All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Mulk 67:17 Juzʾ 29 Page 563

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Or do you feel secure that He who [holds authority] in the heaven would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أمْ لْإضْرابِ الانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، وهو انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ إلى آخَرَ مِثْلِهِ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الأثَرَيْنِ الصّادِرَيْنِ عَنْ مَفْعُولِ الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اخْتِلافًا يُوجِبُ تَفاوُتًا بَيْنَ كُنْهَيِ الفِعْلَيْنِ وإنْ كانا مُتَّحِدَيْنِ في الغايَةِ، فالاسْتِفْهامُ الأوَّلُ إنْكارٌ عَلى أمْنِهِمُ الَّذِي في السَّماءِ مِن أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا أرْضِيًّا.

والاسْتِفْهامُ الواقِعُ مِن أمْ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْمَنُواْ مِن أنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ حاصِبٌ، وذَلِكَ أمْكَنُ لِمَن في السَّماءِ وأشَدُّ وقْعًا عَلى أهْلِ الأرْضِ. والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الملك: ١٦] تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَها ما يُغْنِي عَنْهُ.

وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى الاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَتَفْرِيعِ جُمْلَةِ فَإذا هي تَمُورُ أيْ فَحِينَ يُخْسَفُ بِكم أوْ يُرْسَلُ عَلَيْهِمْ حاصِبٌ تَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِي، وحَرْفُ التَّنْفِيسِ حَقُّهُ الدُّخُولُ عَلى الأخْبارِ الَّتِي سَتَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وإرْسالُ الحاصِبِ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِحُصُولِهِ وإلّا لَما تَخَلَّفَ لِأنَّ خَبَرَ اللَّهِ لا يَتَخَلَّفُ، وإنَّما هو تَهْدِيدٌ وتَحْذِيرٌ فَإنَّهم رُبَّما آمَنُواْ وأقْلَعُواْ فَسَلِمُواْ مِن إرْسالِ الحاصِبِ عَلَيْهِمْ ولَكِنْ لَمّا أُرِيدَ تَحْقِيقُ هَذا التَّهْدِيدِ شُبِّهَ بِالأمْرِ الَّذِي وقَعَ فَكانَ تَفْرِيعُ صِيغَةِ الإخْبارِ عَلى هَذا مُؤْذِنًا بِتَشْبِيهِ المُهَدَّدِ بِهِ بِالأمْرِ الواقِعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ، وجُمْلَةُ فَسَتَعْلَمُونَ قَرِينَتُها؛ لِأنَّها مِن رَوادِفَ المُشَبَّهِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ.

و‏‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِفْهامٌ مُعَلِّقٌ فِعْلَ (تَعْلَمُونَ) عَنِ العَمَلِ، وهو اسْتِفْهامٌ لِلتَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

صفحة ٣٦
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (نَذِيرِي) تَخْفِيفًا ولِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ.
والنَّذِيرُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ مِثْلُ النَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ.

وقَدَّمَ التَّهْدِيدَ بِالخَسْفِ عَلى التَّهْدِيدِ بِالحاصِبِ لِأنَّ الخَسْفَ مِن أحْوالِ الأرْضِ، والكَلامُ عَلى أحْوالِها أقْرَبُ هُنا فَسَلَكَ شِبْهِ طَرِيقِ النَّشْرِ المَعْكُوسِ؛ ولِأنَّ إرْسالَ الحاصِبِ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي مِنها رِزْقُهم في الأرْضِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الملك: ١٥] فَإنَّ مَنشَأ الأرْزاقِ الأرْضِيَّةِ مِن غُيُوثِ السَّماءِ قالَ تَعالى ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] .

