All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Anfāl 8:57 Juzʾ 10 Page 184

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So if you, [O Muhammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ الكَلامِ عَلى عُمُومِ المُشْرِكِينَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ آخَرِينَ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةَ. وهَؤُلاءِ عاهَدُوا

صفحة ٤٧
النَّبِيءَ ﷺ وهم عَلى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهم، وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما وصَفَهم بِشَرِّ الدَّوابِّ لِأنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ أظْهَرُ مِن دَعْوَةِ الأدْيانِ السّابِقَةِ، ومُعْجِزَةَ الرَّسُولِ ﷺ أسْطَعُ، ولِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى أحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، فَمَن يَجْحَدُهُ فَهو أشْبَهُ بِما لا عَقْلَ لَهُ، وقَدِ انْدَرَجَ الفَرِيقانِ مِنَ الكُفّارِ في جِنْسِ شَرَّ الدَّوابِّ
وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٢٢] الآيَةَ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَنْهم بِأنَّهم شَرُّ الدَّوابِّ.

والفاءُ في ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ عَطَفَتْ صِلَةً عَلى صِلَةٍ، فَأفادَتْ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الصِّلَةِ، وأنَّها تَمامُ الصِّلَةِ المَقْصُودَةِ لِلْإيماءِ، أيْ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلِ الإسْلامِ فاسْتَمَرَّ كُفْرُهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ. ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ هو الَّذِي جَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ عَطَفَ هُنا بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ سَبَبَ إجْراءِ ذَلِكَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ هو مَجْمُوعُ الوَصْفَيْنِ، وأتى بِصِلَةِ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثُبُوتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ وأنَّهم غَيْرُ مَرْجُوٍّ مِنهُمُ الإيمانُ.

فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ مَعَ عَدَمِ إيلاءِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَرْفَ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إفادَةِ تَقْوِيَةِ نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، أيِ الَّذِينَ يَنْتَفِي الإيمانُ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ انْتِفاءً قَوِيًّا فَهم بُعَداءُ عَنْهُ أشَدَّ الِابْتِعادِ.

ولَيْسَ التَّقْدِيمُ هُنا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ لا أثَرَ لَهُ في الصِّلَةِ، ولِأنَّ الأكْثَرَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ، إذا لَمْ يَقَعِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَقِبَ حَرْفِ النَّفْيِ، أنْ لا يُفِيدَ تَقْدِيمُهُ إلّا التَّقَوِّيَ، دُونَ التَّخْصِيصِ، وذَلِكَ هو الأكْثَرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٧٢] إذْ لا يُرادُ وأنْتُمْ دُونَ غَيْرِكم لا تُظْلَمُونَ.

فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلًا مُطابِقًا، فالَّذِينَ عاهَدَهم هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَهم لا يُؤْمِنُونَ. وتَعْدِيَةُ عاهَدْتَ بِـ (مِن) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَهْدَ كانَ يَتَضَمَّنُ التِزامًا مِن جانِبِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ أخَذْتُ مِنهُ عَهْدًا، أيِ التِزامًا،

صفحة ٤٨
فَلَمّا ذُكِرَ فِعْلُ المُفاعَلَةِ، الدّالُّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُعاهَدَةِ التِزامُهم بِأنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، ولَيْسَتْ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً لِعَدَمِ مَتانَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا إلى بَعْضِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ: أنَّ المُرادَ بِهِمْ قُرَيْظَةُ فَإنَّهم عاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ أنْ لا يُحارِبُوهُ ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهم فَأمَدُّوا المُشْرِكِينَ بِالسِّلاحِ والعُدَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ، واعْتَذَرُوا فَقالُوا: نَسِينا وأخْطَأْنا، ثُمَّ عاهَدُوهُ أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَنَكَثُوا عَهْدَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ، ومالُوا مَعَ الأحْزابِ، وأمَدُّوهم بِالسِّلاحِ والأدْراعِ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ قُرَيْظَةَ وغَيْرَهم مِن بَعْضِ قَبائِلِ المُشْرِكِينَ، وأخَصُّها المُنافِقُونَ فَقَدْ كانُوا يُعاهِدُونَ النَّبِيءَ ﷺ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم كَما قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٢] الآيَةَ وقَدْ نَقَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ ومَن مَعَهُ عَهْدَ النُّصْرَةِ في أُحُدٍ، فانْخَذَلَ بِمَن مَعَهُ وكانُوا ثُلُثَ الجَيْشِ. وقَدْ ذُكِرَ في أوَّلِ سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ عَهْدُ فِرَقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. وهَذا هو الأنْسَبُ بِإجْراءِ صِلَةِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الكُفْرَ غَلَبَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ إطْلاقُهُ عَلى المُشْرِكِينَ.

