قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ بِقُلُوبِكم.
والثّانِي: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ في أفْعالِكم.
﴿ ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ عامِرٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ وكانَ قاضِيًا عَلَيْها مِن قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: دَخَلْنا في الإسْلامِ عَلى أنَّ ما كانَ لَنا مِنَ الرِّبا فَهو باقٍ، وما كانَ عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وكَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ. (p-٣٥٢)
والثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في بَقِيَّةٍ مِنَ الرِّبا كانَتْ لِلْعَبّاسِ ومَسْعُودٍ وعَبْدِ يالِيلَ وحَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ وأسْلَمَ وقَدْ بَقِيَ بَعْضُهُ، فَما قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدٌّ، وما بَقِيَ مِنهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، حَرامٌ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ فَيَجِبُ رَدُّهُ فِيما قَبَضَ وبَقِيَ، فَيَرُدُّ ما قَبَضَ ويَسْقُطُ ما بَقِيَ، بِخِلافِ المَقْبُوضِ في الكُفْرِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهَذا حُكْمُهُ.
والثّانِي: مَعْناهُ إذا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ﴾ يَعْنِي تَرْكَ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا.
﴿ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ، بِمَعْنى: فَأعْلِمُوا غَيْرَكم، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ بِمَعْنى فاعْلَمُوا أنْتُمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الرِّبا أمَرْتُ النَّبِيَّ بِحَرْبِكم.
والثّانِي: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يَعْنِي أعْداءَهُ.
﴿ ﴾ يَعْنِي الَّتِي دَفَعْتُمْ ﴿ ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا الزِّيادَةَ عَلى رُؤُوسِ أمْوالِكم، ﴿ ﴾ بِأنْ تَمْنَعُوا رُؤُوسَ أمْوالِكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ﴾ قِيلَ: إنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ( ذا عُسْرَةٍ ) وهو جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْظارَ بِالعَسْرَةِ واجِبٌ في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يَجِبُ إنْظارُهُ بِالعُسْرَةِ في كُلِّ دَيْنٍ، لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ (p-٣٥٣)
عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْظارَ بِالعُسْرَةِ في دَيْنِ الرِّبا بِالنَّصِّ، وفي غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ بِالقِياسِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو أنْ يُوسِرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: إلى المَوْتِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
﴿ ﴾ يَعْنِي وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تُنْظِرُوهُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كانَ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِّبا، فَدَعُوا الرِّبا والرُّبْيَةَ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ﴾ أيِ اتَّقُوا بِالطّاعَةِ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَرْكِ الرِّبا وما بَقِيَ مِنهُ.
وَ ﴿ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى جَزاءِ اللَّهِ.
والثّانِي: إلى مُلْكِ اللَّهِ.
﴿ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: جَزاءُ ما كَسَبَتْ مِنَ الأعْمالِ.
والثّانِي: ما كَسَبَتْ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ ﴾ يَعْنِي بِنُقْصانِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ، ولا بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ. (p-٣٥٤)
رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثَ بَعْدَها سَبْعَ لَيالٍ.
»