All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Az-Zumar 39:52 Juzʾ 24 Page 464

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Do they not know that Allah extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزمر: ٤٩] فَبَعْدَ أنْ وصَفَ أكْثَرَهم بِانْتِفاءِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وإهْمالِهِمُ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ المُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ وصَمِّهِمْ آذانَهم عَنِ الآياتِ الَّتِي تُذَكِّرُهم بِذَلِكَ حَتّى بَقُوا في جَهالَةٍ مُرَكَّبَةٍ وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، أيْ يُعْطِي الخَيْرَ مَن يَشاءُ، ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ.

فالِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في انْتِفاءِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ لِأنَّهم تَسَبَّبُوا في انْتِفاءِ العِلْمِ، فالإنْكارُ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخًا.

واقْتَصَرَ في الإنْكارِ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ العِلْمِ بِأنْ بَسْطَ الرِّزْقِ وقَدْرَهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ

صفحة ٣٩
تَعالى لِأنَّهُ أدْنى لِمُشاهَدَتِهِمْ أحْوالَ قَوْمِهِمْ فَكَمْ مِن كادٍّ غَيْرِ مَرْزُوقٍ وكَمْ مِن آخَرَ يَجِيئُهُ الرِّزْقُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
وجَعَلَ في ذَلِكَ آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الرِّزْقِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ التَّصَرُّفَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُنْبِئُ عَنْ بَقِيَّةِ الأحْوالِ فَتَحْصُلُ في ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في نَفْسِ الأمْرِ.

وجُعِلَتِ الآياتُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ وتَخَلَّقُوا بِهِ ولَمْ تَكُنْ فِيهِ آياتٌ لِلْمُشْرِكِينَ الغافِلِينَ عَنْهُ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allah. Indeed, Allah forgives all sins. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

أطْنَبَتْ آياتُ الوَعِيدِ بِأفْنانِها السّابِقَةِ إطْنابًا يَبْلُغُ مِن نُفُوسِ سامِعِيها أيَّ مَبْلَغٍ مِنَ الرُّعْبِ والخَوْفِ، عَلى رَغْمِ تَظاهُرِهِمْ بِقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِها. وقَدْ يَبْلُغُ بِهِمْ وقْعُها مَبْلَغَ اليَأْسِ مِن سَعْيٍ يُنْجِيهِمْ مِن وعِيدِها، فَأعْقَبَها اللَّهُ بِبَعْثِ الرَّجاءِ في نُفُوسِهِمْ لِلْخُرُوجِ إلى ساحِلِ النَّجاةِ إذا أرادُوها عَلى عادَةِ هَذا الكِتابِ المَجِيدِ مِن مُداواةِ النُّفُوسِ بِمَزِيجِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ الزَّواجِرَ السّابِقَةَ تُثِيرُ في نُفُوسِ المُواجِهِينَ بِها خاطَرَ التَّساؤُلِ عَنْ مَسالِكِ النَّجاةِ فَتَتَلاحَمُ فِيها الخَواطِرُ المَلَكِيَّةُ والخَواطِرُ الشَّيْطانِيَّةُ إلى أنْ يُرْسِيَ التَّلاحُمُ عَلى انْتِصارِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، فَكانَ في إنارَةِ السَّبِيلِ لَها ما يُسَهِّلُ خَطْوَ الحائِرِينَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ، ويَرْتَفِقُ بِها ويُواسِيها بَعْدَ أنْ أثْخَنَتْها جُرُوحُ التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ والوَعِيدِ، ويُضَمِّدُ تِلْكَ الجِراحَةَ، والحَلِيمُ يَزْجُرُ ويَلِينُ، وتُثِيرُ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ خَشْيَةَ أنْ يُحِيطَ غَضَبُ اللَّهِ بِالَّذِينِ دَعاهم إلَيْهِ فَأعْرَضُوا، أوْ حَبَّبَهم في الحَقِّ فَأبْغَضُوا، فَلَعَلَّهُ لا يَفْتَحُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ، ولا تُقْبَلُ مِنهم بَعْدَ إعْراضِهِمْ أوْبَةٌ، ولا سِيَّما بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِتَفْوِيضِ الأمْرِ إلى حُكْمِهِ،

