All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Qaṣaṣ 28:70 Juzʾ 20 Page 393

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And He is Allah; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُعَذَّبِينَ مِنَ الكُفّارِ وما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْبِيخِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَن يَتُوبُ مِنهم في الدُّنْيا تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وزَجْرًا عَنِ الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي عَسى وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ واللَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ.

وثانِيها: أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ في الفَلاحِ.

وثالِثُها: عَسى أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إنْ دامُوا عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ لِجَوازِ أنْ لا يَدُومُوا، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ شُبْهَةً أُخْرى ويَقُولُونَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ (الزُّخْرُفِ: ٣١) يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، أوْ أبا مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، وعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ حَكِيمٌ مُطْلَقٌ عُلِمَ أنَّهُ كُلَّ ما فَعَلَهُ كانَ حِكْمَةً وصَوابًا فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والخِيَرَةُ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيارِ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ والخِيَرَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلْمُخْتارِ، يُقالُ مُحَمَّدٌ خِيَرَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: وهو الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ويَكُونُ ﴿ما﴾ نَفْيًا، والمَعْنى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ؛ إذْ لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿ما﴾ بِمَعْنى الَّذِي فَيَكُونُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ، قالَ

صفحة ١٠
أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: وهَذا مُتَعَلَّقُ المُعْتَزِلَةِ في إيجابِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ عَلَيْهِ، وأيُّ صَلاحٍ في تَكْلِيفِ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ لَمْ يُكَلِّفْهُ لاسْتَحَقَّ الجَنَّةَ والنَّعِيمَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كَلَّفَهُ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ ما هو الأفْضَلُ؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ أفْضَلُ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ، قُلْنا: إذا عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الأفْضَلُ فَتَوْرِيطُهُ في العِقابِ الأبَدِيِّ لا يَكُونُ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُمُ: المُسْتَحِقُّ خَيْرٌ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ جَهْلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ مَن يَسْتَنْكِفُ مِن تُفَضُّلِهِ، أمّا الَّذِي ما حَصَّلَ الذّاتَ والصِّفاتِ إلّا بِخَلْقِهِ وبِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ مِن تَفَضُّلِهِ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ والِاخْتِيارَ والإعْزازَ والإذْلالَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وما يُعْلِنُونَ مِن مَطاعِنِهِمْ فِيهِ، وقَوْلِهِمْ هَلّا اخْتِيرَ غَيْرُهُ في النُّبُوَّةِ، ولَمّا بَيَّنَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والسَّفاهَةِ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، يُجازِي المُحْسِنِينَ عَلى طاعَتِهِمْ، ويُعاقِبُ العُصاةَ عَلى عِصْيانِهِمْ، وفِيهِ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِلْعُصاةِ ونِهايَةُ تَقْوِيَةِ القَلْبِ لِلْمُطِيعِينَ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَيَقُولُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِإظْهارِ هَذا التَّوْحِيدِ وبَيانِ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَهو ظاهِرٌ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ، بَلْ هو سُبْحانَهُ يُعْطِيهِ فَضْلًا وإحْسانًا، فَلَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (فاطِرٍ: ٣٤ )، ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (الزُّمَرِ: ٧٤ )، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (يُونُسَ: ١٠) أمّا المُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمُ الثَّوابُ مُسْتَحَقٌّ فَلا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِفِعْلِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ النّارِ فَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ مِنهم، قالَ القاضِي: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والشُّكْرَ مِن أهْلِ النّارِ أيْضًا بِما فَعَلَهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ التَّمْكِينِ والتَّيْسِيرِ والألْطافِ وسائِرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهم بِإساءَتِهِمْ لا يَخْرُجُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يُوجِبَ الشُّكْرَ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ مُضْطَرُّونَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَإذا عَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَبائِحِ يَجِبُ عَلى اللَّهِ قَبُولُها، وعَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابَ، وهم قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ وعالِمُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخَلِّصُهم عَنِ العَذابِ، ويُدْخِلُهم في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أفَتَرى أنَّ الإنْسانَ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتْرُكُ هَذِهِ التَّوْبَةَ ؟

كَلّا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتُوبُوا وأنْ يَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ، ومَتى فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ العِقابُ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ فَهو إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَحُكْمُ كُلِّ أحَدٍ سِواهُ إنَّما نُفِّذَ بِحُكْمِهِ، فَلَوْلا حُكْمُهُ لَما نُفِّذَ عَلى العَبْدِ حُكْمُ سَيِّدِهِ، ولا عَلى الزَّوْجَةِ حُكْمُ زَوْجِها، ولا عَلى الِابْنِ حُكْمُ أبِيهِ، ولا عَلى الرَّعِيَّةِ حُكْمُ سُلْطانِهِمْ، ولا عَلى الأُمَّةِ حُكْمُ الرَّسُولِ، فَهو الحاكِمُ في الحَقِيقَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الحاكِمُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَتَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ العِبادِ في الآخِرَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فالمَعْنى: وإلى مَحَلِّ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ، فَإنَّ كَلِمَةَ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Qaṣaṣ 28:70