All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Isrāʾ 17:97 Juzʾ 15 Page 292

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And whoever Allah guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides We increase them in blazing fire.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

صفحة ٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ القَوْمِ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ وأرْدَفَها بِالوَعِيدِ الإجْمالِيِّ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ذَكَرَ بَعْدَهُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ فالمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ، وهو أنَّ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم حُكْمُ اللَّهِ بِالإيمانِ والهِدايَةِ وجَبَ أنْ يَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ، ومَن سَبَقَ لَهم حُكْمُ اللَّهِ بِالضَّلالِ والجَهْلِ اسْتَحالَ أنْ يَنْقَلِبُوا عَنْ ذَلِكَ الضَّلالِ واسْتَحالَ أنْ يُوجَدَ مَن يَصْرِفُهم عَنْ ذَلِكَ الضَّلالِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ في الهُدى والضَّلالِ، والمُعْتَزِلَةُ حَمَلُوا هَذا الإضْلالَ تارَةً عَلى الإضْلالِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وتارَةً عَلى مَنعِ الألْطافِ وتارَةً عَلى التَّخْلِيَةِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالمَنعِ وهَذِهِ المَباحِثُ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ المَشْيُ عَلى وُجُوهِهِمْ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّهم يُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ (القَمَرِ: ٤٨) .

الثّانِي: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ ؟ قالَ: " إنَّ الَّذِي يُمْشِيهِمْ عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ»، قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الكُفّارُ أرْواحُهم شَدِيدَةُ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها ولَيْسَ لَها تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الأبْرارِ وحَضْرَةِ الإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَلَمّا كانَتْ وُجُوهُ قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ مُتَوَجِّهَةً إلى الدُّنْيا لا جَرَمَ كانَ حَشْرُهم عَلى وُجُوهِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّ واحِدًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ (الكَهْفِ: ٥٣) وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (الفُرْقانِ: ١٢) وقالَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٣) وقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ (النَّحْلِ: ١١١) وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (الأنْعامِ: ٢٣) فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّهم يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ ويَتَكَلَّمُونَ فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أجابَ ابْنُ عَبّاسٍ وتَلامِذَتُهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُمْيًا لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم، صُمًّا لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهم، بُكْمًا لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ.

الثّانِي: قالَ في رِوايَةِ عَطاءٍ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ، بُكْمًا عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ ومُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، صُمًّا عَنْ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلى أوْلِيائِهِ.

الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ حِينَ يُقالُ لَهم: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٨) يَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، أمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهم يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ ويَنْطِقُونَ.

الرّابِعُ: أنَّهم يَكُونُونَ رائِينَ سامِعِينَ ناطِقِينَ في المَوْقِفِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما قَدَرُوا عَلى أنْ يُطالِعُوا كُتُبَهم ولا أنْ يَسْمَعُوا إلْزامَ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلّا أنَّهم إذا أخَذُوا يَذْهَبُونَ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، والجَوابُ: أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم في النّارِ يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ ويَصِيحُونَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَظاهِرٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: الخَبْوُ سُكُونُ النّارِ، يُقالُ: خَبَتِ النّارُ تَخْبُو إذا سَكَنَ لَهَبُها، ومَعْنى خَبَتْ سَكَنَتْ وطُفِئَتْ يُقالُ في مَصْدَرِهِ الخَبْوُ وأخْبَأها المُخَبِّئُ إخْباءً أيْ أخْمَدَها ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِدْناهم سَعِيرًا أيْ تَلَهُّبًا.

البَحْثُ الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ تَعالى لا يُخَفِّفُ عَنْهُمُ العَذابَ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ يَخِفُّ في ذَلِكَ الوَقْتِ، قُلْنا: كُلَّما خَبَتْ يَقْتَضِي سُكُونَ لَهَبِ النّارِ، أما لا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ يَخِفُّ

صفحة ٥٢
العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ أنْ تَكُونَ الحالَةُ الثّانِيَةُ أزْيَدَ مِنَ الحالَةِ الأُولى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الحالَةُ الأُولى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ تَخْفِيفًا، والجَوابُ: الزِّيادَةُ حَصَلَتْ في الحالَةِ الأوْلى أخَفَّ مِن حُصُولِها في الحالَةِ الثّانِيَةِ فَكانَ العَذابُ شَدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَمّا عَظُمَ العَذابُ صارَ التَّفاوُتُ الحاصِلُ في أوْقاتِهِ غَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنْواعَ هَذا الوَعِيدِ قالَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والباءُ في قَوْلِهِ: بِأنَّهم كَفَرُوا باءُ السَّبَبِيَّةِ وهو حُجَّةٌ لِمَن يَقُولُ: العَمَلُ عِلَّةُ الجَزاءِ واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Isrāʾ 17:97