّكْلِيفُ عَلى الأمْرِ بِفِعْلٍ فِيهِ كُلْفَةٌ، وهو اصْطِلاحٌ شَرْعِيٌّ جَدِيدٌ.

والوُسْعُ، بِتَثْلِيثِ الواوِ، الطّاقَةُ، وأصْلُهُ مِن وسِعَ الإناءُ الشَّيْءَ إذا حَواهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ، وهو ضِدُّ ضاقَ عَنْهُ، والوُسْعُ هو ما يَسَعُهُ الشَّيْءُ فَهو بِمَعْنى المَفْعُولِ، وأصْلُهُ اسْتِعارَةٌ؛

صفحة ٤٣٣
لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ في الأساسِ ذَكَرَ هَذا المَعْنى في المَجازِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا تَحَمُّلَ النَّفْسِ عَمَلًا ذا مَشَقَّةٍ بِاتِّساعِ الظَّرْفِ لِلْمُحْوى، لِأنَّهم ما احْتاجُوا لِإفادَةِ ذَلِكَ إلّا عِنْدَما يَتَوَهَّمُ النّاظِرُ أنَّهُ لا يَسَعُهُ، فَمِن هُنا اسْتُعِيرَ لِلشّاقِّ البالِغِ حَدَّ الطّاقَةِ.
فالوِسْعُ إنْ كانَ بِكَسْرِ الواوِ فَهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَذِبْحٍ، وإنْ كانَ بِضَمِّها فَهو مَصْدَرٌ كالصُّلْحِ والبُرْءِ صارَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وإنْ كانَ بِفَتْحِها فَهو مَصْدَرٌ كَذَلِكَ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ والدَّرْسِ. والتَّكْلِيفُ بِما فَوْقَ الطّاقَةِ مَنفِيٌّ في الشَّرِيعَةِ.

وبَنى فِعْلَ تُكَلَّفُ لِلنّائِبِ: لِيُحْذَفَ الفاعِلُ، فَيُفِيدُ حَذْفُهُ عُمُومَ الفاعِلِينَ، كَما يُفِيدُ وُقُوعُ نَفْسٍ، وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، عُمُومَ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِفِعْلِ تُكَلَّفُ: وهو الأنْفَسُ المُكَلَّفَةُ، وكَما يُفِيدُ حَذْفُ المُسْتَثْنى في قَوْلِهِ إلّا وُسْعَها عُمُومَ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ تُكَلَّفُ، وهو الأحْكامُ المُكَلَّفُ بِها، أيْ لا يُكَلِّفُ أحَدٌ نَفْسًا إلّا وُسْعها، وذَلِكَ تَشْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْأُمَّةِ بِأنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُكَلِّفَ أحَدًا إلّا بِما يَسْتَطِيعُهُ، وذَلِكَ أيْضًا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُكَلِّفُ في التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ إلّا بِما يُسْتَطاعُ: في العامَّةِ، والخاصَّةِ، فَقَدْ قالَ في آياتِ خِتامِ هَذِهِ السُّورَةِ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٦] .

والآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، في شَرِيعَةِ الإسْلامِ، وسَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٦] في آخِرِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ اعْتِراضٌ ثانٍ، ولَمْ تُعْطَفْ عَلى الَّتِي قَبْلَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَقْصُودَةٌ لِذاتِها، فَإنَّها تَشْرِيعٌ مُسْتَقِلٌّ، ولَيْسَ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها بَلْ هي كالتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ لِأنَّ إدْخالَ الضُّرِّ عَلى أحَدٍ، بِسَبَبِ ما هو بِضْعَةٌ مِنهُ، يَكادُ يَخْرُجُ عَنْ طاقَةِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الضِّرارَ تَضِيقُ عَنْهُ الطّاقَةُ، وكَوْنُهُ بِسَبَبِ مَن يَتَرَقَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ نَفْعٍ أشَدَّ ألَمًا عَلى النَّفْسِ، فَكانَ ضُرُّهُ أشَدَّ.

ولِذَلِكَ اخْتِيرَ لَفْظُ الوالِدَةِ هَنا، دُونَ الأُمِّ: كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وكَذَلِكَ القَوْلُ في ولا مَوْلُودٌ بِوَلَدِهِ وهَذا الحُكْمُ عامٌّ في جَمِيعِ الأحْوالِ مِن فِراقٍ، أوْ دَوامِ عِصْمَةٍ، فَهو كالتَّذْيِيلِ، وهو نَهْيٌ لَهُما عَنْ أنْ يُكَلِّفَ أحَدُهُما الآخَرَ ما هو فَوْقَ طاقَتِهِ، ويَسْتَغِلَّ ما يَعْلَمُهُ مِن شَفَقَةِ الآخَرِ عَلى ولَدِهِ فَيَفْتَرِصُ ذَلِكَ لِإحْراجِهِ، والإشْقاقِ عَلَيْهِ.

صفحة ٤٣٤
وفِي المُدَوَّنَةِ: عَنِ ابْنِ وهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةَ: يَقُولُ لَيْسَ لَها أنْ تُلْقِيَ ولَدَها عَلَيْهِ، ولا يَجِدُ مَن يُرْضِعُهُ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَنْتَزِعَ مِنها ولَدَها، وهي تُحِبُّ أنْ تُرْضِعَهُ. وهو يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ.
وقِيلَ: الباءُ في قَوْلِهِ بِوَلَدِها وبِوَلَدِهِ باءُ الإلْصاقِ وهي لِتَعْدِيَةِ تُضارُّ فَيَكُونُ مَدْخُولُ الباءِ مَفْعُولًا في المَعْنى لِفِعْلِ تُضارُّ وهو مَسْلُوبُ المُفاعَلَةِ مُرادٌ مِنهُ أصْلُ الضُّرِّ، فَيَصِيرُ المَعْنى: لا تَضُرُّ الوالِدَةُ ولَدَها ولا المَوْلُودُ لَهُ ولَدَهُ أيْ لا يَكُنْ أحَدُ الأبَوَيْنِ بِتَعَنُّتِهِ وتَحْرِيجِهِ سَبَبًا في إلْحاقِ الضُّرِّ بِوَلَدِهِ أيْ سَبَبًا في إلْجاءِ الآخَرِ إلّا الِامْتِناعَ مِمّا يُعِينُ عَلى إرْضاعِ الأُمِّ ولَدَها فَيَكُونُ في اسْتِرْضاعِ غَيْرِ الأُمِّ تَعْرِيضُ المَوْلُودِ إلى الضُّرِّ ونَحْوِ هَذا مِن أنْواعِ التَّفْرِيطِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا تُضارَّ بِفَتْحِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً عَلى أنَّ ”لا“ حَرْفُ نَهْيٍ وتُضارَّ مَجْزُومٌ بِلا النّاهِيَةِ والفَتْحَةُ لِلتَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ الَّذِي نَشَأ عَنْ تَسْكِينِ الرّاءِ الأوْلى لِيَتَأتّى الإدْغامُ وتَسْكِينُ الرّاءِ الثّانِيَةِ لِلْجَزْمِ وحُرِّكَ بِالفَتْحَةِ لِأنَّها أخَفُّ الحَرَكاتِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ الرّاءِ عَلى أنَّ ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ والكَلامُ خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ، وكِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى نِيَّةِ بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ: لا تُضارِرْ بِكَسْرِ الرّاءِ الأوْلى وبِنائِهِ لِلنّائِبِ بِتَقْدِيرِ فَتْحِ الرّاءِ الأوْلى، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً مَعَ إشْباعِ المَدِّ كَذا نُقِلَ عَنْهُ في كُتُبِ القِراءاتِ والظّاهِرِ أنَّهُ جَعَلَهُ مِن ضارَ يَضِيرُ لا مِن ضارَّ المُضاعَفِ. ووَقَعَ الكَشّافُ أنَّهُ قَرَأ بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ أيْ إجْراءٍ لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ولِذَلِكَ اغْتُفِرَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ.

وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ لا تُضارُّ والِدَةٌ لِأنَّ جُمْلَةَ لا تُضارُّ مُعْتَرِضَةٌ، فَإنَّها جاءَتْ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي جاءَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّتِي هي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الأحْكامِ لا مَحالَةَ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ مِن قَوْلِهِ بِالمَعْرُوفِ، ولَمّا جاءَتْ جُمْلَةُ لا تُضارُّ بِدُونِ عَطْفٍ عَلِمْنا أنَّها اسْتِئْنافٌ ثانٍ مِمّا قَبْلَهُ ثُمَّ وقَعَ الرُّجُوعُ إلى بَيانِ الأحْكامِ بِطَرِيقِ العَطْفِ، ولَوْ كانَ المُرادُ العَطْفَ عَلى المُسْتَأْنَفاتِ المُعْتَرِضاتِ لَجِئَ بِالجُمْلَةِ الثّالِثَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ.

