All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Anfāl 8:25 Juzʾ 9 Page 179

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

عَقِبَ تَحْرِيضِ جَمِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، المُسْتَلْزَمِ تَحْذِيرَهم مِن ضِدِّها بِتَحْذِيرِ المُسْتَجِيبِينَ مِن إعْراضِ المُعْرِضِينَ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم قَدْ يَلْحَقُهم أذًى مِن جَرّاءِ فِعْلِ غَيْرِهِمْ إذا هم لَمْ يُقَوِّمُوا عِوَجَ قَوْمِهِمْ، كَيْلا يَحْسَبُوا أنَّ امْتِثالَهم كافٍ إذا عَصى دَهْماؤُهم، فَحَذَّرَهم فِتْنَةً تَلْحَقُهم فَتَعُمُّ الظّالِمَ وغَيْرَهُ.

فَإنَّ المُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَكُونُوا كَلِمَةً واحِدَةً في الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَبَّ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ واضْطَرَبَتْ أحْوالُهم واخْتَلَّ نِظامُ جَماعَتِهِمْ بِاخْتِلافِ الآراءِ وذَلِكَ الحالُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِتْنَةِ.

وحاصِلُ مَعْنى الفِتْنَةِ يَرْجِعُ إلى اضْطِرابِ الآراءِ، واخْتِلالِ السَّيْرِ، وحُلُولِ الخَوْفِ والحَذَرِ في نُفُوسِ النّاسِ، قالَ - تَعالى - ”﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]“ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الفِتْنَةِ في قَوْلِهِ ”‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٩١]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٣١٧
فَعَلى عُقَلاءِ الأقْوامِ وأصْحابِ الأحْلامِ مِنهم إذا رَأوْا دَبِيبَ الفَسادِ في عامَّتِهِمْ أنْ يُبادِرُوا لِلسَّعْيِ إلى بَيانِ ما حَلَّ بِالنّاسِ مِنَ الضَّلالِ في نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكْشِفُوا لَهم ماهِيَّتَهُ وشُبْهَتَهُ وعَواقِبَهُ، وأنْ يَمْنَعُوهم مِنهُ بِما أُوتُوهُ مِنَ المَوْعِظَةِ والسُّلْطانِ، ويَزْجُرُوا المُفْسِدِينَ عَنْ ذَلِكَ الفَسادِ حَتّى يَرْتَدِعُوا، فَإنْ هم تَرَكُوا ذَلِكَ، وتَوانَوْا فِيهِ لَمْ يَلْبَثِ الفَسادُ أنْ يَسْرِيَ في النُّفُوسِ ويَنْتَقِلَ بِالعَدْوى مِن واحِدٍ إلى غَيْرِهِ، حَتّى يَعُمَّ أوْ يَكادُ، فَيَعْسُرُ اقْتِلاعُهُ مِنَ النُّفُوسِ، وذَلِكَ الِاخْتِلالُ يُفْسِدُ عَلى الصّالِحِينَ صَلاحُهم ويُنَكِّدُ عَيْشَهم عَلى الرَّغْمِ مِن صَلاحِهِمْ واسْتِقامَتِهِمْ، فَظَهَرَ أنَّ الفِتْنَةَ إذا حَلَّتْ بِقَوْمٍ لا تُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً بَلْ تَعُمُّهُ والصّالِحَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ وجَبَ اتِّقاؤُها عَلى الكُلِّ لِأنَّ أضْرارَ حُلُولِها تُصِيبُ جَمِيعَهم.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ عِقابًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا، فَهي تَأْخُذُ حُكْمَ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تُصِيبُ الأُمَمَ، فَإنَّ مِن سُنَّتِها أنْ لا تَخُصَّ المُجْرِمِينَ إذا كانَ الغالِبُ عَلى النّاسِ هو الفَسادُ، لِأنَّها عُقُوباتٌ تَحْصُلُ بِحَوادِثَ كَوْنِيَّةٍ يَسْتَتِبُّ في نِظامِ العالِمِ الَّذِي سَنَّهُ اللَّهُ - تَعالى - في خَلْقِ هَذا العالَمِ أنْ يُوَزَّعَ عَلى الأشْخاصِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الصَّحِيحِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ مِثْلَ القائِمِ عَلى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فِيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلى سَفِينَةٍ فَأصابَ بَعْضُهم أعْلاها وبَعْضُهم أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلى مَن فَوْقَهم فَقالُوا لَوْ أنّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فَإنْ يَتْرُكُوهم وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وإنْ أخَذُوا عَلى أيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ ثُمَّ يَحْشُرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» .