صفحة ٤٠
المُشْتَمِّ مِنهُ تَرَقُّبُ قَطْعِ الجِدالِ وفَصْمِهُ، فَكانَ أمْرُهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنْ يُنادِيَهم بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ تَنْفِيسًا عَلَيْهِ، وتَفْتِيحًا لِبابِ الأوْبَةِ إلَيْهِ، فَهَذا كَلامٌ يَنْحَلُّ إلى اسْتِئْنافَيْنِ فَجُمْلَةُ (قُلْ) اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما تَرَقَبَّهُ أفْضَلُ النَّبِيئِينَ ﷺ أيْ بَلِّغْ عَنِّي هَذا القَوْلَ.
وجُمْلَةُ (يا عِبادِي) اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مِن خِطابِ اللَّهِ لَهم.

وابْتِداءُ الخِطابِ بِالنِّداءِ وعُنْوانِ العِبادِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ما بَعْدَهُ إعْدادٌ لِلْقَبُولِ وإطْماعٌ في النَّجاةِ.

والخِطابُ بِعُنْوانِ (عِبادِي) مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ ابْتِداءً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزمر: ٥٤]) وقَوْلُهُ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزمر: ٥٦]) وقَوْلُهُ (‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزمر: ٥٩]) . فَهَذا الخِطابُ جَرى عَلى غَيْرِ الغالِبِ في مِثْلِهِ في عادَةِ القُرْآنِ عِنْدَ ذِكْرِ (عِبادِي) بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ تَعالى.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا قَدْ قَتَلُوا وأكْثَرُوا، وزَنَوْا وأكْثَرُوا، فَأتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةٌ يَعْنِي وقَدْ سَمِعُوا آياتِ الوَعِيدِ لِمَن يَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمُوا أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ جَرائِمٌ وهم في جاهِلِيَّةٍ فَنَزَلَ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٦٨] يَعْنِي إلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفرقان: ٧٠] ونَزَلَ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ»﴾ .

وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثٌ عِدَّةٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ حَدِيثِ البُخارِيِّ وهي بَيْنَ ضَعِيفٍ ومَجْهُولٍ ويُسْتَخْلَصُ مِن مَجْمُوعِها أنَّها جُزَيْئاتٌ لِعُمُومِ الآيَةِ وأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِخِطابِ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ وقَدْ أشَرْنا إلَيْها في دِيباجَةِ تَفْسِيرِ السُّورَةِ.

ومِن أجْمَلِ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ فِيها ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قالَ لَمّا اجْتَمَعْنا عَلى الهِجْرَةِ اتَّعَدْتُ أنا وهِشامُ بْنُ العاصِ السَّهْمِيُّ