وحَقِيقَةُ الوارِثِ هو مَن يَصِيرُ إلَيْهِ مالُ البَيْتِ بَعْدَ المَوْتِ بِحَقِّ الإرْثِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ (ذَلِكَ) إلى الحُكْمِ المُتَقَدِّمِ وهو الرِّزْقُ والكِسْوَةُ بِقَرِينَةِ دُخُولِ عَلى عَلَيْهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ عَدِيلٌ لِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ”ذَلِكَ“ إشارَةً إلى النَّهْيِ عَنِ الإضْرارِ المُسْتَفادِ

صفحة ٤٣٥
مِن قَوْلِهِ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كَما سَيَأْتِي، وهو بَعِيدٌ عَنِ الِاسْتِعْمالِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا وحُكْمُ الفِعْلِ في سِياقِ النَّهْيِ كَما هو في سِياقِ النَّفْيِ عُلِمَ أنَّ جَمِيعَ الإضْرارِ مَنهِيٌّ عَنْهُ أيًّا ما كانَ فاعِلُهُ، عَلى أنَّ الإضْرارَ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَلا يَحْسُنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ ”عَلى“ الَّذِي هو مِن صِيَغِ الإلْزامِ والإيجابِ، عَلى أنَّ ظاهِرَ المَثَلِ إنَّما يَنْصَرِفُ لِمُماثَلَةِ الذَّواتِ وهي النَّفَقَةُ والكِسْوَةُ لا لِمُماثَلَةِ الحُكْمِ وهو التَّحْرِيمُ.
وقَدْ عُلِمَ مِن تَسْمِيَةِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِ الإنْفاقُ والكِسْوَةُ أنَّ الَّذِي كانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ماتَ، وهَذا إيجازٌ. والمَعْنى: فَإنْ ماتَ المَوْلُودُ لَهُ فَعَلى وارِثِهِ مِثْلُ ما كانَ عَلَيْهِ فَإنَّ ”عَلى“ الواقِعَةَ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ هُنا ظاهِرَةٌ في أنَّها مِثْلُ ”عَلى“ الَّتِي في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وارِثُ الأبِ وتَكُونُ ”ال“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ كَما هو الشَّأْنُ في دُخُولِ ”ال“ عَلى اسْمٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ ولا مَقْصُودٍ جِنْسُهُ وكانَ ذَلِكَ الِاسْمُ مَذْكُورًا بَعْدَ اسْمٍ يَصْلُحُ لِأنْ يُضافَ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [العلق: ١٥] وكَما قالَ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠] أيْ نَهى نَفْسَهُ؛ فَإنَّ الجَنَّةَ هي مَأْواهُ، وقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي: المَسُّ أرْنَبٌ والرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ» وما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وارِثًا إلّا لِأنَّهُ وارِثٌ بِالفِعْلِ لا مَن يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ وارِثًا عَلى تَقْدِيرِ مَوْتِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الحالِ ما لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى خِلافِهِ فَما قالَ وعَلى الوارِثِ إلّا لِأنَّ الكَلامَ عَلى الحَقِّ تَعْلِيقٌ بِهَذا الشَّخْصِ في تَرِكَةِ المَيِّتِ وإلّا لَقالَ: وعَلى الأقارِبِ أوِ الأوْلِياءِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَكُونُ كَلامًا تَأْكِيدًا حِينَئِذٍ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ الإضْرارِ المَذْكُورَ قَبْلَهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ خاصٌّ؛ فَإنَّ فاعِلَ ”تُضارَّ“ مَحْذُوفٌ. والنَّهْيُ دالٌّ عَلى مَنعِ كُلِّ إضْرارٍ يَحْصُلُ لِلْوالِدَةِ فَما فائِدَةُ إعادَةِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى الوارِثِ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا.

واتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ غَيْرُ مُرادٍ؛ إذْ لا قائِلَ بِوُجُوبِ نَفَقَةِ المُرْضِعِ عَلى وارِثِ الأبِ سَواءٌ كانَ إيجابُها عَلى الوارِثِ في المالِ المَوْرُوثِ بِأنْ يَكُونَ مَبْدَأةً عَلى المَوارِيثِ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَبْدَأُ إلّا بِالتَّجْهِيزِ ثُمَّ الدَّيْنِ ثُمَّ الوَصِيَّةِ، ولِأنَّ الرَّضِيعَ لَهُ حَظُّهُ في المالِ المَوْرُوثِ وهو إذا صارَ ذا مالٍ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلى غَيْرِهِ أمْ كانَ إيجابُها عَلى الوارِثِ لَوْ لَمْ يَسَعْها المالُ المَوْرُوثُ فَيَكْمُلُ مِن يَدِهِ، ولِذَلِكَ طَرَقُوا في هَذا بابَ التَّأْوِيلِ إمّا تَأْوِيلُ مَعْنًى الوارِثِ وإمّا تَأْوِيلُ مَرْجِعِ الإشارَةِ وإمّا كِلَيْهِما. فَقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ وارِثُ الطِّفْلِ أيْ مَن لَوْ ماتَ

صفحة ٤٣٦
الطِّفْلُ: لَوَرِثَهُ هو. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وإسْحاقَ وابْنِ أبِي لَيْلى وأبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَيَتَقَرَّرُ بِالآيَةِ، أنَّ النَّفَقَةَ واجِبَةٌ عَلى قَرابَةِ الرَّضِيعِ وهم بِالضَّرُورَةِ قَرابَةُ أبِيهِ أيْ إذا ماتَ أبُوهُ ولَمْ يَتْرُكْ مالًا: تَجِبُ نَفَقَةُ الرَّضِيعِ عَلى الأقارِبِ. عَلى حَسَبِ قُرْبِهِمْ في الإرْثِ ويَجْرِي ذَلِكَ عَلى الخِلافِ في تَوْرِيثِ ذِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ فَهَؤُلاءِ يَرَوْنَ حَقًّا عَلى القَرابَةِ إنْفاقَ العاجِزِ في مالِهِمْ كَما أنَّهم يَرِثُونَهُ إذا تَرَكَ مالًا فَهو مِنَ المُواساةِ الواجِبَةِ مِثْلُ الدِّيَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وبَشِيرُ بْنُ نَصْرٍ قاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: المُرادُ وارِثُ الأبِ وأُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الرَّضِيعِ. فالمَعْنى: أنَّهُ إذا ماتَ أبُوهُ وتَرَكَ مالًا فَنَفَقَتُهُ مِن إرْثِهِ. ويَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: ما وجْهُ العُدُولِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالوَلَدِ إلى التَّعْبِيرِ بِالوارِثِ ؟ فَنُجِيبُ بِأنَّهُ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الأبَ إنَّما وجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الرَّضِيعِ لِعَدَمِ مالٍ لِلرَّضِيعِ، فَلِهَذا لَمّا اكْتَسَبَ مالًا وجَبَ عَلَيْهِ في مالِهِ؛ لِأنَّ غالِبَ أحْوالِ الصِّغارِ ألّا تَكُونَ لَهم أمْوالٌ مُكْتَسَبَةٌ سِوى المِيراثِ، وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَكُونُ قَدْ تَرَكَتْ حُكْمَ مَن لا مالَ لَهُ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالوارِثِ المَعْنى المَجازِيُّ وهو الَّذِي يَبْقى بَعْدَ انْعِدامِ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ونَحْنُ الوارِثُونَ يَعْنِي بِهِ أُمَّ الرَّضِيعِ قالَهُ سُفْيانُ فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلى الأُمِّ قالَ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ: وهَذا قَلَقٌ في هَذا المَقامِ إذْ لَيْسَ لِقَوْلِنا: فالنَّفَقَةُ عَلى الأبِ وعَلى مَن بَقِيَ مِنَ الأبِ والأُمِّ مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ. يَعْنِي أنَّ إرادَةَ الباقِي تَشْمَلُ صُورَةَ ما إذا كانَ الباقِي الأبَ ولا مَعْنى لِعَطْفِهِ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ.
وفِي المُدَوَّنَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ورَبِيعَةَ: أنَّ الوارِثَ هو ولِيُّ الرَّضِيعِ عَلَيْهِ مِثْلُ ما عَلى الأبِ مِن عَدَمِ المُضارَّةِ، هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا مَنسُوخَةٌ وأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ هو الرِّزْقُ والكِسْوَةُ. وقالَ جَماعَةٌ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى النَّهْيِ عَنِ المُضارَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو لِمالِكٍ وجَمِيعِ أصْحابِهِ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ والضَّحّاكِ اهـ:

وفِي المُدَوَّنَةِ في تَرْجَمَةِ ما جاءَ فِيمَن تَلْزَمُ النَّفَقَةُ مِن كِتابِ إرْخاءِ السُّتُورِ عَنِ ابْنِ القاسِمِ قالَ مالِكٌ: وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ أيْ ألّا يُضارَّ. واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ بِأنَّهُ الأصْلُ فَقالَ القُرْطُبِيُّ: يَعْنِي في الرُّجُوعِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ الأُمَّةَ أجْمَعَتْ عَلى ألّا يُضارَّ الوارِثُ. واخْتَلَفُوا: هَلْ عَلَيْهِ رِزْقٌ وكِسْوَةٌ. اهـ. يَعْنِي مَوْرِدَ الآيَةِ بِما هو مُجْمَعٌ عَلى حُكْمِهِ ويَتْرُكُ ما فِيهِ الخِلافُ، وهُنالِكَ تَأْوِيلٌ بِأنَّها مَنسُوخَةٌ. ورَواهُ أسَدُ بْنُ الفُراتِ عَنِ ابْنِ القاسِمِ