وحَرْفُ لا في قَوْلِهِ ”لا تُصِيبَنَّ“ نَهْيٌ بِقَرِينَةِ اتِّصالِ مَدْخُولِها بِنُونِ التَّوْكِيدِ المُخْتَصَّةِ بِالإثْباتِ في الخَبَرِ وبِالطَّلَبِ، فالجُمْلَةُ الطَّلَبِيَّةُ: إمّا نَعْتٌ لِفِتْنَةٍ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، ومِثْلُهُ وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ العَجّاجِ.

حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطَ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
أيْ مَقُولٌ فِيهِ. وبابُ حَذْفِ القَوْلِ بابٌ مُتَّسِعٌ، وقَدِ اقْتَضاهُ مَقامُ المُبالِغَةِ في
صفحة ٣١٨
التَّحْذِيرِ هُنا والِاتِّقاءِ مِنَ الفِتْنَةِ، فَأكَّدَ الأمْرَ بِاتِّقائِها بِنَهْيِها هي عَنْ إصابَتِها إيّاهم، لِأنَّ هَذا النَّهْيَ مِن أبْلَغِ صِيَغِ النَّهْيِ بِأنْ يُوَجِّهَ النَّهْيَ إلى غَيْرِ المُرادِ نَهْيُهُ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى تَحْذِيرِهِ مِنَ الأمْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ في اللَّفْظِ، والمَقْصُودُ تَحْذِيرُ المُخاطَبِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّ نَهْيَ ذَلِكَ المَذْكُورِ في صِيغَةِ النَّهْيِ يَسْتَلْزِمُ تَحْذِيرَ المُخاطَبِ، فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ نَهْيَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ”لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا“ فَإنَّهُ في الظّاهِرِ المُتَكَلِّمُ نَفْسُهُ عَنْ فِعْلِ المُخاطَبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ”﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧]“ ويُسَمّى هَذا بِالنَّهْيِ المُحَوَّلِ، فَلا ضَمِيرَ في النَّعْتِ بِالجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةَ ”لا تُصِيبَنَّ“ نَهْيًا مُسْتَأْنَفًا تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ بِاتِّقائِها مَعَ زِيادَةِ التَّحْذِيرِ بِشُمُولِها مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ الظّالِمِينَ.

ولا يَصِحُّ جَعْلُ جُمْلَةِ ”لا تُصِيبَنَّ“ جَوابًا لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ ”واتَّقُوا فِتْنَةً“ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً وإنَّما كانَ يَجُوزُ لَوْ قالَ ”لا تُصِيبَنَّكم“ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ. وقَدْ أبْطَلَ في ”مُغْنِي اللَّبِيبِ“ جَعْلَ لا نافِيَةً هُنا، ورَدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ تَجْوِيزَهُ ذَلِكَ.

وخاصَّةً اسْمُ فاعِلٍ مُؤَنَّثٍ لِجَرَيانِهِ عَلى فِتْنَةٍ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تُصِيبَنَّ“ وهي حالٌ مُفِيدَةٌ لِأنَّها المَقْصُودُ مِنَ التَّحْذِيرِ.

وافْتِتاحُ جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِفِعْلِ الأمْرِ بِالعِلْمِ لِلِاهْتِمامِ لِقَصْدِ شِدَّةِ التَّحْذِيرِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٢٤] والمَعْنى أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَلِكَ يَشْمَلُ مَن يُخالِفُ الأمْرَ بِالِاسْتِجابَةِ.

