All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Anbiyāʾ 21:97 Juzʾ 17 Page 330

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And [when] the true promise has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أمْرَ الأُمَّةِ مِن قَبْلُ وذَكَرَ تَفَرُّقَهم وأنَّهم أجْمَعَ راجِعُونَ إلى حَيْثُ لا أمْرَ إلّا لَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَيَّنَ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا وبَيْنَ أنْ يَعْمَلَ الصّالِحاتِ؛ فَيَدْخُلُ في الأوَّلِ العِلْمُ والتَّصْدِيقُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وفي الثّانِي فِعْلُ الواجِباتِ وتَرْكُ المَحْظُوراتِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ لا بُطْلانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏

صفحة ١٩١
‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١٩] فالكُفْرانُ مَثَلٌ في حِرْمانِ الثَّوابِ، والشُّكْرُ مَثَلٌ في إعْطائِهِ؛ وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ المُرادُ نَفْيُ الجِنْسِ؛ لِيَكُونَ في نِهايَةِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فالمُرادُ وإنّا لِسَعْيِهِ كاتِبُونَ، فَقِيلَ: المُرادُ حافِظُونَ لِنُجازِيَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كاتِبُونَ إمّا في أُمِّ الكِتابِ أوْ في الصُّحُفِ الَّتِي تُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَرْغِيبُ العِبادِ في التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏؛ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وحَرامٌ) خَبَرٌ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُبْتَدَأٍ، وهو إمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أوْ شَيْءٌ آخَرُ؛ أمّا الأوَّلُ فالتَّقْدِيرُ: أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمْ حَرامٌ أيْ مُمْتَنِعٌ، وإذا كانَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ مُمْتَنِعًا كانَ رُجُوعُهم واجِبًا، فَهَذا الرُّجُوعُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرُّجُوعَ إلى الآخِرَةِ أوْ إلى الدُّنْيا؛ أمّا الأوَّلُ: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الحَياةِ في الدّارِ الآخِرَةِ واجِبٌ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ إبْطالَ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُعْطِيهِ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ.

وأمّا الثّانِي: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الدُّنْيا واجِبٌ، لَكِنَّ المَعْلُومَ أنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا إلى الدُّنْيا فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّ الحَرامَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى الواجِبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والِاسْتِعْمالُ والشِّعْرُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١٥١]؛ وتَرْكُ الشِّرْكِ واجِبٌ، ولَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الخَنْساءِ:

وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو
يَعْنِي وإنَّ واجِبًا، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِأنَّ تَسْمِيَةَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٤٠] إذا ثَبَتَ هَذا فالمَعْنى أنَّهُ واجِبٌ عَلى أهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرُّجُوعِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ ولا يَتَوَلَّوْنَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ.

وثانِيها: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا وهو قَوْلُ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُتْرَكَ قَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ﴾ عَلى ظاهِرِهِ ويُجْعَلَ في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ صِلَةٌ زائِدَةٌ كَما أنَّهُ صِلَةٌ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأعراف: ١٢]؛ والمَعْنى حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها رُجُوعُهم إلى الدُّنْيا وهو كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٥٠] أوْ يَكُونَ المَعْنى وحَرامٌ عَلَيْهِمْ رُجُوعُهم عَنِ الشِّرْكِ وتَرْكِ الإيمانَ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا كُلُّهُ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ”﴿وحَرامٌ﴾“ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أمّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا لِشَيْءٍ آخَرَ فالتَّقْدِيرُ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ذاكَ، وهو المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ غَيْرِ المَكْفُورِ، ثُمَّ عَلَّلَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ عَنِ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ إنَّهم بِالكَسْرِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ يَصِحُّ حَمْلُها أيْضًا عَلى هَذا أيْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، فَأمّا عَلى تَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ فالمَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الآخِرَةِ واجِبٌ حَتّى إنَّ وجُوبَهُ يَبْلُغُ إلى حَيْثُ إنَّهُ إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ، فَإذا هي شاخِصَةٌ