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ بَعْدَ أنْ وجَّهَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الخِطابَ تَذْكِيرًا واسْتِدْلالًا وامْتِنانًا وتَهْدِيدًا وتَهْوِيلًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ١٣] التَفَتَ عَنْ خِطابِهِمْ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالَةِ الغَيْبَةِ، تَعْرِيضًا بِالغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِما أتَوْهُ مِن كُلِّ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ، فَكانُوا جَدِيرِينَ بِإبْعادِهِمْ عِزَّ الحُضُورِ لِلْخِطابِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ولَمْ يَقْطَعْ تَوْجِيهِ التَّذْكِيرِ إلَيْهِمْ والوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَدَبَّرُونَ في أنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَّخِرْهم نُصْحًا.

فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الملك: ١٧] لِمُناسَبَةٍ أنَّ مِمّا عُوقِبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن خَسْفٍ أوْ إرْسالِ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ وهم قَوْمُ لُوطٍ، ومِنهم مَن خُسِفَ بِهِمْ مِثْلُ أصْحابِ الرَّسِّ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ، أيْ كَيْفَ تَأْمَنُونَ ذَلِكَ عِنْدَما تُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ في حالِ أنَّهُ قَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم فَهَلْ عَلِمْتُمْ ما أصابَهم عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلِ.

ضَرَبَ اللَّهُ لَهم مَثَلًا بِأُمَمٍ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَأصابَهم مِنَ الاسْتِئْصالِ ما قَدْ عَلِمُوا أخْبارَهُ لَعَلَّهم أنْ يَتَّعِظُوا بِقِياسِ التَّمْثِيلِ إنْ كانَتْ عُقُولُهم لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الانْتِفاعِ بِأقْيِسَةِ الاسْتِنْتاجِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ عَرِفُوا آثارَ عادٍ وثَمُودَ وتَناقَلُوا أخْبارَ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الرَّسِّ وفُرِّعَ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا وتَنْكِيرِيًّا وهو كِنايَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ وأنَّهُ وقَعَ في حالِ فَظاعَةٍ.

صفحة ٣٧
وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِاللّامِ و(قَدْ) لِتَنْزِيلِ المُعَرَّضِ بِهِمْ مَنزِلَةِ مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ عاقَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ لِغَيْرِ جُرْمٍ أوْ لِجُرْمٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ. فَهو مُفَرَّعٌ عَلى المُؤَكَّدِ، فالمَعْنى: لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَقَدْ كانَ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ.
ونَكِيرُ: أصْلُهُ نَكِيرِي بِالإضافَةِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ المَحْذُوفَةِ تَخْفِيفًا، كَما في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ١٧]، والمَعْنى: كَيْفَ رَأيْتُمْ أثَرَ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ نَكِيرِي عَلَيْكم صائِرٌ بِكم إلى مِثْلِ ما صارَ بِهِمْ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ.

والمُرادُ بِالنَّكِيرِ المُنْظَرُ بِنَكِيرِ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ما أفادَهُ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ١٦] وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الملك: ١٧] .

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ١٥] اسْتِرْسالًا في الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في المَوْجُوداتِ، وقَدِ انْتَقَلَ مِن دَلالَةِ أحْوالِ البَشَرِ وعالَمِهِمْ، إلى دَلالَةِ أعْجَبِ أحْوالِ العَجْماواتِ وهي أحْوالُ الطَّيْرِ في نِظامِ حَرَكاتِها في حالِ طَيَرانِها؛ إذْ لا تَمْشِي عَلى الأرْضِ كَما هو في حَرَكاتِ غَيْرِها عَلى الأرْضِ، فَحالُها أقْوى دَلالَةً عَلى عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ المُنْفَرِدِ بِهِ.