والتَّعْبِيرُ في جانِبِ نَقْضِهِمُ العَهْدَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَتَجَدَّدُ مِنهم ويَتَكَرَّرُ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهم لا يَنْتَهُونَ عَنْهُ، فَهو تَعْرِيضٌ بِالتَّأْيِيسِ مِن وفائِهِمْ بِعَهْدِهِمْ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ إلَخْ. فالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهم ويَنْقُضُونَهُ في كُلِّ مَرَّةٍ.

والمُرادُ بِـ ”كُلِّ مَرَّةٍ“ كُلُّ مَرَّةٍ مِنَ المَرّاتِ الَّتِي يَحِقُّ فِيها الوَفاءُ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ سَواءٌ تَكَرَّرَ العَهْدُ أمْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأنَّ العَهْدَ الأوَّلَ يَقْتَضِي الوَفاءَ كُلَّما دَعا داعٍ إلَيْهِ.

والأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ وقْعَةِ بَدْرٍ، وقَبْلَ وقْعَةِ الخَنْدَقِ، فالنَّقْضُ الحاصِلُ مِنهم حَصَلَ مَرَّةً واحِدَةً، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَرّاتٍ. وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَ الخَنْدَقِ، بِأنِ امْتَدَّ زَمانُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فالنَّقْضُ مِنهم قَدْ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ،

صفحة ٤٩
والإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَرّاتٍ هو هو، فَلا جَدْوى في ادِّعاءِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ الخَنْدَقِ.
وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إمّا عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أوْ عَلى الخَبَرِ، أوْ في مَحَلِّ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَنْقُضُونَ“ . وعَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ فَهي دالَّةٌ عَلى أنَّ انْتِفاءَ التَّقْوى عَنْهم صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ مِنهم، ومَلَكَةٌ فِيهِمْ، بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ مِن تَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

ووُقُوعُ فِعْلِ ”يَتَّقُونَ“ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَعُمُّ سائِرَ جِنْسِ الِاتِّقاءِ وهو الجِنْسُ المُتَعارَفُ مِنهُ، الَّذِي يَتَّهِمُهم بِهِ أهْلُ المُرُوءاتِ والمُتَدَيِّنُونَ، فَيَعُمُّ اتِّقاءَ اللَّهِ وخَشْيَةَ عِقابِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَعُمُّ اتِّقاءَ العارِ، واتِّقاءَ المَسَبَّةِ واتِّقاءَ سُوءِ السُّمْعَةِ. فَإنَّ الخَيْسَ بِالعَهْدِ والغَدْرَ مِنَ القَبائِحِ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الأحْلامِ، وعِنْدَ العَرَبِ أنْفُسِهِمْ، ولِأنَّ مَن عُرِفَ بِنَقْضِ العَهْدِ عَدِمَ مَن يَرْكَنُ إلى عَهْدِهِ وحِلْفِهِ، فَيَبْقى في عُزْلَةٍ مِنَ النّاسِ. فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَهم قَدْ غَلَبَهُمُ البُغْضُ في الدِّينِ، فَلَمْ يَعْبَأُوا بِما يَجُرُّهُ نَقْضُ العَهْدِ مِنَ الأضْرارِ لَهم.

