All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Baqarah 2:151 Juzʾ 2 Page 23

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom and teaching you that which you did not know.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوُجُوهٍ: بَعْضُها إلْزامِيَّةٌ، وهو أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ إبْراهِيمَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٣٠] وبَعْضُها بُرْهانِيَّةٌ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٣٦] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِحِكايَةِ شُبْهَتَيْنِ لَهم. إحْداهُما: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٣٥] . والثّانِيَةُ: اسْتِدْلالُهم بِإنْكارِ النَّسْخِ عَلى القَدْحِ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٢] وأطْنَبَ اللَّهُ

صفحة ١٢٩
تَعالى في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ وبِالحَقِّ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ أعْظَمَ شُبْهَةٍ لِلْيَهُودِ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْكارُ النَّسْخِ، فَلا جَرَمَ أطْنَبَ اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَصارَ هَذا الكَلامُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أشَدُّ اسْتِمالَةً لِحُصُولِ العِزِّ والشَّرَفِ في الدُّنْيا، والتَّخَلُّصُ مِنَ الذُّلِّ والمَهانَةِ يَكُونُ مَرْغُوبًا فِيهِ، وعِنْدَ اجْتِماعِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكافُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ أوْ بِما بَعْدَهُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرَّسُولِ.

الثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٢٩]، وقالَ أيْضًا: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٢٨] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِبَيانِ الشَّرائِعِ، وأهْدِيكم إلى الدِّينِ إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، وهو أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا، أيْ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِن شَأْنِهِ وصِفَتِهِ كَذا وكَذا، فَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالتَّقْدِيرُ: كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يُعَلِّمُكُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ، فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم وهو اخْتِيارُ الأصَمِّ، وتَقْرِيرُهُ: إنَّكم كُنْتُمْ عَلى صُورَةٍ لا تَتْلُونَ كِتابًا، ولا تَعْلَمُونَ رَسُولًا، ومُحَمَّدٌ ﷺ رَجُلٌ مِنكم لَيْسَ بِصاحِبِ كِتابٍ، ثُمَّ أتاكم بِأعْجَبِ الآياتِ يَتْلُوهُ عَلَيْكم بِلِسانِكم وفِيهِ ما في كُتُبِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ الخَبَرُ عَنْ أحْوالِهِمْ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى الأخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، والنَّهْيُ عَنْ أخْلاقِ السُّفَهاءِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ البُرْهانِ عَلى صِدْقِهِ، فَقالَ: كَما أوْلَيْتُكم هَذِهِ النِّعْمَةَ وجَعَلْتُها لَكم دَلِيلًا، فاذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ عَلَيْها، أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي وثَوابِي، والَّذِي يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٦٤] فَلَمّا ذَكَّرَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ والمِنَّةَ، أمَرَهم في مُقابَلَتِها بِالذِّكْرِ والشُّكْرِ، فَإنْ قِيلَ: (كَما) هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا ؟ قُلْنا: جَوَّزَهُ الفَرّاءُ وجَعَلَ لِـ (اذْكُرُونِي) جَوابَيْنِ. أحَدُهُما: (كَما) .

والثّانِي: ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الذِّكْرَ لِيَذْكُرَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، ولِما سَلَفَ مِن نِعْمَتِهِ، قالَ القاضِي: والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ قَبْلَ الكَلامِ إذا وُجِدَ ما يَتِمُّ بِهِ الكَلامُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ فَتَعَلُّقُهُ بِهِ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وجْهِ التَّشْبِيهِ قَوْلانِ: إنْ قُلْنا: الكافُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كانَ المَعْنى أنَّ النِّعْمَةَ في أمْرِ القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ بِالرِّسالَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ الأصْلَحَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ بِالذِّكْرِ جارِيَةٌ مَجْرى النِّعْمَةِ بِالرِّسالَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (ما) في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَصْدَرِيَّةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كَإرْسالِنا فِيكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كافَّةً.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ فالمُرادُ بِهِ العَرَبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ وفي إرْسالِهِ فِيهِمْ ومِنهم، نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ، ولِأنَّ المَشْهُورَ مِن حالِ العَرَبِ الأنَفَةُ الشَّدِيدَةُ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن واسِطَتِهِمْ؛ لِيَكُونُوا إلى القَبُولِ أقْرَبَ.

صفحة ١٣٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّهُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيَتَأدّى بِهِ العِباداتُ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيُسْتَفادُ مِنهُ جَمِيعُ العُلُومِ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيُسْتَفادُ مِنهُ مَجامِعُ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، فَكَأنَّهُ يَحْصُلُ مِن تِلاوَتِهِ كُلُّ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعَلِّمُهم ما إذا تَمَسَّكُوا بِهِ صارُوا أزْكِياءَ؛ عَنِ الحَسَنِ.

وثانِيها: يُزَكِّيهِمْ بِالثَّناءِ والمَدْحِ، أيْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ فَيَصِفُكم بِهِ، كَما يُقالُ: إنَّ المُزَكِّيَ زَكّى الشّاهِدَ، أيْ وصَفَهُ بِالزَّكاءِ.

وثالِثُها: أنَّ التَّزْكِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّنْمِيَةِ، كَأنَّهُ قالَ يُكَثِّرُكم، كَما قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٨٦] وذَلِكَ بِأنْ يَجْمَعَهم عَلى الحَقِّ فَيَتَواصَلُوا ويَكْثُرُوا، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذِهِ الوُجُوهُ غَيْرُ مُتَنافِيَةٍ، فَلَعَلَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِالمُطِيعِ كُلَّ ذَلِكَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَلَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تَعْلِيمِهِ إيّاهم، وأمّا ”الحِكْمَةُ“ فَهي العِلْمُ بِسائِرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلى تَفْصِيلِها، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -”الحِكْمَةُ“ هي سُنَّةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وجَهالَةٍ مِنَ الأُمَمِ، فالخَلْقُ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ ضالِّينَ في أمْرِ أدْيانِهِمْ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِالحَقِّ حَتّى عَلَّمَهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في دِينِهِمْ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ النِّعَمِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:151