واشْتَمَلَ التَّذْكِيرُ بِعَجِيبِ خَلْقِةِ الطَّيْرَ في طَيَرانِها عَلى ضَرْبٍ مِنَ الإطْنابِ لِأنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ المُسْتَفادَةَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ تُصَوِّرُ صُورَةَ حَرَكاتِ الطَّيَرانِ لِلسّامِعِينَ فَتُنَبِّهُهم لِدَقائِقَ رُبَّما أغْفَلَهم عَنْ تَدْقِيقِ النَّظَرِ فِيها نَشْأتُهم بَيْنَها مِن وقْتِ ذُهُولِ الإدْراكِ في زَمَنِ الصِّبا، فَإنَّ المَرْءَ التُّونِسِيَّ أوِ المَغْرِبِيَّ مَثَلًا إذا سافَرَ إلى بِلادِ الهِنْدِ أوْ إلى بِلادِ السُّودانِ فَرَأى الفِيَلَةَ وهو مُكْتَمِلُ العَقْلِ دَقِيقُ التَّمْيِيزِ أدْرَكَ مِن دَقائِقِ خِلْقَةِ الفِيلِ ما لا يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الهِنْدِ النّاشِئِ بَيْنَ الفِيَلَةِ، وكَمْ غَفَلَ النّاسُ عَنْ دَقائِقَ في المَخْلُوقاتِ مِنَ الحَيَوانِ والجَمادِ ما لَوْ تَتَبَّعُوهُ لَتَجَلّى لَهم مِنها ما يَمْلَأُ وصْفُهُ الصُّحُفَ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ١٧] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ١٨] ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ١٩] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ٢٠]، وقالَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الذاريات: ٢١] .

صفحة ٣٨
وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ مَن شاهَدَ البَحْرَ وهو كَبِيرٌ، ولَمْ يَكُنْ شاهَدَهُ مِن قَبْلُ، كَيْفَ امْتَلَكَهُ مِنَ العَجَبِ ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِمَّنْ ألِفُوهُ مِعْشارَهُ.
وهَذا الإطْنابُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُخالِفٌ لِما في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ النَّحْلِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [النحل: ٧٩] . وذَلِكَ بِحَسَبِ مااقْتَضاهُ اخْتِلافُ المَقامَيْنِ فَسُورَةُ النَّحْلِ رابِعَةٌ قَبْلَ سُورَةِ المُلْكِ، فَلَمّا أوْقَظَتْ عُقُولَهم فِيها لِلنَّظَرِ إلى ما في خِلْقَةِ الطَّيْرِ مِنَ الدَّلائِلِ فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا وسُلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَسْلَكُ الإطْنابِ بِزِيادَةِ ذِكْرِ أوْصافٍ ثَلاثَةٍ: فالوَصْفُ الأوَّلُ: ما أفادَهُ قَوْلُهُ فَوْقَهم فَإنَّ جَمِيعَ الدَّوابِّ تَمْشِي عَلى الأرْضِ والطَّيْرَ كَذَلِكَ، فَإذا طارَ الطّائِرُ انْتَقَلَ إلى حالَةٍ عَجِيبَةٍ مُخالِفَةٍ لِبَقِيَّةِ المَخْلُوقاتِ وهي السَّيْرُ في الجَوِّ بِواسِطَةِ تَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وذَلِكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا طائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ لِقَصْدِ تَصْوِيرِ تِلْكَ الحالَةِ.

والوَصْفُ الثّانِي: صافّاتٍ وهو وصْفٌ بِوَزْنِ اسْمِ الفاعِلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفِّ، وهو كَوْنُ أشْياءَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَقارِبَةِ الأمْكِنَةِ وبِاسْتِواءَ، وهو قاصِرٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: صَفُّوا بِمَعْنى اصْطَفُّوا كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المَلائِكَةِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وقالَ تَعالى في البُدْنِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحج: ٣٦] . ويُقالُ: صَفَّهم إذا جَعَلَهم مُسْتَوِينَ في المَوْقِفِ، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في الجَنائِزِ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ مَنبُوذٍ إلى قَوْلِهِ فَصَفَّنا خَلْفَهُ وكَبَّرَ.