وإذْ قَدْ تَحَقَّقَ مِنهم نَقْضُ العَهْدِ فِيما مَضى، وهو مُتَوَقَّعٌ مِنهم فِيما يَأْتِي، لا جَرَمَ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَجْعَلَهم نَكالًا لِغَيْرِهِمْ، مَتى ظَفِرَ بِهِمْ في حَرْبٍ يُشْهِرُونَها عَلَيْهِ أوْ يُعِينُونَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ.

وجاءَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ ”إنْ“ مَزِيدَةٍ بَعْدَها ”ما“ لِإفادَةِ تَأْكِيدِ وُقُوعِ الشَّرْطِ وبِذَلِكَ تَنْسَلِخُ ”إنْ“ عَنِ الإشْعارِ بِعَدَمِ الجُرْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ وزِيدَ التَّأْكِيدُ بِاجْتِلابِ نُونِ التَّوْكِيدِ. وفي شَرْحِ الرَّضِيِّ عَلى الحاجِبِيَّةِ، عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ: لا يَجِيءُ ”إمّا“ إلّا بِنُونِ التَّأْكِيدِ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: فَإمّا تَرَيِنَّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ دَخَلَتِ النُّونُ مَعَ ”إمّا“: إمّا لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ ”إمّا“ الَّتِي هي حَرْفُ انْفِصالٍ في قَوْلِكَ: جاءَنِي إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو.

وقُلْتُ: دُخُولُ نُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ ”إنْ“ المُؤَكَّدَةِ بِـ ”ما“ غالِبٌ، ولَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، فَقَدْ قالَ الأعْشى:

إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكِ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ

صفحة ٥٠
فَلَمْ يُدْخِلْ عَلى الفِعْلِ نُونَ التَّوْكِيدِ.
والثَّقَفُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ، أيْ: فَإنْ وجَدْتَهم وظَفِرْتَ بِهِمْ في حَرْبٍ، أيِ انْتَصَرْتَ عَلَيْهِمْ.

والتَّشْرِيدُ: التَّطْرِيدُ والتَّفْرِيقُ، أيْ: فَبَعِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، وقَدْ يُجْعَلُ التَّشْرِيدُ كِنايَةً عَنِ التَّخْوِيفِ والتَّنْفِيرِ.

وجُعِلَتْ ذَواتُ المُتَحَدَّثِ عَنْهم سَبَبَ التَّشْرِيدِ بِاعْتِبارِها في حالِ التَّلَبُّسِ بِالهَزِيمَةِ والنَّكالِ، فَهو مِن إناطَةِ الأحْكامِ بِالذَّواتِ والمُرادُ أحْوالُ الذَّواتِ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . وقَدْ عُلِمَ أنَّ مُتَعَلِّقَ تَشْرِيدِ مَن خَلْفَهم هو ما أوْجَبَ التَّنْكِيلَ بِهِمْ وهو نَقْضُ العَهْدِ.

والخَلْفُ: هُنا مُسْتَعارٌ لِلِاقْتِداءِ بِجامِعِ الِاتِّباعِ، ونَظِيرُهُ الوَراءُ. في قَوْلِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: وأنا رَسُولُ مَن ورائِي. وقالَ وفْدُ الأشْعَرِيِّينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: فَمُرْنا بِأمْرٍ نَأْخُذُ بِهِ ونُخْبِرُ بِهِ مَن وراءَنا. والمَعْنى: فاجْعَلْهم مَثَلًا وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَرَقَّبُونَ ماذا يَجْتَنِي هَؤُلاءِ مِن نَقْضِ عَهْدِهِمْ فَيَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ، ولِأجْلِ هَذا الأمْرِ نَكَّلَ النَّبِيءُ ﷺ بِقُرَيْظَةَ حِينَ حاصَرَهم ونَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَحَكَمَ بِأنْ تُقْتَلَ المُقاتِلَةُ وتُسْبى الذُّرِّيَّةُ، فَقَتَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ وكانُوا أكْثَرَ مِن ثَمانِمِائَةِ رَجُلٍ.

وقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ في هَذا الأمْرِ بِالإغْلاظِ عَلى العَدُوِّ لِما في ذَلِكَ مِن مَصْلَحَةِ إرْهابِ أعْدائِهِ، فَإنَّهم كانُوا يَسْتَضْعِفُونَ المُسْلِمِينَ، فَكانَ في هَذا الإغْلاظِ عَلى النّاكِثِينَ تَحْرِيضٌ عَلى عُقُوبَتِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوها. وفي ذَلِكَ رَحْمَةٌ لِغَيْرِهِمْ لِأنَّهُ يَصُدُّ أمْثالَهم عَنِ النَّكْثِ ويَكْفِي المُؤْمِنِينَ شَرَّ النّاكِثِينَ الخائِنِينَ. فَلا تُخالِفُ هَذِهِ الشِّدَّةُ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ أُرْسِلَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ رَحْمَةٌ لِعُمُومِ العالَمِينَ وإنْ كانَ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن شِدَّةٍ عَلى قَلِيلٍ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٩]

صفحة ٥١
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ راجِعٌ إلى (مَن) المَوْصُولَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ مَدْلُولِ صِلَتِها جَماعَةً مِنَ النّاسِ.
والتَّذَكُّرُ تَذَكُّرُ حالَةِ المُثْقَفِينَ في الحَرْبِ الَّتِي انْجَرَّتْ لَهم مِن نَقْضِ العَهْدِ، أيْ لَعَلَّ مَن خَلْفَهم يَتَذَكَّرُونَ ما حَلَّ بِناقِضِي العَهْدِ مِنَ النَّكالِ، فَلا يُقْدِمُوا عَلى نَقْضِ العَهْدِ، فَآلَ مَعْنى التَّذَكُّرِ إلى لازِمِهِ وهو الِاتِّعاظُ والِاعْتِبارُ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُ التَّذَكُّرِ وإرادَةُ مَعْناهُ الكِنائِيِّ وغَلَبَ فِيهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms. Indeed, Allah does not like traitors.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏

عَطْفُ حُكْمٍ عامٍّ لِمُعامَلَةِ جَمِيعِ الأقْوامِ الخائِنِينَ بَعْدَ الحُكْمِ الخاصِّ بِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ الَّذِينَ تَلُوحُ مِنهم بَوارِقُ الغَدْرِ والخِيانَةِ، بِحَيْثُ يَبْدُو مِن أعْمالِهِمْ ما فِيهِ مُخَيِّلَةٌ بِعَدَمِ وفائِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ إذْ هم يَنْتَفِعُونَ مِن مُسالَمَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم، ولا يَنْتَفِعُ المُؤْمِنُونَ مِن مُسالَمَتِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ.

والخَوْفُ تَوَقُّعُ ضُرٍّ مِن شَيْءٍ، وهو الخَوْفُ الحَقُّ المَحْمُودُ. وأمّا تَخَيُّلُ الضُّرِّ بِدُونِ أمارَةٍ فَلَيْسَ مِنَ الخَوْفِ وإنَّما هو الهَوَسُ والتَّوَهُّمُ. وخَوْفُ الخِيانَةِ ظُهُورُ بَوارِقِها وبُلُوغُ إضْمارِهِمْ إيّاها بِما يَتَّصِلُ بِالمُسْلِمِينَ مِن أخْبارِ أُولَئِكَ وما يَأْتِي بِهِ تَجَسُّسُ أحْوالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢٢٩] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ٣]

وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و”قَوْمٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْ كُلُّ قَوْمٍ تَخافُ مِنهم خِيانَةً. والخِيانَةُ: ضِدُّ الأمانَةِ، وهي، هُنا: نَقْضُ العَهْدِ؛ لِأنَّ الوَفاءَ مِنَ الأمانَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الخِيانَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ٥٢
والنَّبْذُ: الطَّرْحُ وإلْقاءُ الشَّيْءِ. وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإنَّما رُتِّبَ نَبْذُ العَهْدِ عَلى خَوْفِ الخِيانَةِ، دُونَ وُقُوعِها: لِأنَّ شُئُونَ المُعامَلاتِ السِّياسِيَّةِ والحَرْبِيَّةِ تَجْرِي عَلى حَسَبِ الظُّنُونِ ومَخائِلِ الأحْوالِ ولا يُنْتَظَرُ تَحَقُّقُ وُقُوعِ الأمْرِ المَظْنُونِ لِأنَّهُ إذا تَرَيَّثَ وُلاةُ الأُمُورِ في ذَلِكَ يَكُونُونَ قَدْ عَرَّضُوا الأُمَّةَ لِلْخَطَرِ، أوْ لِلتَّوَرُّطِ في غَفْلَةٍ وضَياعِ مَصْلَحَةٍ، ولا تُدارُ سِياسَةُ الأُمَّةِ بِما يُدارُ بِهِ القَضاءُ في الحُقُوقِ؛ لِأنَّ الحُقُوقَ إذا فاتَتْ كانَتْ بَلِيَّتُها عَلى واحِدٍ، وأمْكَنَ تَدارُكُ فائِتِها. ومَصالِحُ الأُمَّةِ إذا فاتَتْ تَمَكَّنَ مِنها عَدُوُّها، فَلِذَلِكَ عُلِّقَ نَبْذُ العَهْدِ بِتَوَقُّعِ خِيانَةِ المُعاهِدِينَ مِنَ الأعْداءِ، ومِن أمْثالِ العَرَبِ: خُذِ اللِّصَّ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَكَ، أيْ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لِصٌّ.

و”عَلى سَواءٍ“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ نَبْذًا عَلى سَواءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”انْبِذْ“ أيْ حالَةَ كَوْنِكَ عَلى سَواءٍ.

و”عَلى“ فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ فَهي تُؤْذِنُ بِأنَّ مَدْخُولَها مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُعْتَلى عَلَيْهِ. و”سَواءٍ“ وصْفٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما يَصْلُحُ لِلِاسْتِواءِ مَعَ مَعْنى ”عَلى“ الطَّرِيقُ، فَعُلِمَ أنَّ ”سَواءٍ“ وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ [القمر: ١٣]، أيْ سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. وقَوْلُ النّابِغَةِ:

كَما لَقِيَتْ ذاتُ الصَّفا مِن حَلِيفِها
أيِ: الحَيَّةُ ذاتُ الصَّفا.
ووَصْفُ النَّبْذِ أوِ النّابِذِ بِأنَّهُ عَلى سَواءٍ، تَمْثِيلٌ بِحالِ الماشِي عَلى طَرِيقٍ جادَّةٍ لا التِواءَ فِيها، فَلا مُخاتَلَةَ لِصاحِبِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ١٠٩] وهَذا كَما يُقالُ في ضِدِّهِ: هو يَتْبَعُ بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ، أيْ يُراوِغُ ويُخاتِلُ.

والمَعْنى: فانْبِذْ إلَيْهِمْ نَبْذًا واضِحًا عَلَنًا مَكْشُوفًا.

صفحة ٥٣
ومَفْعُولُ ”انْبِذْ“ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٦] وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ انْبِذْ عَهْدَهم.
وعُدِّيَ ”انْبِذْ“ بِـ (إلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى ارْدُدْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وقَدْ فُهِمَ مِن ذَلِكَ ألّا يَسْتَمِرَّ عَلى عَهْدِهِمْ لِئَلّا يَقَعَ في كَيْدِهِمْ وأنَّهُ لا يَخُونُهم لِأنَّ أمْرَهُ بِنَبْذِ عَهْدِهِ مَعَهم يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ لا يَخُونُهم.