صفحة ٤١
وعَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ. فَقُلْنا: المَوْعِدُ أضاةُ بَنِي غِفارٍ، وقُلْنا: مَن تَأخَّرَ مِنّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحِباهُ. فَأصْبَحْتُ أنا وعَيّاشُ بْنُ عُتْبَةَ وحُبِسَ عَنّا هِشامٌ وإذا هو قَدْ فُتِنَ فافْتَتَنَ فَكُنّا نَقُولُ بِالمَدِينَةِ: هَؤُلاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ ثُمَّ افْتَتَنُوا لِبَلاءٍ لَحِقَهم لا نَرى لَهم تَوْبَةً. وكانُوا هم يَقُولُونَ هَذا في أنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزمر: ٣٢] قالَ عُمَرُ فَكَتَبْتُها بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُها إلى هِشامٍ. قالَ هِشامٌ: فَلَمّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِها إلى ذِي طَوى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيها فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ. فَقَوْلُ عُمَرَ (فَأنْزَلَ اللَّهُ) يُرِيدُ أنَّهُ سَمِعَهُ بَعْدَ أنْ هاجَرَ وأنَّهُ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَلَمْ يَسْمَعْهُ عُمَرُ إذْ كانَ في شاغِلِ تَهْيِئَةِ الهِجْرَةِ فَما سَمِعَها إلّا وهو بِالمَدِينَةِ فَإنَّ عُمَرَ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ قَبْلَ النَّبِيءِ ﷺ .
فالخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ تَمْهِيدٌ بِإجْمالٍ يَأْتِي بَيانُهُ في الآياتِ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الزمر: ٥٤]، وبَعْدَ هَذا فَعُمُومُ (عِبادِيَ) وعُمُومُ صِلَةِ (الَّذِينَ أسْرَفُوا) يَشْمَلُ أهْلَ المَعاصِي مِنَ المُسْلِمِينَ وإنْ كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الخِطابِ المُشْرِكِينَ عَلى عادَةِ الكَلامِ البَلِيغِ مِن كَثْرَةِ المَقاصِدِ والمَعانِي الَّتِي تُفَرَّغُ في قَوالِبٍ تَسَعُها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِإسْكانِ الياءِ. ولَعَلَّ وجْهَ ثُبُوتِ الياءِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ نَظِيرِها وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠]، أنَّ الخِطابَ هُنا لِلَّذِينَ أسْرَفُوا وفي مُقَدِّمَتِهِمُ المُشْرِكُونَ وكُلُّهم مَظِنَّةُ تَطَرُّقِ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إلى نُفُوسِهِمْ، فَكانَ إثْباتُ (يا) المُتَكَلِّمِ في خِطابِهِمْ زِيادَةَ تَصْرِيحٍ بِعَلامَةِ التَّكَلُّمِ تَقْوِيَةً لِنِسْبَةِ عُبُودِيَّتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى إيماءً إلى أنَّ شَأْنَ الرَّبِّ الرَّحْمَةُ بِعِبادِهِ.

والإسْرافُ: الإكْثارُ. والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ في الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الإسْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ٣٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.

والأكْثَرُ أنْ يُعَدّى إلى مُتَعَلِّقِهِ بِحَرْفِ (مِن)، وتَعْدِيَتُهُ هُنا بِ (عَلى) لِأنَّ

صفحة ٤٢
الإكْثارَ هُنا مِن أعْمالٍ تَتَحَمَّلُها النَّفْسُ وتَثْقُلُ بِها وذَلِكَ مُتَعارَفٌ في التَّبِعاتِ والعُدْوانِ تَقُولُ: أكْثَرْتُ عَلى فُلانٍ، فَمَعْنى (‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏): أنَّهم جَلَبُوا لِأنْفُسِهِمْ ما تُثْقِلُهم تَبِعَتُهُ لِيَشْمَلَ ما اقْتَرَفُوهُ مِن شِرْكٍ وسَيِّئاتٍ.
والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجر: ٥٥] في سُورَةِ الحِجْرِ.

وجُمْلَةُ (‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

ومادَّةُ الغَفْرِ تَرْجِعُ إلى السَّتْرِ، وهو يَقْتَضِي وُجُودَ المَسْتُورِ واحْتِياجَهُ لِلسَّتْرِ فَدَلَّ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) عَلى أنَّ الذُّنُوبَ ثابِتَةٌ، أيِ المُؤاخَذَةُ بِها ثابِتَةٌ واللَّهُ يَغْفِرُها، أيْ يُزِيلُ المُؤاخَذَةَ بِها، وهَذِهِ المَغْفِرَةُ تَقْتَضِي أسْبابًا أُجْمِلَتْ هُنا وفُصِّلَتْ في دَلائِلَ أُخْرى مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [طه: ٨٢]، وتِلْكَ الدَّلائِلُ يَجْمَعُها أنَّ لِلْغُفْرانِ أسْبابًا تَطْرَأُ عَلى المُذْنِبِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ بِالذُّنُوبِ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ الحَكِيمُ تَعالى، كَيْفَ وقَدْ سَمّاها ذُنُوبًا وتَوَعَّدَ عَلَيْها فَكانَ قَوْلُهُ (‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) دَعْوَةً إلى تَطَلُّبِ أسْبابِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ فَإذا طَلَبَها المُذْنِبُ عَرَفَ تَفْصِيلَها.