والمُرادُ هُنا أنَّ الطَّيْرَ صافَّةٌ أجْنِحَتِها فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِعِلْمِهِ مِنَ الوَصْفِ الجارِي عَلى الطَّيْرِ إذْ لا تُجْعَلُ الطَّيْرُ أشْياءَ مَصْفُوفَةً إلّا رِيشَ أجْنِحَتِها عِنْدَ الطَّيَرانِ فالطّائِرُ إذا طارَ بَسَطَ جَناحَيْهِ، أيْ مَدَّها فَصَفَّ رِيشَ الجَناحِ فَإذا تَمَدَّدَ الجَناحُ ظَهَرَ رِيشُهُ مُصْطَفًّا فَكانَ ذَلِكَ الاصْطِفافُ مِن أثَرِ فِعْلِ الطَّيْرِ فَوُصِفَتْ بِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] في سُورَةِ النُّورِ. وبَسْطُ الجَناحَيْنِ يُمَكِّنُ الطّائِرَ مِنَ الطَّيَرانِ فَهو كَمَدِ اليَدَيْنِ لِلسّابِحِ في الماءِ.

الوَصْفُ الثّالِثُ: ويَقْبِضْنَ وهو عَطْفٌ عَلى صافّاتٍ مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الاسْمِ الشَّبِيهِ بِالفِعْلِ في الاشْتِقاقِ وإفادَةُ الاتِّصافِ بِحُدُوثِ المَصْدَرِ في فاعِلِهِ، فَلَمْ يَفُتْ بِعَطْفِهِ تَماثُلُ المَعْطُوفَيْنِ في الاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ الَّذِي هو مِن مُحَسِّناتِ الوَصْلِ.

صفحة ٣٩
والقَبْضُ: ضِدُّ البَسْطِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ضِدُّ الصَّفِّ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، إذْ كانَ ذَلِكَ الصَّفُّ صادِقًا عَلى مَعْنى البَسْطِ ومَفْعُولُهُ المَحْذُوفُ هُنا هو عَيْنُ المَحْذُوفِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ قابِضاتِ أجْنِحَتِهِنَّ حِينَ يُدْنِينَها مِن جُنُوبِهِنَّ لِلْازْدِيادِ مِن تَحْرِيكِ الهَواءِ لِلْاسْتِمْرارِ في الطَّيَرانِ.
وأُوثِرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في يَقْبِضْنَ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ وهي حالَةُ عَكْسِ بَسْطِ الجَناحَيْنِ إذْ بِذَلِكَ العَكْسِ يَزْدادُ الطَّيَرانُ قُوَّةً امْتِدادَ زَمانٍ.

وجِيءَ في وصْفِ الطَّيْرِ بِ (صافّاتٍ) بِصِيغَةِ الاسْمِ لِأنَّ الصَّفَّ هو أكْثَرُ أحْوالِها عِنْدَ الطَّيَرانِ فَناسَبَهُ الاسْمُ الدّالُّ عَلى الثَّباتِ، وجِيءَ في وصْفِهِنَّ بِالقَبْضِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ ويُجَدِّدْنَ قَبْضَ أجْنِحَتِهِنَّ في خِلالِ الطَّيَرانِ لِلْاسْتِعانَةِ بِقَبْضِ الأجْنِحَةِ عَلى زِيادَةِ التَّحَرُّكِ عِنْدَما يَحْسُسْنَ بِتَغَلُّبِ جاذِبِيَّةِ الأرْضِ عَلى حَرَكاتِ الطَّيَرانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في الجِبالِ والطَّيْرِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ [ص: ١٨] ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] لِأنَّ التَّسْبِيحَ في وقْتَيْنِ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ دَوْمًا.

وانْتَصَبَ فَوْقَهم عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ وكَذَلِكَ انْتَصَبَ صافّاتٍ.

وجُمْلَةُ ويَقْبِضْنَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ لِعَطْفِها عَلى الوَصْفِ الَّذِي هو حالٌ فالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ مُضَمِّنَةٌ مَعْنى النَّظَرِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَتْ إلى المَرْئِيِّ بِ (إلى) .