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآوِيكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ، وعَلى إعْلامِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا تَخْفى عَلَيْهِ نِيّاتُهم، وعَلى التَّحْذِيرِ مِن فِتْنَةِ الخِلافِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ

صفحة ٣١٩
تَذْكِيرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالعِزَّةِ والنَّصْرِ، بَعْدَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ والخَوْفِ، لِيَذْكُرُوا كَيْفَ يَسَّرَ اللَّهُ لَهم أسْبابَ النَّصْرِ مِن غَيْرِ مَظانِّها، حَتّى أوْصَلَهم إلى مُكافَحَةِ عَدُوِّهِمْ وأنْ يَتَّقِيَ أعْداؤُهم بَأْسَهم، فَكَيْفَ لا يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، وهم قَدْ كَثُرُوا وعَزُّوا وانْتَصَرُوا، فالخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَجِيءُ هَذِهِ الخِطاباتِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالَّذِينَ آمَنُوا إيماءٌ إلى أنَّ الإيمانَ هو الَّذِي ساقَ لَهم هَذِهِ الخَيْراتِ كُلِّها، وأنَّهُ سَيَكُونُ هَذا أثَرَهُ فِيهِمْ كُلَّما احْتَفَظُوا عَلَيْهِ كُفُوهُ مِن قَبْلِ سُؤالِهِمْ، ومِن قَبْلِ تَسْدِيدِ حالِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَكُونُونَ بَعْدَ تَرَفُّهِ حالِهِمْ أشَدَّ اسْتِجابَةً وأثْبَتَ قُلُوبًا.
وفَعْلُ ”واذْكُرُوا“ مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّكْرِ - بِضَمِّ الذّالِ - وهو التَّذَكُّرُ لا ذِكْرَ اللِّسانِ، أيْ تَذَكَّرُوا.

وإذِ اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٍ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيِ اذْكُرُوا زَمَنَ كُنْتُمْ قَلِيلًا.

وجُمْلَةُ ”أنْتُمْ قَلِيلٌ“ مُضافٌ إلَيْها إذْ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ المُضافِ، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ وصْفِ القِلَّةِ والِاسْتِضْعافِ فِيهِمْ.

وأخْبَرَ بِ ”قَلِيلٌ“ وهو مُفْرَدٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّ قَلِيلًا وكَثِيرًا قَدْ يَجِيئانِ غَيْرَ مُطابِقَيْنِ لِما جَرَيا عَلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والأرْضُ يُرادُ بِها الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ٥٦]“ في سُورَةِ الأعْرافِ، فالتَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، أوْ أُرِيدَ بِها أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى تَذْكِيرُ المُؤْمِنِينَ بِأيّامِ إقامَتِهِمْ بِمَكَّةَ قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ طائِفَةً قَلِيلَةَ العَدَدِ، قَدْ جَفاهم قَوْمُهم وعادَوْهم فَصارُوا لا قَوْمَ لَهم، وكانُوا عَلى دِينٍ لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العالِمِ فَلا يَطْمَعُونَ في نَصْرٍ مُوافِقٍ لَهم في دِينِهِمْ وإذا كانُوا كَذَلِكَ وهم في مَكَّةَ فَهم كَذَلِكَ في غَيْرِها مِنَ الأرْضِ فَآواهُمُ اللَّهُ بِأنْ صَرَفَ أهْلَ مَكَّةَ عَنِ اسْتِيصالِهِمْ ثُمَّ بِأنْ قَيَّضَ الأنْصارَ أهْلَ العَقَبَةِ الأوْلى وأهْلَ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ، فَأسْلَمُوا وصارُوا أنْصارًا لَهم بِيَثْرِبَ، ثُمَّ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ فَآواهم بِها، ثُمَّ أمَرَهم بِالهِجْرَةِ إلى يَثْرِبَ فَآواهم بِها، ثُمَّ صارَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِها أعْداءً لِلْمُشْرِكِينَ فَنَصَرَهم هُنالِكَ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فاللَّهُ

صفحة ٣٢٠
الَّذِي يَسَّرَ لَهم ذَلِكَ كُلَّهُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهم فِيهِ كَسْبٌ أوْ تَعَمُّلٌ، أفَلا يَكُونُ ناصِرًا لَهم بَعْدَ أنِ ازْدادُوا وعَزُّوا وسَعَوْا لِلنَّصْرِ بِأسْبابِهِ، وأفَلا يَسْتَجِيبُونَ هم لَهُ إذا دَعاهم لِما يُحْيِيهِمْ وحالُهم أقْرَبُ إلى النَّصْرِ مِنها يَوْمَ كانُوا قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ.
والتَّخَطُّفُ شِدَّةُ الخَطْفِ، والخَطْفُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٠] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْغَلَبَةِ السَّرِيعَةِ لِأنَّ الغَلَبَةَ شِبْهُ الأخْذِ، فَإذا كانَتْ سَرِيعَةً أشْبَهَتِ الخَطْفَ، قالَ - تَعالى - ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ يَأْخُذُكم أعْداؤُكم بِدُونِ كُبْرى مَشَقَّةٍ ولا طُولِ مُحارَبَةٍ إذْ كُنْتُمْ لُقْمَةً سايِغَةً لَهم، وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً، لَوْلا أنَّ اللَّهَ صَرَفَهم عَنْكم، وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ خائِفِينَ في مَكَّةَ، وكانُوا خائِفِينَ في طُرُقِ هِجْرَتَيْهِمْ، وكانُوا خائِفِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتّى أذاقَهُمُ اللَّهُ نِعْمَةَ الأمْنِ مِن بَعْدِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.

