All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Ar-Raʿd 13:33 Juzʾ 13 Page 253

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allah they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that which He knows not upon the earth or of what is apparent of speech?" Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allah leaves astray - there will be for him no guide.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم.

واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨].

صفحة ٤٥
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ.

الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ جُمْلَةً مُقَرِّرَةً لِإمْكانِ ما يُقارِنُها مِنَ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ، وهو قَوْلُهُ: ‏ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْرِيرًا لِلْإلَهِيَّةِ وتَصْرِيحًا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ: جَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويَحْرِمُ مِثْلِي.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الحُجَّةَ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: [ قُلْ سَمُّوهم ] وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُسَمّى ويُذْكَرَ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها، ثُمَّ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ والمُرادُ: أتَقْدِرُونَ عَلى أنْ تُخْبِرُوهُ وتُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ وهو لا يَعْلَمُهُ، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الأرْضِ لا في غَيْرِها ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي تُمَوِّهُونَ بِإظْهارِ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى ”بَلْ“ هاهُنا، كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ ما كُنّا فِيهِ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى إفْسادِ قَوْلِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم كُفْرُهم ومَكْرُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، قالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ في أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَذُمَّهم بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا شَياطِينُ الإنْسِ وإمّا شَياطِينُ الجِنِّ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُزَيِّنُ أحَدَ شَياطِينِ الجِنِّ أوِ الإنْسِ فالمُزَيِّنُ في قَلْبِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ هو اللَّهَ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ.

والثّانِي أنْ يُقالَ: القُلُوبُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ.

والثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَرْجِيحَ الدّاعِي لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِهِ يَجِبُ الفِعْلُ.

أما قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدُّوا“ بِضَمِّ الصّادِ، وفي حم: ﴿وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافِرٍ: ٣٧] عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِمَعْنى أنَّ الكُفّارَ صَدَّهم غَيْرُهم، وعِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ صَدَّهم. ولِلْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ وجْهانِ:

قِيلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ أنْفُسُهم وبَعْضُهم لِبَعْضٍ كَما يُقالُ: فُلانٌ مُعْجِبٌ وإنْ

صفحة ٤٦
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ غَيْرُهُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ والباقُونَ، وصَدُّوا بِفَتْحِ الصّادِ في السُّورَتَيْنِ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ أعْرَضُوا، وقِيلَ: صَرَفُوا غَيْرَهم، وهو لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الأُولى مُشاكَلَتُها لِما قَبْلَها مِن بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
ثم قال: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ هو اللَّهُ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِضَمِّ الصّادِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الصّادَّ هو اللَّهُ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وهو صَرِيحٌ في المَقْصُودِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ وذَلِكَ الصّادَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيَقَعُونَ في عِقابِ الآخِرَةِ وإخْبارُ اللَّهِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في هَذا الخَبَرِ امْتَنَعَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ لَقَدْ لَخَّصْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، قالَ القاضِي: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ عَنْ ثَوابِ الجَنَّةِ لِكُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ مُنْبِئٌ بِذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ لا يُنالُ إلّا بِالطّاعَةِ خاصَّةً فَمَن زاغَ عَنْها لَمْ يَجِدْ إلَيْها سَبِيلًا، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ مَن حَكَمَ بِأنَّهُ ضالٌّ وسَمّاهُ ضالًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن يُضْلِلِهُ اللَّهُ عَنِ الإيمانِ بِأنْ يَجِدَهُ كَذَلِكَ، ثم قال: والوجه الأوَّلُ أقْوى.

واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في شَرْحِ إيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُ ذَهابِهِمْ إلى الجَنَّةِ البَتَّةَ، فَصَرْفُ الكَلامِ عَنِ المَذْكُورِ إلى غَيْرِ المَذْكُورِ بَعِيدٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُساعِدُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرُوهُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ ومُخْبَرِهِ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِتِلْكَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّهُ جَمَعَ لَهم بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا، وبَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ، وأنَّهُ لا دافِعَ لَهم عَنْهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ، والقِتالِ، واللَّعْنِ، والذَّمِّ، والإهانَةِ، وهَلْ يَدْخُلُ المَصائِبُ والأمْراضُ في ذَلِكَ أمْ لا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ بَعْضُهم: إنَّها تَدْخُلُ فِيهِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها لا تَكُونُ عِقابًا، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ نَزَلَتْ بِهِ مُصِيبَةٌ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَيْها، ولَوْ كانَ عِقابًا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ، فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ الآيَةِ: القَتْلُ، والسَّبْيُ، واغْتِنامُ الأمْوالِ، واللَّعْنُ، وإنَّما قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّهُ أزْيَدُ إنْ شِئْتَ بِسَبَبِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الأنْواعِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَخْتَلِطُ بِها شَيْءٌ مِن مُوجِباتِ الرّاحَةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ أنَّ أحَدًا لا يَقِيهِمْ ما نَزَلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الواحِدِيُّ: أكْثَرُ القُرّاءِ وقَفُوا عَلى القافِ مِن غَيْرِ إثْباتِ ياءٍ في قَوْلِهِ: [واقٍ] وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والٍ﴾ [الرَّعْدِ: ١] وهو الوجه لِأنَّكَ تَقُولُ في الوَصْلِ: هَذا هادٍ، ووالٍ، وواقٍ، فَتَحْذِفُ الياءَ لِسُكُونِها والتِقائِها مَعَ التَّنْوِينِ، فَإذا وقَفْتَ انْحَذَفَ التَّنْوِينُ في الوَقْفِ في الرَّفْعِ والجَرِّ، والياءُ كانَتِ انْحَذَفَتْ فَيُصادِفُ الوَقْفُ الحَرَكَةَ الَّتِي هي كَسْرَةٌ في غَيْرِ فاعِلٍ، فَتَحْذِفُها كَما تَحْذِفُ سائِرَ الحَرَكاتِ الَّتِي تَقِفُ عَلَيْها، فَيَصِيرُ هادٍ، ووالٍ، وواقٍ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقِفُ بِالياءِ في هادِي، ووالِي، وواقِي. ووَجْهُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ مَن يُوثَقُ بِهِ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: هَذا داعِي فَيَقِفُونَ بِالياءِ.

The same ayah, in another commentary

Ar-Raʿd 13:33