All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Muḥammad 47:35 Juzʾ 26 Page 510

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So do not weaken and call for peace while you are superior; and Allah is with you and will never deprive you of [the reward of] your deeds.

Read in the muṣḥaf

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ مِنَ العَرَبِ؛ وذَلِكَ «أنَّهم أسْلَمُوا وقالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: نَحْنُ قَدْ آثَرْناكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وجِئْناكَ بِنُفُوسِنا وأهْلِينا، كَأنَّهم مَنُّوا بِذَلِكَ، فَنَزَلَ فِيهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ١٧] الآيَةُ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَإنْ كانَ هَذا فالإبْطالُ الَّذِي نُهُوا عنهُ لَيْسَ بِمَعْنى الإفْسادِ التامِّ؛ لِأنَّ الإفْسادَ التامَّ لا يَكُونُ إلّا بِالكُفْرِ، وإلّا فالحَسَناتُ لا تُبْطِلُها المَعاصِي، وإنْ كانَتِ الآيَةُ عامَّةً عَلى ظاهِرِها نَهْيُ الناسِ عن إبْطالِ أعْمالِهِمْ، فالإبْطالُ هو الإفْسادُ التامُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ حاتِمًا كانَتْ لَهُ أفْعالُ بِرٍّ، فَما حالُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "هُوَ في النارِ"، فَبَكى عَدِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ووَلّى، فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: "أبِي وأبُوكَ وأبُو إبْراهِيمَ خَلِيلُ الرَحْمَنِ في النارِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ (p-٦٦٠)الآيَةُ في ذَلِكَ،» وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ ما تَناوَلَتْهُ الصِفَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: فَلا تَضْعُفُوا، وهو مِن "وَهَنَ الرَجُلُ" إذا ضَعُفَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "وَتَدَّعُوا إلى السَلْمِ" بِالتَشْدِيدِ في الدالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "السَلَمِ" بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "السِلْمِ" بِكَسْرِ السِينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وهو بِمَعْنى المُسالَمَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِكَسْرِ السِينِ: إنَّهُ بِمَعْنى الإسْلامِ، أيْ: فَلا تَهِنُوا وتَكُونُوا داعِينَ إلى الإسْلامِ فَقَطْ دُونَ مُقاتِلِينَ بِسَبَبِهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ: لا تَكُونُوا أوَّلَ الطائِفَتَيْنِ ضَرِعَتْ لِلْأُخْرى، وهَذا حَسَنٌ مُلْتَئِمٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأنفال: ٦١].