و”النّاسُ“ مُرادٌ بِهِمْ ناسٌ مَعْهُودُونَ وهُمُ الأعْداءُ، المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، أيْ طائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِن جِنْسِ النّاسِ مِنَ العُرابِ المُوالِينَ لَهم.

وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ: هي الأمْوالُ الَّتِي غَنِمُوها يَوْمَ بَدْرٍ.

والإيواءُ: جَعْلُ الغَيْرِ آوِيًا، أيْ راجِعًا إلى الَّذِي يَجْعَلُهُ، فَيَئُولُ مَعْناهُ إلى الحِفْظِ والرِّعايَةِ.

والتَّأْيِيدُ: التَّقْوِيَةُ أيْ جَعْلُ الشَّيْءِ ذا أيْدٍ، أيْ ذا قُدْرَةٍ عَلى العَمَلِ لِأنَّ اليَدَ يُكَنّى بِها عَنِ القُدْرَةِ قالَ - تَعالى - ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ١٧] .

وجُمْلَةُ ”‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏“ إدْماجٌ بِذِكْرِ نِعْمَةِ تَوْفِيرِ الرِّزْقِ في خِلالِ المِنَّةِ بِنِعْمَةِ النَّصْرِ وتَوْفِيرِ العَدَدِ بَعْدَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ، فَإنَّ الأمْنَ ووَفْرَةَ العَدَدِ يَجْلِبانِ سَعَةَ الرِّزْقِ.

ومَضْمُونُ هَذِهِ الآيَةِ صادِقٌ أيْضًا عَلى المُسْلِمِينَ في كُلِّ عَصْرٍ مِن عُصُورِ النُّبُوَّةِ والخِلافَةِ الرّاشِدَةِ، فَجَماعَتُهم لَمْ تَزَلْ في ازْدِيادِ عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ، ولَمْ تَزَلْ مَنصُورَةً عَلى الأُمَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانُوا يَخافُونَها مِن قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا، فَقَدْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، ونَصَرَهم عَلى الرُّومِ يَوْمَ تَبُوكَ ونَصَرَهم عَلى الفُرْسِ يَوْمَ القادِسِيَّةِ، وعَلى الرُّومِ في مِصْرَ، وفي بَرْقَةَ، وفي إفْرِيقِيَّةَ، وفي بِلادِ الجَلالِقَةِ، وفي بِلادِ الفِرِنْجَةِ مِن أُورُوبّا. فَلَمّا زاغَ المُسْلِمُونَ وتَفَرَّقُوا أخَذَ أمْرُهم يَقِفُ ثُمَّ يَنْقَبِضُ ابْتِداءً مِن ظُهُورِ

صفحة ٣٢١
الدَّعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ، وهي أعْظَمُ تَفَرُّقٍ وقَعَ في الدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّةِ.
وقَدْ نَبَّهَهُمُ اللَّهُ - تَعالى - بِقَوْلِهِ ”لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ“ فَلَمّا أعْطَوْا حَقَّ الشُّكْرِ دامَ أمْرُهم في تَصاعُدٍ، وحِينَ نَسَوْهُ أخَذَ أمْرُهم في تَراجُعٍ، ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ.

ولَمْ يَزَلِ النَّبِيءُ ﷺ يُنَبِّهُ المُسْلِمِينَ بِالمَوْعِظَةِ أنْ لا يَحِيدُوا عَنْ أسْبابِ بَقاءِ عِزِّهِمْ، وفي الحَدِيثِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ «قَلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا في جاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ فَجاءَنا اللَّهُ بِهَذا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ ؟ قالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ وفِيهِ دَخَنٌ» الحَدِيثَ، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ «بُدِئَ هَذا الدِّينُ غَرِيبًا وسَيَعُودُ كَما بُدِئَ» .