والاسْتِفْهامُ في أوَلَمْ يَرَوْا إنْكارِيٌّ، نَزَلُواْ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَ هاتِهِ الأحْوالَ في الطَّيْرِ لِأنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُواْ بِها ولَمْ يَهْتَدُواْ إلى دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ خالِقِها بِالإُلُهِيَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ وما فِيها مِنِ اسْتِفْهامٍ إنْكارٍ، أيْ كانَ حَقُّهم أنْ يَعْلَمُواْ أنَّهُنَّ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إذْ لا مُمْسِكَ لَها تَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الحج: ٦٥] .

وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ الَّذِي أمْسَكَ الطَّيْرَ عَنِ الهُوِيِّ المُفْضِي إلى الهَلاكِ هو الَّذِي أهْلَكَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ فَلَوْ لَمْ يُشْرِكُواْ بِهِ ولَوِ اسْتَعْصَمُواْ بِطاعَتِهِ لَأنْجاهم مِنَ الهَلاكِ كَما أنْجى الطَّيْرَ مِنَ الهُوِيِّ.

ومَعْنى إمْساكِ اللَّهِ إيّاها: حِفْظُها مِنَ السُّقُوطِ عَلى الأرْضِ بِما أوْدَعَ في خِلْقَتِها

صفحة ٤٠
مِنَ الخَصائِصِ في خِفَّةِ عِظامِها وقُوَّةِ حَرَكَةِ الجَوانِحِ وما جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ القَوادِمِ، وهي رِيشاتٌ عَشْرٌ هي مَقادِيمُ رِيشِ الجَناحِ، وفي الخَوافِي وهي ما دُونَها مِنَ الجَناحِ إلى مُنْتَهى رِيشِهِ، وما خَلَقَهُ مِن شَكْلِ أجْسادِها المُعِينِ عَلى نُفُوذِها في الهَواءِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ إيّاها مانِعًا لَها مِنَ السُّقُوطِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَعالِيقَ يُعَلِّقُها بِها أحَدٌ كَما يُعَلِّقُ المُشَعْوِذُ بَعْضَ الصُّوَرِ بِخُيُوطٍ دَقِيقَةٍ لا تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ.
وإيثارُ اسْمِ الرَّحْمَنِ هُنا دُونَ الاسْمِ العَلَمِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ النَّحْلِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [النحل: ٧٩] لَعَلَّهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا في خِطابِهِمْ بِطَرِيقَةِ الإطْنابِ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ الآيَةَ.

فَمِن جُمْلَةِ عِنادِهِمْ إنْكارُهُمُ اسْمَ الرَّحْمَنِ فَلَمّا لَمْ يَرْعَوَوْا عَمّا هم عَلَيْهِ ذُكِرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ السُّورَةِ أرْبَعُ مَرّاتٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ أيْ أمْسَكَهُنَّ الرَّحْمَنُ لِعُمُومِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ولا يُمْسِكُهُنَّ غَيْرُهُ لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ أوِ انْتِفائِهِ.

والبَصِيرُ: العَلِيمُ، مُشْتَقٌّ مِنَ البَصِيرَةِ، فَهو هُنا غَيْرُ الوَصْفِ الَّذِي هو مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى في نَحْوِ: السَّمِيعُ البَصِيرُ، وإنَّما هو هُنا مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِالأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [غافر: ٤٤]، فَهو خَبَرٌ لا وصْفٌ ولا مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الاسْمِ. وتَقْدِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِإفادَةِ القَصْرِ الإضافِيِّ وهو قَصْرُ قَلَبٍ رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ كالَّذِينَ قِيلَ لَهم ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ١٣] .

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Or who is it that could be an army for you to aid you other than the Most Merciful? The disbelievers are not but in delusion.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Or who is it that could provide for you if He withheld His provision? But they have persisted in insolence and aversion.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

You read 67:17–21 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Mulk 67:17