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: لا تَهِنُوا وأنْتُمْ في هَذِهِ الحالِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ إخْبارًا مَقْطُوعًا، أخْبَرَهم فِيهِ بِمَغِيبٍ أبْرَزَهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، و[الأعْلَوْنَ] مَعْناهُ: الغالِبُونَ والظاهِرُونَ، ويَذْهَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلُهُ ومالُهُ"،» أيْ: ذَهَبَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَغَلُّبِ والقَهْرِ، والمَعْنى: لَنْ يَتِرَكم (p-٦٦١)ثَوابَ أعْمالِكم أو جَزاءَها واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوِتْرِ الَّذِي هو الذَحْلُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مِنَ الوِتْرِ الَّذِي هو الفَرْدُ، والمَعْنى: لَنْ يُفْرِدَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكُمْ، والأوَّلُ أصَحُّ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأصْحابُهُ: يَظْلِمُكم.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[This] worldly life is only amusement and diversion. And if you believe and fear Allah, He will give you your rewards and not ask you for your properties.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلُ فَإنَّما يَبْخَلُ عن نَفْسِهِ واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهِنُوا في الجِهادِ بِسَبَبِها، ووَصَفَها بِاللَعِبِ واللهْوِ هو عَلى أنَّها وما فِيها مِمّا يُخْتَصُّ بِها لَعِبٌ ولَهْوٌ، وإلّا فَفي الدُنْيا ما لَيْسَ بِلَعِبٍ ولا لَهْوٍ وهو الطاعَةُ وأمْرُ الآخِرَةِ وما جَرى مَجْراهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: هَذا هو المَطْلُوبُ مِنكم لا غَيْرُهُ، لا تَسْألُونَ أمْوالَكم أنْ تُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المَعْنى: لا يَسْألُكم كَثِيرًا مِن أمْوالِكم إحْفاءً، إنَّما يَسْألُكم غَيْضًا مِن فَيْضٍ، رُبْعُ العُشْرِ، فَطَيَّبُوا أنْفُسَكُمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى خُلُقِ ابْنِ آدَمَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، والإحْفاءُ هو أشَدُّ السُؤالِ، وهو المُخْجِلُ المُخْرِجُ ما عِنْدَ المَسْؤُولِ كُرْهًا، ومِنهُ حَفاءُ الرَجُلِ والتَحَفِّي مِنَ البَحْثِ عَنِ الشَيْءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "تَبْخَلُوا"﴾ جُزِمَ عَلى جَوابِ شَرْطٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَخْرُجُ" جَزْمًا عَلى "تَبْخَلُوا"، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو: (p-٦٦٢)"وَيَخْرُجُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: وهو يَخْرُجُ، وحَكاها أبُو حاتِمٍ عن عِيسى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَخْرُجُ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: يَكُنْ بُخْلٌ وإخْراجٌ، فَلَمّا جاءَتِ العِبارَةُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلى أنَّ "أنَّ" الَّتِي مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإخْراجُ، والفاعِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُخْرِجْ" عَلى كُلِّ الِاخْتِلافاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ البُخْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ اللَفْظُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السُؤالُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ اللَفْظُ أيْضًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأيُّوبَ: "وَيَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ "أضْغانَكُمْ" رَفْعًا عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورُوِيَ عنهم "وَتَخْرُجُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَنُخْرِجُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ "أضْغانَكُمْ" نَصْبًا. و"الأضْغانُ" كَما قُلْنا: مُعْتَقَداتُ السُوءِ، وهَذا الَّذِي كانَ يَخافُ أنْ يَعْتَرِيَ المُسْلِمِينَ هو الَّذِي تُقَرِّبُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ حِينَ قالَ لَهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ قَدْ أكْثَرَ عَلَيْنا وطَلَبَ مِنّا الأمْوالَ.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِبَعْضِهِمْ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾، وكَرَّرَ هاءَ التَنْبِيهِ تَأْكِيدًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فَإنَّما يَبْخَلُ عن شُحِّ نَفْسِهِ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ "عَلى" لِأنَّكَ تَقُولُ: بَخِلْتُ عَلَيْكَ بِكَذا وبَخِلْتُ عنكَ بِمَعْنى أمْسَكْتُ عنكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَعْنًى مُطَّرِدٌ في قَلِيلِ الأشْياءِ وكَثِيرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قِيلَ: الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، والقَوْمُ الغَيْرُ هم أهْلُ المَدِينَةِ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: الخِطابُ لِمَن حَضَرَ المَدِينَةَ، والقَوْمُ الغَيْرُ هم أهْلُ اليَمَنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ والعَرَبِ حِينَئِذٍ، والقَرْمُ الغَيْرُ فارِسٍ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عن هَذا وكانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فَخْذِهِ وقالَ: "قَوْمٌ هَذا، لَوْ كانَ الدَيْنُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أهْلِ فارِسٍ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (p-٦٦٣)مَعْناهُ: في الخِلافِ والتَوَلِّي والبُخْلِ بِالأمْوالِ ونَحْوِ هَذا، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا أنَّ القَوْمَ الغَيْرُ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