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ يُحَذِّرُهم مِنَ العِصْيانِ الخَفِيِّ، بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالطّاعَةِ والِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ حَذَّرَهم مِن أنْ يُظْهِرُوا الطّاعَةَ والِاسْتِجابَةَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ ويُبْطِنُوا المَعْصِيَةَ والخِلافَ في باطِنِهِ. ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ ظاهِرَةٌ وإنْ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ المُسْلِمِينَ خِيانَةٌ، وإنَّما هو تَحْذِيرٌ.

وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، ورَوى جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ السِّيَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ والكَلْبِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ الأنْصارِيِّ «لَمّا حاصَرَ المُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَسَألَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ الصُّلْحَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أبا لُبابَةَ وكانَ ولَدُهُ وعِيالُهُ ومالُهُ عِنْدَهم، فَلَمّا جاءَهم قالُوا لَهُ: ما تَرى أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ بِيَدِهِ عَلى حَلْقِهِ: أنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ فَطِنَ أنَّهُ قَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ»، وهَذا الخَبَرُ لَمْ

صفحة ٣٢٢
يَثْبُتْ في الصَّحِيحِ، ولَكِنَّهُ اشْتُهِرَ بَيْنَ أهْلِ السِّيَرِ والمُفَسِّرِينَ، فَإذا صَحَّ، وهو الأقْرَبُ كانَتِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِن وقْتِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِلافِ المُسْلِمِينَ في أمْرِ الأنْفالِ، فَإنَّ بَيْنَ الحادِثَتَيْنِ نَحْوًا مِن ثَلاثِ سِنِينَ، ويُقَرِّبُ هَذا ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مِنَ انْتِفاءِ وُقُوعِ خِيانَةٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
والخَوْنُ والخِيانَةُ: إبْطالُ ونَقْضُ ما وقَعَ عَلَيْهِ تَعاقُدٍ مِن دُونِ إعْلانٍ بِذَلِكَ النَّقْضِ، قالَ - تَعالى - ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٨] والخِيانَةُ ضِدَّ الوَفاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأصْلُ مَعْنى الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْنُ في ضِدِّ الوَفاءِ لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ فِيهِ، أيْ واسْتُعْمِلَ الوَفاءُ في الإتْمامِ بِالعَهْدِ، لِأنَّ مَن أنْجَزَ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتَمَّ عَهْدَهُ فَلِذَلِكَ يُقالُ: أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهِ.

فالإيمانُ والطّاعَةُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ عَهْدٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَكَما حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ العَلَنِيَّةِ حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ الخَفِيَّةِ.

وتَشْمَلُ الخِيانَةُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ، فَهي داخِلَةٌ في ”لا تَخُونُوا“، لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ فَهي مُرادٌ مِن هَذا النَّهْيِ، فَتَشْمَلُ الغُلُولَ الَّذِي حامُوا حَوْلَهُ في قَضِيَّةِ الأنْفالِ، لِأنَّهم لَمّا سَألَ بَعْضُهُمُ النَّفَلَ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَتَتَبَّعُونَ آثارَ القَتْلى لِيَنْتَفِلُوا مِنهم، تَعَيَّنَ تَحْذِيرُهم مِنَ الغُلُولِ، فَذَلِكَ مُناسِبَةُ وقْعِ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذِهِ الآياتِ سَواءٌ صَحَّ ما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أمْ كانَتْ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِقَرِيناتِها.

وفِعْلُ الخِيانَةِ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو المَخُونُ، وقَدْ يُعَدّى تَعْدِيَةً ثانِيَةً إلى ما وقَعَ نَقْضُهُ، يُقالُ: خانَ فُلانًا أمانَتَهُ أوْ عَهْدَهُ، وأصْلُهُ أنَّهُ نُصِبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ خانَهُ في عَهْدِهِ أوْ في أمانَتِهِ، فاقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَخُوفِ ابْتِداءً، واقْتَصَرَ عَلى المَخُونِ فِيهِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ في أماناتِكم أيْ وتَخُونُوا النّاسَ في أماناتِكم.