صفحة ٤٣٧
عَنْ مالِكٍ قالَ وقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ هو مَنسُوخٌ فَقالَ النَّحّاسُ: وما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أصْحابِ مالِكٍ بَيَّنَ ما النّاسِخُ، والَّذِي يُبَيِّنُهُ أنْ يَكُونَ النّاسِخُ لَها عِنْدَ مالِكٍ أنَّهُ لَمّا أوْجَبَ اللَّهُ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَةَ حَوْلٍ، والسُّكْنى مِن مالِ المُتَوَفّى، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ نَسْخٌ أيْضًا عَنِ الوارِثِ يُرِيدُ أنَّ اللَّهَ لَمّا نَسَخَ وُجُوبَ ذَلِكَ في تَرِكَةِ المَيِّتِ نَسَخَ كُلَّ حَقٍّ في التَّرِكَةِ بَعْدَ المِيراثِ، فَيَكُونُ النّاسِخُ هو المِيراثَ، فَإنَّهُ نَسَخَ كُلَّ حَقٍّ في المالِ عَلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.
وعِنْدِي أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي في مُدَوَّنَةِ سَحْنُونٍ بَعِيدٌ، لِما تَقَدَّمَ آنِفًا، وأنَّ ما نَحاهُ مالِكٌ في رِوايَةِ أسَدِ بْنِ الفُراتِ عَنِ ابْنِ القاسِمِ هو التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ، وأنَّ النَّسْخَ عَلى ظاهِرِ المُرادِ مِنهُ، والنّاسِخَ لِهَذا الحُكْمِ هو إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى أنَّهُ لا حَقَّ في مالِ المَيِّتِ، بَعْدَ جِهازِهِ وقَضاءِ دَيْنِهِ، وتَنْفِيذِ وصِيَّتِهِ، إلّا المِيراثَ فَنَسَخَ بِذَلِكَ كُلَّ ما كانَ مَأْمُورًا بِهِ أنْ يُدْفَعَ مِن مالِ المَيِّتِ مِثْلَ الوَصِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٨٠] الآيَةَ، ومِثْلَ الوَصِيَّةِ بِسُكْنى الزَّوْجَةِ وإنْفاقِها في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٤٠] ونُسِخَ مِنهُ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ألّا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» هَذا إذا حُمِلَ الوارِثُ في الآيَةِ عَلى وارِثِ المَيِّتِ أيْ إنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلى جَمِيعِ الوَرَثَةِ أيًّا كانُوا بِمَعْنى أنَّهُ مَبْدَأُ المَوارِيثِ. وإذا حُمِلَ الوارِثُ عَلى مَن هو بِحَيْثُ يَرِثُ المَيِّتَ لَوْ تَرَكَ المَيِّتُ مالًا، أعْنِي قَرِيبَهُ، بِمَعْنى أنَّ عَلَيْهِ إنْفاقَ ابْنِ قَرِيبِهِ، فَذَلِكَ مَنسُوخٌ بِوَضْعِ بَيْتِ المالِ وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرَعَتْ هَذا الحُكْمَ، في وقْتِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ، لِإقامَةِ أوَدِ نِظامِهِمْ بِتَرْبِيَةِ أطْفالِ فُقَرائِهِمْ، وكانَ أوْلى المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ أقْرَبَهم مِنَ الطِّفْلِ فَكَما كانَ يَرِثُ قَرِيبَهُ، لَوْ تَرَكَ مالًا ولَمْ يَتْرُكْ ولَدًا، فَكَذَلِكَ عَلَيْهِ أنْ يُقَوَّمَ بِبَيِّنَةٍ، كَما كانَ حُكْمُ القَبِيلَةِ في الجاهِلِيَّةِ، في ضَمِّ أيْتامِهِمْ، ودَفْعِ دِياتِهِمْ، فَلَمّا اعْتَزَّ الإسْلامُ وصارَ لِجامِعَةِ المُسْلِمِينَ مالٌ، كانَ حَقًّا عَلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ القِيامُ بِتَرْبِيَةِ أبْناءِ فُقَرائِهِمْ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَن تَرَكَ كَلًّا، أوْ ضَياعًا، فَعَلَيَّ، ومَن تَرَكَ مالًا، فَلِوارِثِهِ» ولا فَرْقَ بَيْنَ إطْعامِ الفَقِيرِ وبَيْنَ إرْضاعِهِ، وما هو إلّا نَفَقَةٌ، ولِمَثَلِهِ وُضِعَ بَيْتُ المالِ.

وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ لِأنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَنْهُ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الوالِدَةِ والمَوْلُودِ لَهُ: الواقِعَيْنِ في الجُمَلِ قَبْلَ هَذِهِ.

صفحة ٤٣٨
والفِصالُ: الفِطامُ عَنِ الإرْضاعِ، لِأنَّهُ فُصِلَ عَنْ ثَدْيِ مُرْضِعِهِ. وعَنْ في قَوْلِهِ عَنْ تَراضٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرادا أيْ إرادَةٌ ناشِئَةٌ عَنِ التَّراضِي، إذْ قَدْ تَكُونُ إرادَتُهُما صُورِيَّةً أوْ يَكُونُ أحَدُهُما في نَفْسِ الأمْرِ مُرْغَمًا عَلى الإرادَةِ، بِخَوْفٍ، أوِ اضْطِرارٍ. وقَوْلُهُ وتَشاوُرٍ هو مَصْدَرُ شاوَرَ إذا طَلَبَ المَشُورَةَ. والمَشُورَةُ قِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الإشارَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَشاوِرِينَ يُشِيرُ بِما يَراهُ نافِعًا فَلِذَلِكَ يَقُولُ المُسْتَشِيرُ لِمَن يَسْتَشِيرُهُ بِماذا تُشِيرُ عَلَيَّ كَأنَّ أصْلَهُ أنَّهُ يُشِيرُ لِلْأمْرِ الَّذِي فِيهِ النَّفْعُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الإشارَةِ بِاليَدِ، لِأنَّ النّاصِحَ المُدَبِّرَ كالَّذِي يُشِيرُ إلى الصَّوابِ ويُعِينُهُ لَهُ مَن لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ، ثُمَّ عُدِّيَ بِعَلى لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّدْبِيرِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن شارَ العَسَلَ إذا اسْتَخْرَجَهُ، وأيّامًا كانَ اشْتِقاقُها فَمَعْناها إبْداءُ الرَّأْيِ في عَمَلٍ يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَهُ مَن يُشاوِرُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٣٠] خَلِيفَةً وسَيَجِيءُ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعَطَفَ التَّشاوُرَ عَلى التَّراضِي تَعْلِيمًا لِلزَّوْجَيْنِ شُئُونَ تَدْبِيرِ العائِلَةِ، فَإنَّ التَّشاوُرَ يُظْهِرُ الصَّوابَ ويَحْصُلُ بِهِ التَّراضِي.
وأفادَ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٢٩] أنَّ ذَلِكَ مُباحٌ، وأنَّ حَقَّ إرْضاعِ الحَوْلَيْنِ مُراعًى فِيهِ حَقُّ الأبَوَيْنِ وحَقُّ الرَّضِيعِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أمْزِجَةِ الرُّضَعاءِ جَعَلَ اخْتِلافَ الأبَوَيْنِ دَلِيلًا عَلى تَوَقُّعِ حاجَةِ الطِّفْلِ إلى زِيادَةِ الرَّضاعِ، فَأعْمَلَ قَوْلَ طالِبِ الزِّيادَةِ مِنهُما، كَما تَقَدَّمَ، فَإذا تَشاوَرَ الأبَوانِ وتَراضَيا، بَعْدَ ذَلِكَ، عَلى الفِصالِ كانَ تَراضِيهُما دَلِيلًا عَلى أنَّهُما رَأيا مِن حالِ الرَّضِيعِ ما يُغْنِيهِ عَنِ الزِّيادَةِ، إذْ لا يُظَنُّ بِهِما التَّمالُؤُ عَلى ضُرِّ الوَلَدِ، ولا يُظَنُّ إخْفاءُ المَصْلَحَةِ عَلَيْهِما، بَعْدَ تَشاوُرِهِما، إذْ لا يَخْفى عَلَيْهِما حالُ ولَدِهِما.

وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ انْتِقالٌ إلى حالَةِ إرْضاعِ الطِّفْلِ غَيْرُ والِدَتِهِ، إذا تَعَذَّرَ عَلى الوالِدَةِ إرْضاعُهُ، لِمَرَضِها، أوْ تَزَوُّجِها أوْ إنْ أبَتْ ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ لَها الإباءُ، كَما تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّابِقَةِ، أيْ إنْ أرَدْتُمْ أنْ تَطْلُبُوا الإرْضاعَ لِأوْلادِكم فَلا إثْمَ في ذَلِكَ، والمُخاطَبُ بِأرَدْتُمْ: الأبَوانِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأبَوَيْنِ في الأُمَّةِ ولَيْسَ المُخاطَبُ خُصُوصَ الرِّجالِ، لِقَوْلِهِ تَعالى فِيما سَبَقَ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّ هَذا الحُكْمَ خاصٌّ بِحالَةِ تَراضِي الأبَوَيْنِ عَلى ذَلِكَ لِعُذْرِ الأُمِّ، وبِحالَةِ فَقْدِ الأُمِّ. وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أنَّ حالَةَ التَّراضِي هي المَقْصُودَةُ أوَّلًا، لِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ مُؤْذِنٌ بِتَوَقُّعِهِ،