If He should ask you for them and press you, you would withhold, and He would expose your unwillingness.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلُ فَإنَّما يَبْخَلُ عن نَفْسِهِ واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهِنُوا في الجِهادِ بِسَبَبِها، ووَصَفَها بِاللَعِبِ واللهْوِ هو عَلى أنَّها وما فِيها مِمّا يُخْتَصُّ بِها لَعِبٌ ولَهْوٌ، وإلّا فَفي الدُنْيا ما لَيْسَ بِلَعِبٍ ولا لَهْوٍ وهو الطاعَةُ وأمْرُ الآخِرَةِ وما جَرى مَجْراهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: هَذا هو المَطْلُوبُ مِنكم لا غَيْرُهُ، لا تَسْألُونَ أمْوالَكم أنْ تُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المَعْنى: لا يَسْألُكم كَثِيرًا مِن أمْوالِكم إحْفاءً، إنَّما يَسْألُكم غَيْضًا مِن فَيْضٍ، رُبْعُ العُشْرِ، فَطَيَّبُوا أنْفُسَكُمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى خُلُقِ ابْنِ آدَمَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، والإحْفاءُ هو أشَدُّ السُؤالِ، وهو المُخْجِلُ المُخْرِجُ ما عِنْدَ المَسْؤُولِ كُرْهًا، ومِنهُ حَفاءُ الرَجُلِ والتَحَفِّي مِنَ البَحْثِ عَنِ الشَيْءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ جُزِمَ عَلى جَوابِ شَرْطٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَخْرُجُ" جَزْمًا عَلى "تَبْخَلُوا"، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو: (p-٦٦٢)"وَيَخْرُجُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: وهو يَخْرُجُ، وحَكاها أبُو حاتِمٍ عن عِيسى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَخْرُجُ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: يَكُنْ بُخْلٌ وإخْراجٌ، فَلَمّا جاءَتِ العِبارَةُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلى أنَّ "أنَّ" الَّتِي مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإخْراجُ، والفاعِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُخْرِجْ" عَلى كُلِّ الِاخْتِلافاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ البُخْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ اللَفْظُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السُؤالُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ اللَفْظُ أيْضًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأيُّوبَ: "وَيَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ "أضْغانَكُمْ" رَفْعًا عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورُوِيَ عنهم "وَتَخْرُجُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَنُخْرِجُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ "أضْغانَكُمْ" نَصْبًا. و"الأضْغانُ" كَما قُلْنا: مُعْتَقَداتُ السُوءِ، وهَذا الَّذِي كانَ يَخافُ أنْ يَعْتَرِيَ المُسْلِمِينَ هو الَّذِي تُقَرِّبُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ حِينَ قالَ لَهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ قَدْ أكْثَرَ عَلَيْنا وطَلَبَ مِنّا الأمْوالَ.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِبَعْضِهِمْ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾، وكَرَّرَ هاءَ التَنْبِيهِ تَأْكِيدًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فَإنَّما يَبْخَلُ عن شُحِّ نَفْسِهِ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ "عَلى" لِأنَّكَ تَقُولُ: بَخِلْتُ عَلَيْكَ بِكَذا وبَخِلْتُ عنكَ بِمَعْنى أمْسَكْتُ عنكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَعْنًى مُطَّرِدٌ في قَلِيلِ الأشْياءِ وكَثِيرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قِيلَ: الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، والقَوْمُ الغَيْرُ هم أهْلُ المَدِينَةِ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: الخِطابُ لِمَن حَضَرَ المَدِينَةَ، والقَوْمُ الغَيْرُ هم أهْلُ اليَمَنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ والعَرَبِ حِينَئِذٍ، والقَرْمُ الغَيْرُ فارِسٍ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عن هَذا وكانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فَخْذِهِ وقالَ: "قَوْمٌ هَذا، لَوْ كانَ الدَيْنُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أهْلِ فارِسٍ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (p-٦٦٣)مَعْناهُ: في الخِلافِ والتَوَلِّي والبُخْلِ بِالأمْوالِ ونَحْوِ هَذا، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا أنَّ القَوْمَ الغَيْرُ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Reading a passage 3 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:35