All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Mulk 67:16 Juzʾ 29 Page 563

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Do you feel secure that He who [holds authority] in the heaven would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

صفحة ٣٣
‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ انْتِقالٌ مِنَ الاسْتِدْلالِ إلى التَّخْوِيفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ خالِقُ الأرْضِ ومُذَلِّلُها لِلنّاسِ وتَقَرَّرَ أنَّهم ما رَعَوْا خالِقَها حَقَّ رِعايَتِهِ فَقَدِ اسْتَحَقُّوا غَضَبَهُ وتَسْلِيطَ عِقابِهِ بِأنْ يُصَيِّرَ مَشْيِهِمْ في مَناكِبِ الأرْضِ إلى تَجَلْجُلٍ في طَبَقاتِ الأرْضِ. فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ والاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ.
و(مَن) اسْمٌ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ صادِقٌ عَلى مَوْجُودٍ ذِي إدْراكٍ كائِنٍ في السَّماءِ. وظاهِرُ وُقُوعِ هَذا المَوْصُولِ عَقِبَ جُمَلِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ١٥] إلى قَوْلِهِ (‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الملك: ١٥]) أنَّ الإتْيانَ بِالمَوْصُولِ مِن قَبِيلِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ أأمِنتُمُوهُ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ؛ فَيَتَأتّى أنَّ الإتْيانَ بِالمَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن عَظِيمِ تَصَرُّفِهِ في العالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ القُوى والعَناصِرَ وعَجائِبَ الكائِناتِ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ في المَوْضِعَيْنِ مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ الَّذِي يُعْطِي ظاهِرُهُ مَعْنى الحُلُولِ في مَكانٍ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ، ويَجِيءُ فِيهِ ما في أمْثالِهِ مِن طَرِيقَتَيِ التَّفْوِيضِ لِلسَّلَفِ والتَّأْوِيلِ لِلْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

وقَدْ أوَّلُوهُ بِمَعْنى: مَن في السَّماءِ عَذابُهُ أوْ قُدْرَتُهُ أوْ سُلْطانُهُ عَلى نَحْوِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وأمْثالِهِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِالسَّماءِ؛ لِأنَّ إثْباتَهُ لِلَّهِ تَعالى يَنْفِيهِ عَنْ أصْنامِهِمْ.

ولَكِنَّ هَذا المَوْصُولَ غَيْرُ مَكِينٍ في بابِ المُتَشابِهِ؛ لِأنَّهُ مُجْمَلٌ قابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِما يَحْتَمِلُهُ (مَن) أنْ يَكُونَ ماصْدَقُهُ مَخْلُوقاتٍ ذاتَ إدْراكٍ مَقَرُّها السَّماءُ وهي المَلائِكَةُ فَيَصِحُّ أنْ تَصْدُقَ (مَن) عَلى طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ في السَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِاسْمِ المَوْصُولِ مَلَكٌ واحِدٌ مُعَيَّنٌ وظِيفَتُهُ فِعْلُ هَذا الخَسْفِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَذابِ.

وإسْنادُ فِعْلِ (يَخْسِفَ) إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى واحِدٍ مِنهم حَقِيقَةٌ لِأنَّهُ

صفحة ٣٤
فاعِلُ الخَسْفِ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ المَلائِكَةِ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُوا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] إلى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٣٤] .
وإفْرادُ ضَمِيرِ يَخْسِفَ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) إذا أُرِيدَ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مُراعاةٌ لِلَّفْظِ والمَعْنى إذا كانَ ماصَدَقَ (مَن) مَلَكًا واحِدًا.

والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ رَبَّهم كَأنَّهم آمِنُونَ مِن أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ مَلائِكَتَهُ بِأنْ يَخْسِفُوا الأرْضَ بِالمُشْرِكِينَ.

والخَسْفُ: انْقِلابُ ظاهِرِ السَّطْحِ مِن بَعْضِ الأرْضِ باطِنًا وباطِنُهُ ظاهِرًا وهو شِدَّةُ الزِّلْزالِ.

وفِعْلُ خَسَفَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا وهو مِن بابِ ضَرَبَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [النحل: ٤٥] سُورَةِ النَّحْلِ.

والباءُ في قَوْلِهِ (بِكُمُ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ يَخْسِفُ الأرْضَ مُصاحِبَةً لِذَواتِكم. وفي الجَمْعِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.

والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ‏‏ ‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ الخَسْفَ مِن شَأْنِ مَن في السَّماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو مُطَّرِدٌ مَعَ (أنْ)، والخافِضُ المَحْذُوفُ حَرْفُ (مِن) .

وفُرِّعَ عَلى الخَسْفِ المُتَوَقَّعِ المُهَدَّدِ بِهِ أنْ تَمُورَ الأرْضُ تَفْرِيعَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ؛ لِأنَّ الخَسْفَ يُحْدِثُ المَوْرَ، فَإذا خُسِفَتِ الأرْضُ فاجَأها المَوْرُ لا مَحالَةَ، لَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ جَرى عَلى ما يُناسِبُ جَعْلَ التَّهْدِيدِ بِمَنزِلَةِ حادِثٍ وقَعَ فَلِذَلِكَ جِيءَ بَعْدَهُ بِالحَرْفِ الدّالِّ عَلى المُفاجَأةِ؛ لِأنَّ حَقَّ المُفاجَأةِ أنْ تَكُونَ حاصِلَةً زَمَنَ الحالِ لا الاسْتِقْبالِ كَما في مُغْنِيِ اللَّبِيبِ فَإذا أُرِيدَ تَحْقِيقُ حُصُولِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الواقِعِ في الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الروم: ٢٥]، وإذا أُرِيدَ اسْتِحْضارُ حالَةَ فِعْلٍ حَصَلَ فِيما مَضى نُزِّلَ كَذَلِكَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ في الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يونس: ٢١] فَكانَ قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ مُؤْذِنًا بِتَشْبِيهِ حالَةِ الخَسْفِ المُتَوَقَّعِ المُهَدَّدِ بِهِ بِحالَةِ خَسْفٍ حَصَلَ بِجامِعِ التَّحَقُّقِ كَما قالُوا في التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ

صفحة ٣٥
الماضِي، وحُذِفَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها ورُمِزَ إلَيْهِ بِما هو مِن آثارِهِ ويَتَفَرَّعُ عَنْهُ فَكانَ في الكَلامِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ.
والمَوْرُ: الارْتِجاجُ والاضْطِرابُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الطور: ٩] في سُورَةِ الطُّورِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Mulk 67:16