صفحة ٤٣٩
وإنَّما يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الأُمُّ مَوْجُودَةً، وأُرِيدَ صَرْفُ الِابْنِ عَنْها إلى مُرْضِعٍ أُخْرى، لِسَبَبٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْهِ، وهُما لا يُرِيدانِ ذَلِكَ إلّا حَيْثُ يَتَحَقَّقُ عَدَمُ الضُّرِّ لِلِابْنِ، فَلَوْ عُلِمَ ضُرُّ الوَلَدِ لَمْ يَجُزْ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَرْضِعُ لِأوْلادِها، لا سِيَّما أهْلَ الشَّرَفِ. وفي الحَدِيثِ واسْتُرْضِعْتُ في بَنِي سَعْدٍ.
والِاسْتِرْضاعُ أصْلُهُ طَلَبُ إرْضاعِ الطِّفْلِ، أيْ طَلَبُ أنْ تُرْضِعَ الطِّفْلَ غَيْرُ أُمِّهِ، فالسِّينُ والتّاءُ في تَسْتَرْضِعُوا لِلطَّلَبِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، وأصْلُهُ أنْ تَسْتَرْضِعُوا مَراضِعَ لِأوْلادِكم، لِأنَّ الفِعْلَ يُعَدّى بِالسِّينِ والتّاءِ - الدّالَّيْنِ عَلى الطَّلَبِ - إلى المَفْعُولِ المَطْلُوبِ مِنهُ الفِعْلُ فَلا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وما بَعْدَهُ يُعَدّى إلَيْهِ بِالحَرْفِ وقَدْ يُحْذَفُ الحَرْفُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَما حُذِفَ في اسْتَرْضَعَ واسْتَنْجَحَ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ إلى المَجْرُورِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، وفي الحَدِيثِ «واسْتُرْضِعْتُ في بَنِي سَعْدٍ» ووَقَعَ في الكَشّافِ ما يَقْتَضِي أنَّ السِّينَ والتّاءَ دَخَلَتا عَلى الفِعْلِ المَهْمُوزِ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ فَزادَتاهُ تَعْدِيَةً لِثانٍ، وأصْلُهُ أرْضَعَتِ المَرْأةُ الوَلَدَ، فَإذا قُلْتَ: اسْتَرْضَعْتُها صارَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّنا نَنْظُرُ إلى الحَدَثِ المُرادِ طَلَبُهُ، فَإنْ كانَ حَدَثًا قاصِرًا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ السِّينُ والتّاءُ، عُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، نَحْوَ اسْتَنْهَضْتُهُ فَنَهَضَ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ السِّينُ والتّاءُ، عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ اسْتَرْضَعْتُها فَأرْضَعَتْ، والتَّعْوِيلُ عَلى القَرِينَةِ، إذْ لا يُطْلَبُ أصْلُ الرَّضاعِ لا مِنَ الوَلَدِ ولا مِنَ الأُمِّ، وكَذا: اسْتَنْجَحْتُ اللَّهَ سَعْيِي، إذْ لا يُطْلَبُ مِنَ اللَّهِ إلّا إنْجاحُ السَّعْيِ، ولا مَعْنى لِطَلَبِ نَجاحِ اللَّهِ، فَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الفِعْلِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ إلى الثّانِي بِحَذْفِ الحَرْفِ، نَرى أنَّهُ لا مَعْنى لِتَسَلُّطِ الطَّلَبِ عَلى الفِعْلِ هُنا أصْلًا، عَلى أنَّهُ لَوْلا هَذا الِاعْتِبارُ، لَتَعَذَّرَ طَلَبُ وُقُوعِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِالسِّينِ والتّاءِ، وهو قَدْ يَطْلُبُ حُصُولَهُ فَما أوْرَدُوهُ عَلى الكَشّافِ: مِن أنَّ حُرُوفَ الزِّيادَةِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى المُجَرَّدِ لا المَزِيدِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ حُرُوفَ الزِّيادَةِ إذا تَكَرَّرَتْ، وكانَتْ لِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ جازَ اعْتِبارُ بَعْضِها داخِلًا بَعْدَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ مَدْخُولُها كُلِّها هو الفِعْلَ المُجَرَّدَ.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ يُرْضِعْنَ تَشْرِيعَ وُجُوبِ الإرْضاعِ عَلى الأُمَّهاتِ، بَلِ المَقْصُودُ تَحْدِيدُ مُدَّةِ الإرْضاعِ، وواجِباتُ المُرْضِعِ عَلى الأبِ، وأمّا إرْضاعُ الأُمَّهاتِ فَمَوْكُولٌ إلى ما تَعارَفَهُ النّاسُ، فالمَرْأةُ الَّتِي في العِصْمَةِ، إذا كانَ مِثْلُها يُرْضِعُ، يُعْتَبَرُ إرْضاعُها أوْلادَها مِن حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَيْها في العِصْمَةِ،

صفحة ٤٤٠
إذِ العُرْفُ كالشَّرْطِ. والمَرْأةُ المُطَلَّقَةُ لا حَقَّ لِزَوْجِها عَلَيْها، فَلا تُرْضِعُ لَهُ إلّا بِاخْتِيارِها. ما لَمْ يَعْرِضْ في الحالَيْنِ مانِعٌ أوْ مُوجِبٌ، مِثْلُ عَجْزِ المَرْأةِ في العِصْمَةِ عَنِ الإرْضاعِ لِمَرَضٍ، ومِثْلُ امْتِناعِ الصَّبِيِّ مِن رَضاعِ غَيْرِها، إذا كانَتْ مُطَلَّقَةً بِحَيْثُ يُخْشى عَلَيْهِ، والمَرْأةُ الَّتِي لا يُرْضِعُ مِثْلُها وهي ذاتُ القَدْرِ، قَدْ عَلِمَ الزَّوْجُ حِينَما تَزَوَّجَها أنَّ مِثْلَها لا يُرْضِعُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْها حَقُّ الإرْضاعِ. هَذا قَوْلُ مالِكٍ، إذِ العُرْفُ كالشَّرْطِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ عُرْفًا مِن قَبْلِ الإسْلامِ وتَقَرَّرَ في الإسْلامِ، وقَدْ جَرى في كَلامِ المالِكِيَّةِ، في كُتُبِ الأُصُولِ: أنَّ مالِكًا خَصَّصَ عُمُومَ الوالِداتِ بِغَيْرِ ذَواتِ القَدْرِ، وأنَّ المُخَصَّصَ هو العُرْفُ، وكُنّا نُتابِعُهم عَلى ذَلِكَ، ولَكِنِّي الآنَ لا أرى ذَلِكَ مُتَّجِهًا ولا أرى مالِكًا عَمَدَ إلى التَّخْصِيصِ أصْلًا، لِأنَّ الآيَةَ غَيْرُ مَسُوقَةٍ لِإيجابِ الإرْضاعِ، كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ إذا سَلَّمْتُمْ إلى المَراضِعِ أُجُورَهُنَّ. فالمُرادُ بِما آتَيْتُمُ: الأجْرُ، ومَعْنى آتى في الأصْلِ دَفَعَ؛ لِأنَّهُ مُعَدّى أتى بِمَعْنى وصَلَ، ولَمّا كانَ أصْلُ ”إذا“ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ، لَمْ يَلْتَئِمْ أنْ يَكُونَ مَعَ فِعْلِ آتَيْتُمُ الماضِي.

وتَأوَّلَ في الكَشّافِ آتَيْتُمْ بِمَعْنى: أرَدْتُمْ إيتاءَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٦] تَبَعًا لِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، والمَعْنى: إذا سَلَّمْتُمْ أُجُورَ المَراضِعِ بِالمَعْرُوفِ، دُونَ إجْحافٍ ولا مَطْلٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (أتَيْتُمْ) بِتَرْكِ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. فالمَعْنى عَلَيْهِ: إذا سَلَّمْتُمْ ما جِئْتُمْ، أيْ ما قَصَدْتُمْ، فالإتْيانُ حِينَئِذٍ مَجازٌ عَنِ القَصْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الصافات: ٨٤] وقالَ زُهَيْرٌ:

وما كانَ مِن خَيْرٍ أتَوْهُ فَإنَّما تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ
وقَوْلُهُ واتَّقَوُا اللَّهَ تَذْيِيلٌ لِلتَّخْوِيفِ، والحَثِّ عَلى مُراقَبَةِ ما شَرَعَ اللَّهُ، مِن غَيْرِ مُحاوَلَةٍ ولا مُكايَدَةٍ، وقَوْلُهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَذْكِيرٌ لَهم بِذَلِكَ، وإلّا فَقَدَ عَلِمُوهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And those who are taken in death among you and leave wives behind - they, [the wives, shall] wait four months and ten [days]. And when they have fulfilled their term, then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable manner. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

صفحة ٤٤١
‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏
انْتِقالٌ إلى بَيانِ عِدَّةِ الوَفاةِ، بَعْدَ الكَلامِ عَنْ عِدَّةِ الطَّلاقِ، وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِن أحْكامِ الإرْضاعِ، عَقِبَ الطَّلاقِ، تَقَصِّيًا لِما بِهِ إصْلاحُ أحْوالِ العائِلاتِ، فَهو عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، ويُتَوَفَّوْنَ: مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي التَزَمَتِ العَرَبُ فِيها البِناءَ لِلْمَجْهُولِ: مِثْلَ عُنِيَ واضْطُرَّ، وذَلِكَ في كُلِّ فِعْلٍ قَدْ عُرِفَ فاعِلُهُ ما هو، أوْ لَمْ يَعْرِفُوا لَهُ فاعِلًا مُعَيَّنًا. وهو مِن تَوَفّاهُ اللَّهُ، أوْ تَوَفّاهُ المَوْتُ، فاسْتِعْمالُ التَّوَفِّي مِنهُ مَجازٌ، تَنْزِيلًا لِعُمْرِ الحَيِّ مَنزِلَةَ حَقٍّ لِلْمَوْتِ، أوْ لِخالِقِ المَوْتِ، فَقالُوا: تُوُفِّيَ فُلانٌ كَما يُقالُ: تُوُفِّيَ الحَقُّ ونَظِيرُهُ قُبِضَ فُلانٌ، وقُبِضَ الحَقُّ فَصارَ المُرادُ مِن تُوُفِّيَ: ماتَ، كَما صارَ المُرادُ مِن قَبَضَ وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وجاءَ الإسْلامُ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] وقالَ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٥] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [السجدة: ١١] فَظَهَرَ الفاعِلُ، المَجْهُولُ عِنْدَهم، في مَقامِ التَّعْلِيمِ أوِ المَوْعِظَةِ، وأبْقى اسْتِعْمالَ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ فِيما عَدا ذَلِكَ: إيجازًا وتَبَعًا لِلِاسْتِعْمالِ.

وقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ خَبَرُ الَّذِينَ وقَدْ حَصَلَ الرَّبْطُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِضَمِيرِ يَتَرَبَّصْنَ، العائِدِ إلى الأزْواجِ، الَّذِي هو مَفْعُولُ الفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلى الصِّلَةِ، فَهُنَّ أزْواجُ المُتَوَفِّينَ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ قائِمٌ مَقامَ الظّاهِرِ، وهَذا الظّاهِرُ قائِمٌ مَقامَ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ، بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ: مِنَ الِاكْتِفاءِ في الرَّبْطِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى اسْمٍ، مُضافٍ إلى مِثْلِ العائِدِ، وخالَفَ الجُمْهُورَ في ذَلِكَ، كَما في التَّسْهِيلِ وشَرْحِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّرُوا هُنا: ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم كَما قالُوا: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ أيْ مِنهُ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وأزْواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم إلَخْ يَتَرَبَّصْنَ، بِناءً عَلى أنَّهُ حَذْفٌ لِمُضافٍ، وبِذَلِكَ قُدِّرَ في الكَشّافِ ولا داعِيَ إلَيْهِ كَما قالَ التَّفْتازانِيُّ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: ومِمّا يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ، فَيَكُونُ يَتَرَبَّصْنَ: اسْتِئْنافًا، وكُلُّها تَقْدِيراتٌ لا فائِدَةَ فِيها، بَعْدَ اسْتِقامَةِ المَعْنى.

صفحة ٤٤٢
وقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٢٨] .
وتَأْنِيثُ اسْمِ العَدَدِ في قَوْلِهِ عَشْرًا لِمُراعاةِ اللَّيالِي، والمُرادُ: اللَّيالِي بِأيّامِها؛ إذْ لا تَكُونُ لَيْلَةٌ بِلا يَوْمٍ، ولا يَوْمٌ بِلا لَيْلَةٍ، والعَرَبُ تَعْتَبِرُ اللَّيالِيَ في التّارِيخِ والتَّأْجِيلِ، يَقُولُونَ: كَتَبَ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ في شَهْرِ كَذا، ورُبَّما اعْتَبَرُوا الأيّامَ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٩٦] وقالَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٨٤] ) لِأنَّ عَمَلَ الصِّيامِ إنَّما يَظْهَرُ في اليَوْمِ لا في اللَّيْلَةِ، قالَ في الكَشّافِ: والعَرَبُ تُجْرِي أحْكامَ التَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ، في أسْماءِ الأيّامِ، إذا لَمْ تَجْرِ عَلى لَفْظٍ مَذْكُورٍ، بِالوَجْهَيْنِ. قالَ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [طه: ١٠٣] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [طه: ١٠٤] فَأرادَ بِالعَشْرِ: الأيّامَ ومَعَ ذَلِكَ جَرَّدَها مِن عَلامَةِ تَذْكِيرِ العَدَدِ، لِأنَّ اليَوْمَ يُعْتَبَرُ مَعَ لَيْلَتِهِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عِدَّةَ الوَفاةِ مَنُوطَةً بِالأمَدِ الَّذِي يَتَحَرَّكُ في مِثْلِهِ الجَنِينُ تَحَرُّكًا بَيِّنًا، مُحافَظَةً عَلى أنْسابِ الأمْواتِ؛ فَإنَّهُ جَعَلَ عِدَّةَ الطَّلاقِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ دَلالَةً ظَنِّيَّةً: وهو الأقْراءُ، عَلى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المُطَلِّقَ يَعْلَمُ حالَ مُطَلَّقَتِهِ مِن طُهْرٍ وعَدَمِهِ، ومِن قُرْبانِهِ إيّاها قَبْلَ الطَّلاقِ وعَدَمِهِ، وكَذَلِكَ العُلُوقُ لا يَخْفى، فَلَوْ أنَّها ادَّعَتْ عَلَيْهِ نَسَبًا، وهو يُوقِنُ بِانْتِفائِهِ، كانَ لَهُ في اللِّعانِ مَندُوحَةٌ، أمّا المَيِّتُ فَلا يُدافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَجُعِلَتْ عِدَّتُهُ أمَدًا مَقْطُوعًا بِانْتِفاءِ الحَمْلِ في مِثْلِهِ: وهو الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ والعَشَرَةُ، فَإنَّ الحَمْلَ يَكُونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. فَما بَيْنَ اسْتِقْرارِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، إلى نَفْخِ الرُّوحِ في الجَنِينِ، أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، وإذْ قَدْ كانَ الجَنِينُ، عَقِبَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، يَقْوى تَدْرِيجًا، جُعِلَتِ العَشْرُ اللَّيالِي: الزّائِدَةَ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ، لِتَحَقُّقِ تَحَرُّكِ الجَنِينِ تَحَرُّكًا بَيِّنًا، فَإذا مَضَتْ هَذِهِ المُدَّةُ حَصَلَ اليَقِينُ بِانْتِفاءِ الحَمْلِ؛ إذْ لَوْ كانَ ثَمَّةَ حَمْلٌ لَتَحَرَّكَ لا مَحالَةَ، وهو يَتَحَرَّكُ لِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وزِيدَتْ عَلَيْها العَشْرُ احْتِياطًا لِاخْتِلافِ حَرَكاتِ الأجِنَّةِ قُوَّةً وضَعْفًا، بِاخْتِلافِ قُوى الأمْزِجَةِ.

وعُمُومُ الَّذِينَ في صِلَتِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأزْواجِ، يَقْتَضِي عُمُومَ هَذا الحُكْمِ في المُتَوَفّى عَنْهُنَّ، سَواءٌ كُنَّ حَرائِرَ أمْ إماءً، وسَواءٌ كُنَّ حَوامِلَ أمْ غَيْرَ حَوامِلَ، وسَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أمْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِنَّ، فَأمّا الإماءُ فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: إنَّ عِدَّتَهُنَّ عَلى نِصْفِ عِدَّةِ الحَرائِرِ. قِياسًا عَلى تَنْصِيفِ الحَدِّ، والطَّلاقِ، وعَلى تَنْصِيفِ عِدَّةِ الطَّلاقِ، ولَمْ يَقُلْ بِمُساواتِهِنَّ لِلْحَرائِرِ، في عِدَّةِ الوَفاةِ إلّا الأصَمُّ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ

صفحة ٤٤٣
سِيرِينَ، إلّا أُمَّهاتِ الأوْلادِ فَقالَتْ طائِفَةٌ: عِدَّتُهُنَّ مِثْلُ الحَرائِرِ، وهو قَوْلُ سَعِيدٍ والزُّهْرِيِّ والحَسَنِ والأوْزاعِيِّ وإسْحاقَ ورُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وقالَتْ طَوائِفُ غَيْرُ ذَلِكَ. وإنَّ إجْماعَ فُقَهاءِ الإسْلامِ عَلى تَنْصِيفِ عِدَّةِ الوَفاةِ في الأمَةِ المُتَوَفّى زَوْجُها لَمِن مُعْضِلاتِ المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ، فَبِنا أنْ نَنْظُرَ إلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ عِدَّةِ الوَفاةِ، وإلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّنْصِيفِ لِذِي الرِّقِّ، فِيما نَصِفُ لَهُ فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَنَرى بِمَسْلَكِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ أنَّ عِدَّةَ الوَفاةِ إمّا أنْ تَكُونَ لِحِكْمَةٍ تُحَقِّقُ النَّسَبَ أوْ عَدَمَهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ لِقَصْدِ الإحْدادِ عَلى الزَّوْجِ، لَمّا نَسَخَ الإسْلامُ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإحْدادِ حَوْلًا كامِلًا، أبْقى لَهُنَّ ثُلُثَ الحَوْلِ، كَما أبْقى لِلْمَيِّتِ حَقَّ الوَصِيَّةِ بِثُلُثِ مالِهِ، ولَيْسَ لَها حِكْمَةٌ غَيْرُ هَذَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها ما في عِدَّةِ الطَّلاقِ مِن حِكْمَةِ انْتِظارِ نَدامَةِ المُطَّلِقِ، ولَيْسَ هَذا الوَجْهُ الثّانِي بِصالِحٍ لِلتَّعْلِيلِ، لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِالشَّرِيعَةِ أنْ تُقَرِّرَ أوْهامَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَتَبْقى مِنهُ تُراثًا سَيِّئًا، ولِأنَّهُ قَدْ عُهِدَ مِن تَصَرُّفِ الإسْلامِ إبْطالُ تَهْوِيلِ أمْرِ المَوْتِ، والجَزَعِ لَهُ، الَّذِي كانَ عِنْدَ الجاهِلِيَّةِ، عُرِفَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن تَصَرُّفاتِ الشَّرِيعَةِ، ولِأنَّ الفُقَهاءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ مِنَ الوَفاةِ وضْعُ حَمْلِها، فَلَوْ كانَتْ عِدَّةَ غَيْرِ الحامِلِ لِقَصْدِ اسْتِبْقاءِ الحُزْنِ لاسْتَوَتا في العِدَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ حِكْمَةَ عِدَّةِ الوَفاةِ هي تَحَقُّقُ الحَمْلِ أوْ عَدَمُهُ، فَلْنَنْقُلِ النَّظَرَ إلى الأمَةِ نَجِدْ فِيها وصَفَّيْنِ: الإنْسانِيَّةُ والرِّقُّ، فَإذا سَلَكْنا إلَيْهِما طَرِيقَ تَخْرِيجِ المَناطِ، وجَدْنا الوَصْفَ المُناسِبَ لِتَعْلِيلِ الِاعْتِدادِ الَّذِي حِكْمَتُهُ تَحَقُّقُ النَّسَبِ هو وصْفُ الإنْسانِيَّةِ؛ إذِ الحَمْلُ لا يَخْتَلِفُ حالُهُ بِاخْتِلافِ أصْنافِ النِّساءِ، وأحْوالُهُنَّ الِاصْطِلاحِيَّةُ أمّا الرِّقُّ فَلَيْسَ وصْفًا صالِحًا لِلتَّأْثِيرِ في هَذا الحُكْمِ، وإنَّما نُصِّفَتْ لِلْعَبْدِ أحْكامٌ تَرْجِعُ إلى المُناسِبِ التَّحْسِينِيِّ: كَتَنْصِيفِ الحَدِّ لِضَعْفِ مُرُوءَتِهِ، ولِتَفَشِّي السَّرِقَةِ في العَبِيدِ، فَطُرِدَ حُكْمُ التَّنْصِيفِ لَهم في غَيْرِهِ. وتَنْصِيفُ عِدَّةِ الأمَةِ في الطَّلاقِ الوارِدِ في الحَدِيثِ، لِعِلَّةِ الرَّغْبَةِ في مُراجَعَةِ أمْثالِها، فَإذا جاءَ راغِبٌ فِيها بَعْدَ قُرْأيْنِ تَزَوَّجَتْ، ويَطَّرِدُ بابُ التَّنْصِيفِ أيْضًا.
فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ عِدَّةُ الوَفاةِ لِلْأمَةِ كَمِثْلِ الحُرَّةِ، ولَيْسَ في تَنْصِيفِها أثَرٌ، ومُسْتَنَدُ الإجْماعِ قِياسٌ مَعَ وُجُودِ الفارِقِ. وأمّا الحَوامِلُ فالخِلافُ فِيهِنَّ قَوِيٌّ؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ عِدَّتَهُنَّ مِنَ الوَفاةِ وضْعُ حَمْلِهِنَّ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِهِ وأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبِي هُرَيْرَةَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، قالَ عُمَرُ: لَوْ وضَعَتْ حَمْلَها وزَوْجَها عَلى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ لَحَلَّتْ لِلْأزْواجِ وحُجَّتُهم:

صفحة ٤٤٤
حَدِيثُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ زَوْجِ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، تُوُفِّيَ عَنْها بِمَكَّةَ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ وهي حامِلٌ فَوَضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ نِصْفِ شَهْرٍ كَما في المُوَطَّأِ، أوْ بَعْدَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَها: «قَدْ حَلَلْتِ فانْكِحِي إنْ بَدا لَكِ» واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ سُورَةِ الطَّلاقِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الطلاق: ٤] وعُمُومُ أُولاتِ الأحْمالِ، مَعَ تَأخُّرِ نُزُولِ تِلْكَ السُّورَةِ عَنْ سُورَةِ البَقَرَةِ، يَقْضِي بِالمَصِيرِ إلى اعْتِبارِ تَخْصِيصِ عُمُومِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإلى هَذا أشارَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ، لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى - يَعْنِي سُورَةَ يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ - بَعْدَ الطُّولى أيِ السُّورَةِ الطُّولى أيِ البَقَرَةِ ولَيْسَ المُرادُ سُورَةَ النِّساءِ الطُّولى.
وعِنْدِي أنَّ الحُجَّةَ لِلْجُمْهُورِ، تَرْجِعُ إلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ حِكْمَةَ عِدَّةِ الوَفاةِ هي تَيَقُّنُ حِفْظِ النَّسَبِ، فَلَمّا كانَ وضْعُ الحَمْلِ أدَلَّ شَيْءٍ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ، كانَ مُغْنِيًا عَنْ غَيْرِهِ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ ولا تَجْعَلُونَ عَلَيْها الرُّخْصَةَ، يُرِيدُ أنَّها لَوْ طالَ أمَدُ حَمْلِها لَما حَلَّتْ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ في الوَفاةِ أقْصى الأجَلَيْنِ، واخْتارَهُ سَحْنُونٌ مِنَ المالِكِيَّةِ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ في هَذا القَوْلِ جَمْعًا بَيْنَ مُقْتَضى الآيَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُهم: في هَذا القَوْلِ احْتِياطٌ، وهَذِهِ العِبارَةُ أحْسَنُ؛ إذْ لَيْسَ في الأخْذِ بِأقْصى الأجَلَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِالمَعْنى الأُصُولِيِّ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ المُتَعارِضَيْنِ مَعْناهُ أنْ يُعْمَلَ بِكُلٍّ مِنهُما: في حالَةٍ أوْ زَمَنٍ أوْ أفْرادٍ، غَيْرَ ما أُعْمِلَ فِيهِ بِالآخَرِ، بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ في صُورَةِ الجَمْعِ عَمَلٌ بِمُقْتَضى المُتَعارِضَيْنِ مَعًا، ولِذَلِكَ يُسَمُّونَ الجَمْعَ بِإعْمالِ النَّصَّيْنِ، والمَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِدادِ تَحْدِيدُ أمَدِ التَّرَبُّصِ والِانْتِظارِ، فَإذا نَحْنُ أخَذْنا بِأقْصى الأجَلَيْنِ، أبْطَلْنا مُقْتَضى إحْدى الآيَتَيْنِ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّنا نُلْزِمُ المُتَوَفّى عَنْها بِتَجاوُزِ ما حَدَّدَتْهُ لَها إحْدى الآيَتَيْنِ، ولا نَجِدُ حالَةً تَحَقَّقَ فِيها مُقْتَضاهُما، كَما هو بَيِّنٌ، فَأحْسَنُ العِبارَتَيْنِ أنْ تُعَبَّرَ بِالِاحْتِياطِ: وهو أنَّ الآيَتَيْنِ تَعارَضَتا بِعُمُومٍ وخُصُوصٍ وجْهِيٍّ، فَعَمَدْنا إلى صُورَةِ التَّعارُضِ وأعْمَلْنا فِيها مَرَّةً مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، ومَرَّةً مُقْتَضى الأُخْرى، تَرْجِيحًا لِأحَدِ المُقْتَضَيَيْنِ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِمُرَجِّحِ الِاحْتِياطِ، فَهو تَرْجِيحٌ لا جَمْعٌ لَكِنَّ

صفحة ٤٤٥
حَدِيثَ سُبَيْعَةَ في الصَّحِيحِ أبْطَلَ هَذا المَسْلَكَ لِلتَّرْجِيحِ كَما أنَّ ابْتِداءَ سُورَةِ الطَّلاقِ بِقَوْلِهِ تَعالى إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يُنادِي عَلى تَخْصِيصِ عُمُومِ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الطلاق: ٤] هُنالِكَ بِالحَوامِلِ المُطَلَّقاتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَجَعَ إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ وهو ظاهِرُ حَدِيثِ المُوَطَّأِ في اخْتِلافِهِ وأبِي سَلَمَةَ في ذَلِكَ، وإرْسالِهِما مَن سَألَ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَأخْبَرَتْهُما بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ لا تَلْتَفِتُ الشَّرِيعَةُ، عَلى هَذا، إلى ما في طِباعِ النِّساءِ مِنَ الحُزْنِ عَلى وفاةِ أزْواجِهِنَّ ؟ وكَيْفَ لا تَبْقى بَعْدَ نَسْخِ حُزْنِ الحَوْلِ الكامِلِ مُدَّةَ ما يَظْهَرُ فِيها حالُ المَرْأةِ ؟ وكَيْفَ تَحِلُّ الحامِلُ لِلْأزْواجِ لَوْ وضَعَتْ حَمْلَها وزَوْجُها لَمّا يُوضَعُ عَنْ سَرِيرِهِ كَما وقَعَ في قَوْلِ عُمَرَ ؟ قُلْتُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَ إحْدادَ الحَوْلِ فَرْضًا عَلى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْها، والأزْواجُ في هَذا الحُزْنِ مُتَفاوِتاتٌ، وكَذَلِكَ هُنَّ مُتَفاوِتاتٌ في المَقْدِرَةِ عَلى البَقاءِ في الِانْتِظارِ لِقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ في غالِبِ النِّساءِ، فَكُنَّ يَصْبِرْنَ عَلى انْتِظارِ الحَوْلِ راضِياتٍ، أوْ كارِهاتٍ، فَلَمّا أبْطَلَ الشَّرْعُ ذَلِكَ فِيما أبْطَلَ مِن أوْهامِ الجاهِلِيَّةِ، لَمْ يَكْتَرِثْ بِأنْ يُشَرِّعَ لِلنِّساءِ حُكْمًا في هَذا الشَّأْنِ، ووَكِلَهُ إلى ما يَحْدُثُ في نُفُوسِهِنَّ، وجَدَّتِهِنَّ، كَما يُوكِلُ جَمِيعَ الجِبِلِّياتِ والطَّبْعِيّاتِ إلى الوِجْدانِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ لِلنّاسِ مِقْدارَ الأكَلاتِ والأسْفارِ، والحَدِيثِ، ونَحْوَ هَذا. وإنَّما اهْتَمَّ بِالمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ: وهو حِفْظُ الأنْسابِ، فَإذا قُضِيَ حَقُّهُ، فَقَدْ بَقِيَ لِلنِّساءِ أنْ يَفْعَلْنَ في أنْفُسِهِمْ ما يَشَأْنَ، مِنَ المَعْرُوفِ، كَما قالَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإذا شاءَتِ المَرْأةُ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ أنْ تَحْبِسَ نَفْسَها فَلْتَفْعَلْ.
أمّا الأزْواجُ غَيْرُ المَدْخُولِ بِهِنَّ، فَعَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الوَفاةِ، دُونَ عِدَّةِ الطَّلاقِ، لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ ولِأنَّ لَهُنَّ المِيراثَ، فالعِصْمَةُ تَقَرَّرَتْ بِوَجْهٍ مُعْتَبَرٍ، حَتّى كانَتْ سَبَبَ إرْثٍ، وعَدَمُ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ، لا يَنْفِي احْتِمالَ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ قارَبَها خُفْيَةً، إذْ هي حَلالٌ لَهُ، فَأوْجَبَ عَلَيْها الِاعْتِدادَ احْتِياطًا لِحِفْظِ النَّسَبِ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ، وإنْ كانَ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجالٌ، فَقَدْ تُقاسُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ بِها، عَلى الَّتِي طَلَّقَها زَوْجُها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] .