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ تَصْرِيحًا واسْتِلْزامًا. والمَعْنى لِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهم لِأنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالخِيانَةِ فَلا تَسْتَمِرَّ عَلى عَهْدِهِمْ فَتَكُونَ مُعاهِدًا لِمَن لا يُحِبُّهُمُ اللَّهُ؛ ولِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ أنْ تَكُونَ أنْتَ مِنَ الخائِنِينَ كَما قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ النَّحّاسِ أنَّهُ قالَ هَذا مِن مُعْجِزِ ما جاءَ في القُرْآنِ مِمّا لا يُوجَدُ في الكَلامِ مِثْلُهُ عَلى اخْتِصارِهِ وكَثْرَةِ مَعانِيهِ.

قُلْتُ: ومَوْقِعُ ”إنَّ“ فِيهِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِرَدِّ عَهْدِهِمْ ونَبْذِهِ إلَيْهِمْ فَهي مُغْنِيَةٌ غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما قالَ عَبْدُ القاهِرِ، وتَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وهَذا مِن نُكَتِ الإعْجازِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allah].

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾

تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما بَدَأهُ بِهِ أعْداؤُهُ مِنَ الخِيانَةِ مِثْلَ ما فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ، وما فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أِبَيِّ ابْنِ سَلُولَ وغَيْرُهم مِن فُلُولِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَجَوْا يَوْمَ بَدْرٍ، وطَمْأنَةٌ لَهُ ولِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم سَيُدالُونَ مِنهم، ويَأْتُونَ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لِلْعَدُوِّ بِأنَّ اللَّهَ سَيُمَكِّنُ مِنهُمُ المُسْلِمِينَ.

والسَّبْقُ مُسْتَعارٌ لِلنَّجاةِ مِمَّنْ يَطْلُبُ، والتَّفَلُّتِ مِن سُلْطَتِهِ. شَبَّهَ المُتَخَلِّصَ مِن طالِبِهِ بِالسّابِقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٤] وقالَ بَعْضُ بَنِي فَقْعَسٍ:

كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْـرِ مَـرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ

صفحة ٥٤
أيْ: كَأنَّكَ لَمْ يَفُتْكَ ما فاتَكَ إذا أدْرَكْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ السَّبْقُ هُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: هم وإنْ ظَهَرَتْ نَجاتُهُمُ الآنَ، فَما هي إلّا نَجاةٌ في وقْتٍ قَلِيلٍ، فَهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ، أوْ لا يُعْجِزُونَ المُسْلِمِينَ، أيْ: لا يُصَيِّرُونَ مَن أفْلَتُوا مِنهُ عاجِزًا عَنْ نَوالِهِمْ، كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ ∗∗∗ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يُعْجِزُونَ“ لِظُهُورِ المَقْصُودِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، (ولا يَحْسَبَنَّ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِعَدَمِ وُجُودِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ ”حَسِبَ“ فَزَعَمَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنًا وهَذا اجْتِراءٌ مِنهُ عَلى أُولَئِكَ الأئِمَّةِ وصِحَّةِ رِوايَتِهِمْ، واحْتَجَّ لَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِإضْمارِ مَفْعُولٍ أوَّلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا، واحْتَجَّ لَها الزَّجّاجُ بِتَقْدِيرِ (أنْ) قَبْلَ ”سَبَقُوا“ فَيَكُونُ المَصْدَرُ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: حُذِفَ الفاعِلُ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّهُمُ“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ تُثِيرُهُ جُمْلَةُ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ فالجُمْلَةُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ هو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، أيْ لِأنَّهم لا يُعْجِزُونَ، قالَ في الكَشّافِ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ المَكْسُورَةِ والمَفْتُوحَةِ تَعْلِيلٌ إلّا أنَّ المَكْسُورَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ والمَفْتُوحَةَ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war by which you may terrify the enemy of Allah and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allah knows. And whatever you spend in the cause of Allah will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

التحرير والتنويرIbn ʿĀshūr

Loading…

You read 8:57–66 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:57