All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-ʿAnkabūt 29:47 Juzʾ 21 Page 402

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And thus We have sent down to you the Qur'an. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ طَرِيقَةَ إرْشادِ المُشْرِكِينَ، ونَفَعَ مَنِ انْتَفَعَ وحَصَلَ اليَأْسُ مِمَّنِ امْتَنَعَ بَيَّنَ طَرِيقَةَ إرْشادِ أهْلِ الكِتابِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ لا تُجادِلُوهم بِالسَّيْفِ، وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا إذا ظَلَمُوا وحارَبُوا، أيْ إذا ظَلَمُوا زائِدًا عَلى كُفْرِهِمْ، وفِيهِ مَعْنًى ألْطَفُ مِنهُ وهو أنَّ المُشْرِكَ جاءَ بِالمُنْكَرِ عَلى ما بَيَّنّاهُ فَكانَ اللّائِقُ أنْ يُجادَلَ بِالأخْشَنِ ويُبالَغَ في تَهْجِينِ مَذْهَبِهِ وتَوْهِينِ شُبَهِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقالَ:

صفحة ٦٧
‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأعراف: ١٧٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا أهْلُ الكِتابِ فَجاءُوا بِكُلِّ حَسَنٍ إلّا الِاعْتِرافَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوَحَّدُوا وآمَنُوا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَلِمُقابَلَةِ إحْسانِهِمْ يُجادَلُونَ أوَّلًا بِالأحْسَنِ ولا تُسْتَخَفُّ آراؤُهم ولا يُنْسَبُ إلى الضَّلالِ آباؤُهم، بِخِلافِ المُشْرِكِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَبْيِينٌ لَهُ حُسْنٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا الَّذِينَ أشْرَكُوا مِنهم بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ والقَوْلِ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ. فَإنَّهم ضاهَوْهم في القَوْلِ المُنْكَرِ فَهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَيُجادَلُونَ بِالأخْشَنِ مِن تَهْجِينِ مَقالَتِهِمْ وتَبْيِينِ جَهالَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأحْسَنَ فَقَدَّمَ مَحاسِنَهم بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَيَلْزَمُنا اتِّباعُ ما قالَهُ لَكِنَّهُ بَيَّنَ رِسالَتِي في كُتُبِكم فَهو دَلِيلٌ مُضِيءٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ دَلِيلًا قِياسِيًّا فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي كَما أنْزَلْنا عَلى مَن تَقَدَّمَكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ وهَذا قِياسٌ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِوُجُودِ النَّصِّ ومِن هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مَن آمَنَ بِنَبِيِّنا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وبِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مِن أهْلِ مَكَّةَ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا ﷺ زَمانًا مِن أهْلِ الكِتابِ، ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ وهَذا أقْرَبُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ صَرْفُهُ إلى أهْلِ الكِتابِ أوْلى؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ ولا ذِكْرَ لِلْمُشْرِكِينَ هَهُنا، إذْ كانَ هَذا الكَلامُ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أوْلى وأقْرَبُ إلى العَقْلِ والنَّقْلِ، وأقْرَبُ إلى الأحْسَنِ مِنَ الجِدالِ المَأْمُورِ بِهِ، وهو أنْ نَقُولَ: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الأنْبِياءُ وبِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو أقْرَبُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ في الحَقِيقَةِ هُمُ الأنْبِياءُ، فَإنَّ اللَّهَ ما آتى الكِتابَ إلّا لِلْأنْبِياءِ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] وقالَ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] وإذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى هَذا لا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ كُلَّ الأنْبِياءِ آمَنُوا بِكُلِّ الأنْبِياءِ، وإذا قُلْنا بِما قالُوا بِهِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ واثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةً مَعَهُ أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ غَيْرَ المَذْكُورِينَ، وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ مَخْرَجُ الكَلامِ كَأنَّهُ قَسَّمَ القَوْمَ قِسْمَيْنِ أحَدُهُما المُشْرِكِينَ، وتَكَلَّمَ فِيهِمْ وفَرَغَ مِنهم، والثّانِي أهْلَ الكِتابِ وهو بُعْدٌ في بَيانِ أمْرِهِمْ، والوَقْتُ وقْتُ جَرَيانِ ذِكْرِهِمْ، فَإذا قالَ هَؤُلاءِ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم في وصْفِهِمْ، وإذا قالَ أُولَئِكَ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وتَحَقَّقَ أمْرُهم، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الجِدالُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخِلافَ في الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ قَرِيبٌ مِنَ الخِلافِ في فَضِيلَةِ الرُّؤَساءِ والمُلُوكِ، فَإذا اخْتَلَفَ حِزْبانِ في فَضِيلَةِ مَلِكَيْنِ أوْ رَئِيسَيْنِ، وأدّى الِاخْتِلافُ إلى الِاقْتِتالِ يَكُونُ أقْوى كَلامٍ يَصْلُحُ بَيْنَهم أنْ يُقالَ لَهم هَذانِ المَلِكانِ مُتَوافِقانِ مُتَصادِقانِ، فَلا مَعْنى لِنِزاعِكم، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَحْنُ آمَنّا بِالأنْبِياءِ وهم آمَنُوا بِي فَلا مَعْنى لِتَعَصُّبِكم لَهم، وكَذَلِكَ أكابِرُكم وعُلَماؤُكم آمَنُوا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ تَنْفِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، يَعْنِي أنَّكم آمَنتُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ، وامْتَزْتُمْ عَنِ المُشْرِكِينَ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، إلّا هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ، وبِإنْكارِها تَلْتَحِقُونَ بِهِمْ وتُبْطِلُونَ مَزاياكم، فَإنَّ الجاحِدَ بِآيَةٍ يَكُونُ كافِرًا.

The same ayah, in another commentary

Al-ʿAnkabūt 29:47