All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Mursalāt 77:30 Juzʾ 29 Page 581

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Proceed to a shadow [of smoke] having three columns

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المرسلات: ٢٩] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذا خِطابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ في يَوْمِ الحَشْرِ فَهو مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ بِالِانْطِلاقِ دُونَ وُجُودِ مُخاطَبٍ يُؤْمَرُ بِهِ الآنَ.

صفحة ٤٣٥
والضَّمِيرُ المُقَدَّرُ مَعَ القَوْلِ المَحْذُوفِ عائِدٌ إلى المُكَذِّبِينَ، أيْ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ.
والأمْرُ بِانْطِلاقِهِمْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْخِيرِ لِأنَّهم تَنْطَلِقُ بِهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ قَسْرًا.

وما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ هو جَهَنَّمُ وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما تَتَضَمَّنُهُ الصِّلَةُ مِنَ النِّداءِ عَلى خَطَئِهِمْ وضَلالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ عَبْدَةِ بْنِ الطَّبِيبِ:

إنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَـهُـمْ إخْـوانَـكُـمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
وجُمْلَةُ (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏) إلى آخِرِها، بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ مُطابِقٍ مِن جُمْلَةِ (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المرسلات: ٢٩]) .
وأُعِيدَ فِعْلُ (انْطَلِقُوا) عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ أوِ الإهانَةِ والدَّفْعِ، ولِأجْلِهِ أُعِيدَ فِعْلُ انْطَلِقُوا، وحَرْفُ (إلى) .

ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، فَإعادَةُ العامِلِ في البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ في مَقامِ التَّقْرِيعِ.

وأُرِيدَ بِالظِّلِّ دُخانُ جَهَنَّمَ لِكَثافَتِهِ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِالظِّلِّ تَهَكُّمًا بِهِمْ لِأنَّهم يَتَشَوَّقُونَ ظِلًّا يَأْوُونَ إلى بَرْدِهِ.

وأُفْرِدَ ظِلٌّ هُنا لِأنَّهُ جُعِلَ لَهم ذَلِكَ الدُّخانُ في مَكانٍ واحِدٍ لِيَكُونُوا مُتَراصِّينَ تَحْتَهُ لِأنَّ ذَلِكَ التَّراصَّ يَزِيدُهم ألَمًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا الثّانِي بِكَسْرِ اللّامِ مِثْلَ انْطَلِقُوا الأوَّلِ، وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي عَلى مَعْنى أنَّهم أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ إلى النّارِ فانْطَلَقُوا إلى دُخانِها، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ بِالفاءِ لِقَصْدِ الِاسْتِئْنافِ لِيَكَوِنَ خَبَرًا آخَرَ عَنْ حالِهِمْ.

والشُّعَبُ: اسْمُ جَمْعِ شُعْبَةٍ وهي الفَرِيقُ مِنَ الشَّيْءِ والطّائِفَةُ مِنهُ، أيْ ذِي ثَلاثِ طَوائِفَ وأُرِيدَ بِها طَوائِفُ مِنَ الدُّخانِ فَإنَّ النّارَ إذا عَظُمَ اشْتِعالُها تَصاعَدَ دُخانُها مِن طَرَفَيْها ووَسَطِها لِشِدَّةِ انْضِغاطِهِ في خُرُوجِهِ مِنها.

صفحة ٤٣٦
فَوُصِفَ الدُّخانُ بِأنَّهُ ذُو ثَلاثِ شُعَبٍ لِأنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قِيلَ في سَبَبِ ذَلِكَ: إنَّ شُعْبَةً مِنهُ عَنِ اليَمِينِ وشُعْبَةً عَنِ اليَسارِ وشُعْبَةً مِن فَوْقُ، قالَ الفَخْرُ: وأقُولُ هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ الغَضَبَ عَنْ يَمِينِهِ والشَّهْوَةَ عَنْ شِمالِهِ والقُوَّةَ الشَّيْطانِيَّةَ في دِماغِهِ، ومَنبَعُ جَمِيعِ الآفاتِ الصّادِرَةِ عَنِ الإنْسانِ في عَقائِدِهِ وفي أعْمالِهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ها هُنا ثَلاثُ دَرَجاتٍ وهي: الحِسُّ، والخَيالُ، والوَهْمُ. وهي مانِعَةٌ لِلرُّوحِ مِنَ الِاسْتِنارَةِ بِأنْوارِ عالِمِ القُدُسِ اهـ.
والظَّلِيلُ: القَوِيُّ في ظِلالِهِ، اشْتُقَّ لَهُ وصْفٌ مِنِ اسْمِهِ لِإفادَةِ كَمالِهِ فِيما يُرادُ مِنهُ مِثْلَ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وشِعْرٌ شاعِرٌ، أيْ لَيْسَ هو مِثْلَ ظِلِّ المُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى (﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]) . وفي هَذا تَحْسِيرٌ لَهم وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى (﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]) .

وجُرَّ ظَلِيلٌ عَلى النَّعْتِ لِـ ”ظِلٍّ“، وأُقْحِمَتْ (لا) فَصارَتْ مِن جُمْلَةِ الوَصْفِ ولا يَظْهَرُ فِيها إعْرابٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٦٨]) وشَأْنُ لا إذا أُدْخِلَتْ في الوَصْفِ أنْ تُكَرَّرَ فَلِذَلِكَ أُعِيدَتْ في قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏) .

والإغْناءُ: جَعْلُ الغَيْرِ غَنِيًّا، أيْ غَيْرَ مُحْتاجٍ في ذَلِكَ الغَرَضِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (مِن) عَلى مَعْنى البَدَلِيةِ أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يَبْعُدُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [يوسف: ٦٧]) . وبِذَلِكَ سَلَبَ عَنْ هَذا الظِّلِّ خَصائِصَ الظِّلالِ لِأنَّ شَأْنَ الظِّلِّ أنْ يُنَفِّسَ عَنِ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ ألَمَ الحَرِّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Mursalāt 77:30