All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Nūḥ 71:24 Juzʾ 29 Page 571

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

And already they have misled many. And, [my Lord], do not increase the wrongdoers except in error."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [نوح: ٢٣]، أيْ: أضَلُّوا بِقَوْلِهِمْ هَذا وبِغَيْرِهِ مِن تَقالِيدِ الشِّرْكِ كَثِيرًا مِنَ الأُمَّةِ بِحَيْثُ ما آمَنَ مَعَ نُوحٍ إلّا قَلِيلٌ.

* * *
‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتِمَّةَ كَلامِ نُوحٍ مُتَّصِلَةً بِحِكايَةِ كَلامِهِ السّابِقِ، فَتَكُونُ الواوُ عاطِفَةَ جُزْءِ جُمْلَةٍ مَقُولَةٍ لِفِعْلِ (قالَ) عَلى جُزْئِها الَّذِي قَبْلَها عَطْفَ المَفاعِيلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ كَما تَقُولُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

قِفا نَبْكِ
. خَتَمَ نُوحٌ شَكْواهُ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ عَلى الضّالِّينَ - المُتَحَدَّثِ عَنْهم - بِأنْ يَزِيدَهُمُ اللَّهُ ضَلالًا.
ولا يُرِيبُكَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّ مَنعَ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ عَلى الإطْلاقِ غَيْرُ وجِيهٍ والقُرْآنُ طافِحٌ بِهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِحِكايَةِ كَلامِهِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [نوح: ٢١] بَلْ هو حِكايَةُ كَلامٍ آخَرَ لَهُ صَدْرٌ في مَوْقِفٍ آخَرَ فَتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةَ مَقُولَةِ قَوْلٍ عَلى جُمْلَةِ مَقُولَةِ قَوْلٍ آخَرَ، أيْ: نائِبَةٍ عَنْ فِعْلِ (قالَ) كَما تَقُولُ: قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

قِفا نَبْكِ، و:

ألا عِمْ صَباحًا أيُّها الطَّلَلُ البالِي
وقَدْ نَحا هَذا المَعْنى مَن يَأْبَوْنَ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.
والمُرادُ بِـ الظّالِمِينَ: قَوْمُهُ الَّذِينَ عَصَوْهُ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ التَّعْبِيرَ عَنْهم بِالضَّمِيرِ عائِدًا عَلى ”قَوْمِي“ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [نوح: ٥] فَعَدَلَ عَنْ

صفحة ٢١١
الإضْمارِ إلى الإظْهارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الظّالِمِينَ مِنِ اسْتِحْقاقِهِمِ الحِرْمانَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ لِظُلْمِهِمْ، أيْ: إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فالظُّلْمُ هُنا الشِّرْكُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [لقمان: ١٣] .
والضَّلالُ، مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرائِقِ المَكْرِ الَّذِي خَشِيَ نُوحٌ غائِلَتَهُ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [نوح: ٢٢]، أيْ: حُلْ بَيْنَنا وبَيْنَ مَكْرِهِمْ ولا تَزِدْهم إمْهالًا في طُغْيانِهِمْ عَلَيْنا إلّا أنْ تُضَلِّلَهم عَنْ وسائِلِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أوْ أرادَ إبْهامَ طُرُقِ النَّفْعِ عَلَيْهِمْ حَتّى تَنْكَسِرَ شَوْكَتُهم وتَلِينَ شَكِيمَتُهم نَظِيرَ قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يونس: ٨٨] .

ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالِ الضَّلالَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والتَّوْحِيدِ لِظُهُورِ أنَّهُ يُنافِي دَعْوَةَ نُوحٍ قَوْمَهُ إلى الِاسْتِغْفارِ والإيمانِ بِالبَعْثِ فَكَيْفَ يَسْألُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهم مِنهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ أُطْلِقَ عَلى العَذابِ المُسَبَّبِ عَنِ الضَّلالِ، أيْ: في عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ وهو عَذابُ الإهانَةِ والآلامِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً وهي مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنُوحٍ فَتَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً ويُقَدَّرُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ: وقُلْنا لا تَزِدِ الظّالِمِينَ. والمَعْنى: ولا تَزِدْ في دُعائِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَزِيدُهم إلّا ضَلالًا، فالزِّيادَةُ مِنهُ تَزِيدُهم كُفْرًا وعِنادًا. وبِهَذا يَبْقى الضَّلالُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَشْهُورِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، فَصِيغَةُ النَّهْيِ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّأْيِيسِ مِن نَفْعِ دَعْوَتِهِ إيّاهم. وأعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا أنَّهُ مُهْلِكُهم بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [نوح: ٢٥] الآيَةَ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [هود: ٣٦] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [هود: ٣٧] .

ألا تَرى أنَّ خِتامَ كِلْتا الآيَتَيْنِ مُتَّحِدُ المَعْنى مِن قَوْلِهِ هُنا أُغْرِقُوا وقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] .

The same ayah, in another commentary

Nūḥ 71:24