وقَدْ ذَكَرُوا حَدِيثَ بِرْوَعَ بِنْتِ واشِقٍ الأشْجَعِيَّةِ، رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنانٍ الأشْجَعِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى في بِرْوَعَ بِنْتِ واشِقٍ وقَدْ ماتَ زَوْجُها،
صفحة ٤٤٦
ولَمْ يَفْرِضْ لَها صَداقًا، ولَمْ يَدْخُلْ بِها أنَّ لَها مِثْلَ صَداقِ نِسائِها، وعَلَيْها العِدَّةُ ولَها المِيراثُ» ولَمْ يُخالِفْ أحَدٌ في وُجُوبِ الِاعْتِدادِ عَلَيْها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ مَهْرِ المِثْلِ لَها.

وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ إذا انْتَهَتِ المُدَّةُ المَعْنِيَّةُ بِالتَّرَبُّصِ، أيْ إذا بَلَغْنَ بِتَرَبُّصِهِنَّ تِلْكَ المُدَّةَ، وجُعِلَ امْتِدادُ التَّرَبُّصِ بُلُوغًا، عَلى وجْهِ الإطْلاقِ الشّائِعِ في قَوْلِهِمْ بَلَغَ الأمَدَ، وأصْلُهُ اسْمُ البُلُوغِ وهو الوُصُولُ، اسْتُعِيرَ لِإكْمالِ المُدَّةِ تَشْبِيهًا لِلزَّمانِ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقْصُودِ. والأجَلُ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمَنِ جُعِلَتْ ظَرْفًا لِإيقاعِ فِعْلٍ في نِهايَتِها أوْ في أثْنائِها تارَةً.

وضَمِيرُ أجَلَهُنَّ لِلْأزْواجِ اللّائِي تُوُفِّيَ عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ، وعُرِفَ الأجَلُ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِنَّ دُونَ غَيْرِ الإضافَةِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِما يُؤْذَنُ بِهِ إضافَةُ أجْلٍ مَن كَوْنِهِنَّ قَضَيْنَ ما عَلَيْهِنَّ، فَلا تُضايِقُوهُنَّ بِالزِّيادَةِ عَلَيْهِ.

وأُسْنِدَ البُلُوغُ إلَيْهِنَّ، وأُضِيفَ الأجَلُ إلَيْهِنَّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَشَقَّةً هَذا الأجَلِ عَلَيْهِنَّ ومَعْنى الجُناحِ هُنا: الحَرَجُ، لِإزالَةِ ما عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ في نُفُوسِ النّاسِ مِنِ اسْتِفْظاعِ تَسَرُّعِ النِّساءِ إلى التَّزَوُّجِ بَعْدَ عِدَّةِ الوَفاةِ، وقَبْلَ الحَوْلِ، فَإنَّ أهْلَ الزَّوْجِ المُتَوَفّى قَدْ يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ، فَنَفى اللَّهُ هَذا الحَرَجَ، وقالَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ تَغْلِيظًا لِمَن يَتَحَرَّجُ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَوْ كانَتِ المَرْأةُ ذاتَ تَعَلُّقٍ شَدِيدٍ بِعَهْدِ زَوْجِها المُتَوَفّى، لَكانَ داعِيَ زِيادَةِ تَرَبُّصِها مِن نَفْسِها، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَها ذَلِكَ الدّاعِي، فَلِماذا التَّحَرُّجُ مِمّا تَفْعَلُهُ في نَفْسِها، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ وقَيَّدَهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المَعْرُوفِ نَهْيًا لِلْمَرْأةِ أنْ تَفْعَلَ ما لَيْسَ مِنَ المَعْرُوفِ شَرْعًا وعادَةً، كالإفْراطِ في الحُزْنِ المُنْكَرِ شَرْعًا، أوِ التَّظاهُرِ بِتَرْكِ التَّزَوُّجِ بَعْدَ زَوْجِها، وتَغْلِيظًا لِلَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلى النِّساءِ تَسَرُّعَهُنَّ بَعْدَ العِدَّةِ، أوْ بَعْدَ وضْعِ الحَمْلِ، كَما فَعَلَتْ سُبَيْعَةُ أيْ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ.

وقَدْ دَلَّ مَفْهُومُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى أنَّهُنَّ، في مُدَّةِ الأجَلِ، مَنهِيّاتٌ عَنْ أفْعالٍ في أنْفُسِهِنَّ كالتَّزَوُّجِ وما يَتَقَدَّمُهُ مِنِ الخِطْبَةِ والتَّزَيُّنِ، فَأمّا التَّزَوُّجُ في العِدَّةِ فَقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى مَنعِهِ، وسَيَأْتِي تَفْصِيلُ القَوْلِ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٣٥] .

وأمّا ما عَداهُ، فالخِلافُ مَفْرُوضٌ في أمْرَيْنِ: في الإحْدادِ، وفي مُلازَمَةِ البَيْتِ. فَأمّا الإحْدادُ فَهو مَصْدَرُ أحَدَتِ المَرْأةُ إذا حَزِنَتْ، ولَبِسَتْ ثِيابَ الحُزْنِ، وتَرَكَتِ

صفحة ٤٤٧
الزِّينَةَ، ويُقالُ حِدادٌ، والمُرادُ بِهِ في الإسْلامِ تَرْكُ المُعْتَدَّةِ مِنَ الوَفاةِ الزِّينَةَ، والطِّيبَ، ومَصْبُوغَ الثِّيابِ، إلّا الأبْيَضَ، وتَرْكُ الحُلِيِّ، وهو واجِبٌ بِالسُّنَّةِ فَفي الصَّحِيحِ «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا عَلى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا» ولَمْ يُخالِفْ في هَذا إلّا الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فَجَعَلَ الإحْدادَ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا غَيْرُ وهو ضَعِيفٌ.
والحِكْمَةُ مِنَ الإحْدادِ سَدُّ ذَرِيعَةِ كُلِّ ما يُوَسْوِسُ إلى الرِّجالِ: مِن رُؤْيَةِ مَحاسِنِ المَرْأةِ المُعْتَدَّةِ، حَتّى يَبْتَعِدُوا عَنِ الرَّغْبَةِ في التَّعَجُّلِ بِما لا يَلِيقُ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الإحْدادِ عَلى المُطَلَّقَةِ، فَقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، ورَبِيعَةُ، وعَطاءٌ: لا إحْدادَ عَلى مُطَلَّقَةٍ، أخْذًا بِصَرِيحِ الحَدِيثِ، وبِأنَّ المُطَلَّقَةَ يَرْقُبُها مُطَلِّقُها، ويَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَسى أنْ تَتَساهَلَ فِيهِ، بِخِلافِ المُتَوَفّى عَنْها كَما قَدَّمْناهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وابْنُ سِيرِينَ: تُحِدُّ المُطَلَّقَةُ طَلاقَ الثَّلاثِ، كالمُتَوَفّى عَنْها، لِأنَّهُما جَمِيعًا في عِدَّةٍ يُحْفَظُ فِيها النَّسَبُ، والزَّوْجَةُ الكِتابِيَّةُ كالمُسْلِمَةِ في ذَلِكَ، عِنْدَ مالِكٍ، تُجْبَرُ عَلَيْهِ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، واللَّيْثُ، وأبُو ثَوْرٍ، لِاتِّحادِ العِلَّةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأشْهَبُ، وابْنُ نافِعٍ، وابْنُ كِنانَةَ، مِنَ المالِكِيَّةِ: لا إحْدادَ عَلَيْها، وُقُوفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ» فَوَصَفَها بِالإيمانِ، وهو مُتَمَسَّكٌ ضَئِيلٌ، لِأنَّ مَوْرِدَ الوَصْفِ لَيْسَ مَوْرِدَ التَّقْيِيدِ، بَلْ مَوْرِدُ التَّحْرِيضِ عَلى امْتِثالِ أمْرِ الشَّرِيعَةِ