صفحة ١٩٢
أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والمَعْنى أنَّهم يَكُونُونَ أوَّلَ النّاسِ حُضُورًا في مَحْفِلِ القِيامَةِ، فَحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، وهي غايَةٌ لَهُ؛ ولَكِنَّهُ غايَةٌ مِن جِنْسِ الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ: دَخَلَ الحاجُّ حَتّى المُشاةُ، وحَتّى هاهُنا هي الَّتِي يُحْكى بَعْدَها الكَلامُ. والكَلامُ المَحْكِيُّ هو هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ شُخُوصُ أبْصارِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ أيّامِ الدُّنْيا والجَزاءُ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، والشَّرْطُ والجَزاءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا مُتَقارِبَيْنِ، قُلْنا: التَّفاوُتُ القَلِيلُ يَجْرِي مَجْرى المَعْدُومِ، وأمّا عَلى التَّأْوِيلاتِ الباقِيَةِ فالمَعْنى أنَّ امْتِناعَ رُجُوعِهِمْ لا يَزُولُ: حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ المَعْنى فُتِحَ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُدْخَلِتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ في فُتِحَتْ لَمّا حُذِفَ المُضافُ؛ لِأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُؤَنَّثانِ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَتَيْنِ، وقِيلَ: حَتّى إذا فُتِحَتْ جِهَةُ يَأْجُوجَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هُما قَبِيلَتانِ مِن جِنْسِ الإنْسِ، يُقالُ: النّاسُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ؛ تِسْعَةٌ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ يَخْرُجُونَ حِينَ يُفْتَحُ السَّدُّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: السَّدُّ يَفْتَحُهُ اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً، وقِيلَ: بَلْ إذا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ دَكًّا زالَتِ الصَّلابَةُ عَنْ أجْزاءِ الأرْضِ فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ السَّدُّ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَحَشْوٌ في أثْناءِ الكَلامِ، والمَعْنى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ شَخَصَتْ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والحَدَبُ النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الظَّهْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ”مِن كُلِّ جَدَثٍ يَنْسِلُونَ“ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٥١] وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ؛ ونَسَلَ وعَسَلَ أسْرَعَ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ أيْ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ، فَيُحْشَرُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، والأوَّلُ هو الأوْجَهُ وإلّا لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ، وأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ إذا كَثُرُوا عَلى ما رُوِيَ في ”الخَبَرِ“ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُنْشَرُوا فَيَظْهَرَ إقْبالُهم عَلى النّاسِ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَلا شُبْهَةَ أنَّ الوَعْدَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ فاعْلَمْ أنَّ إذا هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، فَسَمّى المَوْعِدَ وعْدًا تَجَوُّزًا، وهي تَقَعُ في المُجازاةِ سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] فَإذا جاءَتِ الفاءُ مَعَها تَعاوَنَتا عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ؛ فَيَتَأكَّدُ، ولَوْ قِيلَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ أوْ فَهي شاخِصَةٌ كانَ سَدِيدًا، أمّا لَفْظَةُ ”هي“ فَقَدْ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ تَكُونَ كِنايَةً عَنِ الأبْصارِ، والمَعْنى فَإذا أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا شاخِصَةٌ أبْصارُهم كَنى عَنِ الأبْصارِ ثُمَّ أظْهَرَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ عِمادًا، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها هو فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤٠] ومِثْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحج: ٤٦] وجازَ التَّأْنِيثُ؛ لِأنَّ الأبْصارَ مُؤَنَّثَةٌ، وجازَ التَّذْكِيرُ لِلْعِمادِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ بِمَعْنى فَإذا القِصَّةُ شاخِصَةٌ، يَعْنِي أنَّ القِصَّةَ أنَّ أبْصارَ الَّذِينَ كَفَرُوا تَشْخَصُ عِنْدَ ذَلِكَ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ القِيامَةَ إذا قامَتْ شَخَصَتْ أبْصارُ هَؤُلاءِ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ، فَلا تَكادُ تَطْرِفُ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومِن تَوَقُّعِ ما يَخافُونَهُ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا

صفحة ١٩٣
حَيْثُ كَذَّبْناهُ وقُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ، بَلْ كُنّا ظالِمِينَ أنْفُسَنا بِتِلْكَ الغَفْلَةِ وبِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعِبادَةِ الأوْثانِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: يا ويْلَنا مِن حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ يَقُولُونَ: يا ويْلَنا.

The same ayah, in another commentary

Al-Anbiyāʾ 21:97