والنَّهْيُ عَنْ خِيانَةِ الأمانَةِ هُنا: إنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في قَضِيَّةِ أبِي لُبابَةَ: أنَّ ما صَدَرَ مِنهُ مِن إشارَةٍ إلى ما في تَحْكِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ مِنَ الضُّرِّ عَلَيْهِمْ يُعْتَبَرُ خِيانَةً لِمَن بَعَثَهُ مُسْتَفْسِرًا، لِأنَّ حَقَّهُ أنْ لا يُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، إذْ هو مَبْعُوثٌ ولَيْسَ بِمُسْتَشارٍ.

صفحة ٣٢٣
وإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ مَعَ قَرِيناتِها فَنَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ خِيانَةِ الأمانَةِ اسْتِطْرادٌ لِاسْتِكْمالِ النَّهْيِ عَنْ أنْواعِ الخِيانَةِ، وقَدْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأصْلِيِّ، إلى ذِكْرِ المَفْعُولِ المُتَّسَعِ فِيهِ، لِقَصْدِ تَبْشِيعِ الخِيانَةِ بِأنَّها نَقْضٌ لِلْأمانَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ وصْفٌ مَحْمُودٌ مَشْهُورٌ بِالحُسْنِ بَيْنَ النّاسِ، فَما يَكُونُ نَقْضًا لَهُ يَكُونُ قَبِيحًا فَظِيعًا، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يَقُلْ: وتَخُونُوا النّاسَ في أماناتِهِمْ، فَهَذا حَذْفٌ مِنَ الإيجازِ.
والأمانَةُ اسْمٌ لِما يَحْفَظُهُ المَرْءُ عِنْدَ غَيْرِهِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الأمْنِ لِأنَّهُ يَأْمَنُهُ مِن أنْ يُضَيِّعَها، والأمِينُ الَّذِي يَحْفَظُ حُقُوقَ مَن يُوالِيهِ، وإنَّما أُضِيفَتِ الأماناتُ إلى المُخاطَبِينَ مُبالَغَةً في تَفْظِيعِ الخِيانَةِ، بِأنَّها نَقْضٌ لِأمانَةٍ مَنسُوبَةٍ إلى ناقِضِها، بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] دُونَ: ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ.

ولِلْأمانَةِ شَأْنٌ عَظِيمٌ في اسْتِقامَةِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ، ما ثَبَتُوا عَلَيْها وتَخَلَّقُوا بِها، وهي دَلِيلُ نَزاهَةِ النَّفْسِ واعْتِدالِ أعْمالِها، وقَدْ حَذَّرَ النَّبِيءُ ﷺ مِن إضاعَتِها والتَّهاوُنِ بِها، وأشارَ إلى أنَّ في إضاعَتِها انْحِلالَ أمْرِ المُسْلِمِينَ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثِينَ: رَأيْتُ أحَدَهُما وأنا أنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنا أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ عَلى جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»، وحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها فَقالَ: «يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ مِن قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقى أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِرًا ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ويُصْبِحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ ولا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ، وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» .

الوَكْتُ سَوادٌ يَكُونُ في البُسْرِ إذا قارَبَ أنْ يَصِيرَ رُطَبًا، والمَجْلُ غِلَظُ الجِلْدِ مِن أثَرِ العَمَلِ والخِدْمَةِ، ونَفِطَ تَقَرَّحَ، ومُنْتَبِرًا مُنْتَفِخًا، وقَدْ جَعَلَها النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الإيمانِ إذْ قالَ في آخِرِ الإخْبارِ عَنْها «وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ»، وحَسْبُكَ مِن رَفْعِ شَأْنِ الأمانَةِ: أنْ كانَ صاحِبُها حَقِيقًا بِوِلايَةِ أمْرِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ وِلايَةَ أمْرِ المُسْلِمِينَ أمانَةٌ لَهم ونُصْحٌ، ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ

صفحة ٣٢٤
حِينَ أوْصى بِأنْ يَكُونَ الأمْرُ شُورى بَيْنَ سِتَّةٍ ”ولَوْ كانَ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ حَيًّا لَعَهِدْتُ إلَيْهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَهُ إنَّهُ أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ» .
وقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ‏ ‏‏‏‏‏ فَهو في حَيِّزِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَخُونُوا أماناتِكم، وإنَّما أُعِيدَ فِعْلُ ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَكْتَفِ بِحَرْفِ العَطْفِ، الصّالِحِ لِلنِّيابَةِ عَنِ العامِلِ في المَعْطُوفِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الخِيانَةِ، فَإنَّ خِيانَتَهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ نَقْضُ الوَفاءِ لَهُما بِالطّاعَةِ والِامْتِثالِ، وخِيانَةَ الأمانَةِ نَقْضُ الوَفاءِ بِأداءِ ما ائْتَمَنُوا عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ“ تَخُونُوا ”الأوَّلِ والثّانِي، وهي حالٌ كاشِفَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها تَشْدِيدُ النَّهْيِ، أوْ تَشْنِيعُ المَنهِيِّ عَنْهُ، لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ في حالِ مَعْرِفَةِ المَنهِيِّ أنَّهُ قَبِيحٌ يَكُونُ أشَدَّ، ولِأنَّ القَبِيحَ في حالِ عِلْمِ فاعِلِهِ بِقُبْحِهِ يَكُونُ أشْنَعَ، فالحالُ هُنا بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ الكاشِفَةِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ١١٧] وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٢] ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الخِيانَةِ بِحالَةِ العِلْمِ بِها، لِأنَّ ذَلِكَ قَلِيلُ الجَدْوى، فَإنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ مَشْرُوطٍ بِالعِلْمِ، وكَوْنُ الخِيانَةِ قَبِيحَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ تَعْلَمُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، فَيَكُونُ مَعْناهُ“ وأنْتُمْ ذَوُو عِلْمٍ " أيْ مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، أيْ وأنْتُمْ عُلَماءُ لا تَجْهَلُونَ الفَرْقَ بَيْنَ المَحاسِنِ والقَبائِحِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ لَهُ هُنا مَفْعُولًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ خِيانَةَ الأمانَةِ أيْ تَعْلَمُونَ قُبْحَها، فَإنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهم في آدابِ دِينِهِمْ تَقْبِيحُ الخِيانَةِ، بَلْ هو أمْرٌ مَعْلُومٌ لِلنّاسِ حَتّى في الجاهِلِيَّةِ.

وابْتِداءُ جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بِفِعْلِ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمامِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٢٤] وقَوْلِهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى الحَذَرِ مِنَ الخِيانَةِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها المَرْءَ حُبُّ المالِ وهي خِيانَةُ الغُلُولِ وغَيْرُها، فَتَقْدِيمُ الأمْوالِ لِأنَّها مَظِنَّةُ الحَمْلِ عَلى الخِيانَةِ في هَذا المَقامِ.

صفحة ٣٢٥
وعَطْفُ الأوْلادِ عَلى الأمْوالِ لِاسْتِيفاءِ أقْوى دَواعِي الخِيانَةِ فَإنَّ غَرَضَ جُمْهُورِ النّاسِ في جَمْعِ الأمْوالِ أنْ يَتْرُكُوها لِأبْنائِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، وقَدْ كَثُرَ قَرْنُ الأمْوالِ والأوْلادِ في التَّحْذِيرِ، ونَجِدُهُ في القُرْآنِ، قِيلَ إنَّ هاتِهِ الآيَةَ مِن جُمْلَةِ ما نَزَلَ في أبِي لُبابَةَ.
وجِيءَ في الإخْبارِ عَنْ كَوْنِ الأمْوالِ والأوْلادِ فِتْنَةً بِطَرِيقِ القَصْرِ قَصْرًا ادِّعائِيًّا لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في إثْباتِ أنَّهم فِتْنَةٌ.

وجَعَلَ نَفْسَ الأمْوالِ والأوْلادِ فِتْنَةً لِكَثْرَةِ حُدُوثِ فِتْنَةِ المَرْءِ مِن جَرّاءِ أحْوالِهِما، مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِن تِلْكَ الأحْوالِ وما يَنْشَأُ عَنْها، فَكَأنَّ وُجُودَ الأمْوالِ والأوْلادِ نَفْسُ الفِتْنَةِ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ عَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ المَنهِيّاتِ هو خَيْرٌ مِنَ المَنافِعِ الحاصِلَةِ عَنِ اقْتِحامِ المَناهِي لِأجْلِ الأمْوالِ والأوْلادِ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And [remember] when they said, "O Allah, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But Allah would not punish them while you, [O Muhammad], are among them, and Allah would not punish them while they seek forgiveness.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But why should Allah not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al- Haram and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

You read 8:25–34 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:25