و(جَمِيعًا) حالٌ مِنَ (الذُّنُوبِ)، أيْ حالُ جَمِيعِها، أيْ عُمُومُها، فَيَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ مِنها إنْ حَصَلَتْ مِنَ المُذْنِبِ أسْبابُ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ (جَمِيعٍ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزمر: ٦٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ (‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) أيْ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَغْفِرَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ ما بَلَغَ جَمِيعُها مِنَ الكَثْرَةِ لِأنَّهُ شَدِيدُ الغُفْرانِ شَدِيدُ الرَّحْمَةِ.

فَبَطَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ المُرْجِئَةِ أنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ شَيْءٌ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

صفحة ٤٣
‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .
لَمّا فَتَحَ لَهم بابَ الرَّجاءِ أعْقَبَهُ بِالإرْشادِ إلى وسِيلَةِ المَغْفِرَةِ مَعْطُوفًا بِالواوِ ولِلدَّلالَةِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ وبَيْنَ الإنابَةِ جَمْعًا يَقْتَضِي المُبادَرَةَ، وهي أيْضًا مُقْتَضى صِيغَةِ الأمْرِ.

والإنابَةُ: التَّوْبَةُ ولِما فِيها وفي التَّوْبَةِ مِن مَعْنى الرُّجُوعِ عُدِّيَ الفِعْلانِ بِحَرْفِ (إلى) .

والمَعْنى: تُوبُوا إلى اللَّهِ مِمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ بِأنْ تُوَحِّدُوهُ.

وعُطِفَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالإسْلامِ، أيِ التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيءِ ﷺ والقُرْآنِ واتِّباعِ شَرائِعِ الإسْلامِ.

وفِي قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إيذانٌ بِوَعِيدٍ قَرِيبٍ إنْ لَمْ يُنِيبُوا ويُسْلِمُوا كَما يُلْمِحُ إلَيْهِ فِعْلُ (يَأْتِيَكم) .

والتَّعْرِيفُ في العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهم إنْ لَمْ يُنِيبُوا ويُسْلِمُوا يَأْتِهِمُ العَذابُ.

والعَذابُ مِنهُ ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا إنْ شاءَهُ اللَّهُ وهَذا خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا المُسْلِمُونَ فَقَدِ اسْتَعاذَ لَهم مِنهُ الرَّسُولُ ﷺ حِينَ نَزَلَ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٦٥] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، ومِنَ العَذابِ عَذابُ الآخِرَةِ وهو جَزاءُ الكُفْرِ والكَبائِرِ.

وهَذا الخِطابُ يَأْخُذُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُ بِنَصِيبٍ، فَنَصِيبُ المُشْرِكِينَ الإنابَةُ إلى التَّوْحِيدِ واتِّباعُ دِينِ الإسْلامِ، ونَصِيبُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ التَّوْبَةُ إذا أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ والإكْثارُ مِنَ الحَسَناتِ وأمّا الإسْلامُ فَحاصِلٌ لَهم.

والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى الغَلَبَةِ بِحَيْثُ يَنْفَلِتُ المَغْلُوبُ مِن غَلَبَةِ قاهِرِهِ كُرْهًا عَلى القاهِرِ ولا نَصِيرَ لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ.

صفحة ٤٤
وأمّا الشَّفاعَةُ لِأهْلِ الكَبائِرِ فَلَيْسَتْ مِن حَقِيقَةِ النَّصْرِ المَنفِيِّ وهَذِهِ الفِقْرَةُ أكْثَرُ حَظٍّ فِيها هو حَظُّ المُشْرِكِينَ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And follow the best of what was revealed to you from your Lord before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Lest a soul should say, "Oh [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allah and that I was among the mockers."

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

You read 39:52–56 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Az-Zumar 39:52