وقَدْ شَدَّدَ النَّبِيءُ ﷺ في أمْرِ الإحْدادِ، فَفي المُوَطَّأِ: «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها، وقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْها، أفَتُكَحِّلُهُما فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا لا مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا إنَّما هي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرًا وقَدْ كانَتْ إحْداكُنَّ في الجاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلى رَأْسِ الحَوَلِ» . وقَدْ أباحَ النَّبِيءُ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ في مُدَّةِ إحْدادِها عَلى أبِي سَلَمَةَ: أنْ تَجْعَلَ الصَّبْرَ في عَيْنَيْها

صفحة ٤٤٨
بِاللَّيْلِ، وتَمَسَحَهُ بِالنَّهارِ، وبِمِثْلِ ذَلِكَ أفْتَتْ أُمُّ سَلَمَةَ امْرَأةً حادًّا اشْتَكَتْ عَيْنَيْها أنْ تَكْتَحِلَ بِكُحْلِ الجِلاءِ بِاللَّيْلِ، وتَمْسَحَهُ بِالنَّهارِ، رُوِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ في المُوَطَّأِ، قالَ مالِكٌ: وإذا كانَتِ الضَّرُورَةُ فَإنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ: ولِذَلِكَ حَمَلُوا نَهْيَ النَّبِيءِ ﷺ المَرْأةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْهُ أُمَّها أنْ تَكْتَحِلَ عَلى أنَّهُ عَلِمَ مِنَ المُعْتَدَّةِ أنَّها أرادَتِ التَّرَخُّصَ، فَقَيَّضَتْ أُمَّها لِتَسْألَ لَها.
وأمّا مُلازَمَةُ مُعْتَدَّةِ الوَفاةِ بَيْتَ زَوْجِها فَلَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ التَّرَبُّصَ تَرَبُّصٌ بِالزَّمانِ، لا بَدَلٌ عَلى مُلازَمَةِ المَكانِ، والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الجُمْهُورَ أخَذُوا ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٤٠] فَإنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إلّا حِفْظُ المُعْتَدَّةِ، فَلَمّا نُسِخَ عِنْدَ الجُمْهُورِ، بِهَذِهِ الآيَةِ، كانَ النَّسْخُ وارِدًا عَلى المُدَّةِ وهي الحَوْلُ، لا عَلى بَقِيَّةِ الحُكْمِ، عَلى أنَّ المُعْتَدَّةَ مِنَ الوَفاةِ أوْلى بِالسُّكْنى مِن مُعْتَدَّةِ الطَّلاقِ الَّتِي جاءَ فِيها ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الطلاق: ١] وجاءَ فِيها ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الطلاق: ٦] وقالَ المُفَسِّرُونَ والفُقَهاءُ: ثَبَتَ وُجُوبُ مُلازَمَةِ البَيْتِ، بِالسُّنَّةِ، فَفي المُوَطَّأِ والصِّحاحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِلْفُرَيْعَةِ ابْنَةِ مالِكِ بْنِ سِنانٍ الخُدْرِيِّ، أُخْتِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ لَمّا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها: امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ» وهو حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وقَضى بِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وفي المُوَطَّأِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَرُدُّ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ مِنَ البَيْداءِ يَمْنَعُهُنَّ الحَجَّ، وبِذَلِكَ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وبِهِ أخَذَ جُمْهُورُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ، والحِجازِ، والعِراقِ، والشّامِ، ومِصْرَ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وداوُدُ الظّاهِرِيُّ، وقَدْ أخْرَجَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أُخْتَها أُمَّ كُلْثُومٍ، حِينَ تُوُفِّيَ زَوْجُها، طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، إلى مَكَّةَ في عُمْرَةٍ، وكانَتْ تُفْتِي بِالخُرُوجِ، فَأنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ ذَلِكَ عَلَيْها، قالَ الزُّهْرِيُّ: فَأخَذَ المُتَرَخِّصُونَ بِقَوْلِ عائِشَةَ، وأخَذَ أهْلُ العَزْمِ والوَرَعِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، واتَّفَقَ الكُلُّ عَلى أنَّ المَرْأةَ المُعْتَدَّةَ تَخْرُجُ لِلضَّرُورَةِ، وتَخْرُجُ نَهارًا، لِحَوائِجِها، مِن وقْتِ انْتِشارِ النّاسِ إلى وقْتِ هُدُوئِهِمْ بَعْدَ العَتَمَةِ، ولا تَبِيتُ إلّا في المَنزِلِ، وشُرُوطُ ذَلِكَ وأحْكامُهُ، ووُجُودُ المَحَلِّ لِلزَّوْجِ، أوْ في كِرائِهِ، وانْتِظارُ الوَرَثَةِ بَيْعَ المَنزِلِ إلى ما بَعْدَ العِدَّةِ، وحُكْمُ ما لَوِ ارْتابَتْ في الحَمْلِ فَطالَتِ العِدَّةُ،

صفحة ٤٤٩
مَبْسُوطَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، والخِلافِ، فَلا حاجَةَ بِنا إلَيْها هُنا.
ومِنِ القِراءاتِ الشّاذَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ: ما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ أنَّ عَلِيًّا قَرَأ (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ تُوُفِّيَ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِمَعْنى ماتَ بِتَأْوِيلِ إنَّهُ تَوَفّى أجْلَهُ أيِ اسْتَوْفاهُ.

وأنا، وإنْ كُنْتُ التَزَمْتُ ألّا أتَعَرَّضَ لِلْقِراءاتِ الشّاذَّةِ، فَإنَّما ذَكَرْتُ هَذِهِ القِراءَةَ لِقِصَّةٍ طَرِيفَةٍ فِيها نُكْتَةٌ عَرَبِيَّةٌ، أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ، وفَصَلَها السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهي أنَّ عَلِيًّا كانَ يُشَيِّعُ جِنازَةً، فَقالَ لَهُ قائِلٌ مَنِ المُتَوَفِّي بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ بِكَسْرِ الفاءِ سائِلًا عَنِ المُتَوَفّى - بِفَتْحِ الفاءِ - فَلَمْ يَقُلْ: فُلانٌ بَلْ قالَ (اللَّهُ) مُخَطِّئًا إيّاهُ، مُنَبِّهًا لَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَحِقُّ أنْ يَقُولَ: مَنِ المُتَوَفّى بِلَفْظِ اسْمِ المَفْعُولِ، وما فَعَلَ ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ عَرَفَ مَنِ السّائِلِ أنَّهُ ما أوْرَدَ لَفْظَ المُتَوَفِّي عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَكْسُوهُ جَزالَةٌ وفَخامَةٌ، وهو وجْهُ القِراءَةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ - أيْ إلى عَلِيٍّ - والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم بِلَفْظِ بِناءِ الفاعِلِ عَلى إرادَةِ مَعْنى: (والَّذِينَ يَسْتَوْفُونَ مُدَّةَ أعْمارِهِمْ) .

وفِي الكَشّافِ أنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ مَعَ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وأنَّ عَلِيًّا لَمّا بَلَغَتْهُ أمَرَ أبا الأسْوَدِ أنْ يَضَعَ كِتابًا في النَّحْوِ، وقالَ: إنَّ الحِكايَةَ تُناقِضُها القِراءَةُ المَنسُوبَةُ إلى عَلِيٍّ، فَجَعَلَ القِراءَةَ مُسَلَّمَةً وتَرَدَّدَ في صِحَّةِ الحِكايَةِ، وعَنِ ابْنِ جِنِّي: أنَّ الحِكايَةَ رَواها أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، قالَ ابْنُ جِنِّي: وهَذا عِنْدِي مُسْتَقِيمٌ لِأنَّهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ؛ أيْ والَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ أعْمارَهم أوْ آجالَهم، وحَذْفُ المَفْعُولِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفَصِيحِ الكَلامِ وقالَ التَّفْتازانِيُّ: لَيْسَ المُرادَ أنَّ لِلْمُتَوَفّى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الإماتَةُ، وثانِيهُما الِاسْتِيفاءُ وأخْذُ الحَقِّ، بَلْ مَعْناهُ الِاسْتِيفاءُ وأخْذُ الحَقِّ لا غَيْرُ، لَكِنَّ عِنْدَ الِاسْتِعْمالِ قَدْ يُقَدَّرُ مَفْعُولُهُ النَّفْسَ فَيَكُونُ الفاعِلُ هو اللَّهَ تَعالى أوِ المَلِكَ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ، وقَدْ يُقَدَّرُ مُدَّةَ العُمْرِ فَيَكُونُ الفاعِلُ هو المَيِّتَ لِأنَّهُ الَّذِي اسْتَوْفى مُدَّةَ عُمْرِهِ، وهَذا مِنَ المَعانِي الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَتَنَبَّهُ لَها إلّا البُلَغاءُ، فَحِينَ عَرَفَ عَلِيٌّ مِنَ السّائِلِ عَدَمَ تَنَبُّهِهِ لِذَلِكَ لَمْ يَحْمِلْ كَلامُهُ عَلَيْهِ.

You read 2:232–234 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:232