All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Āl ʿImrān 3:185 Juzʾ 4 Page 74

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدُ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُبالَغَةُ في إزالَةِ الحُزْنِ مِن قَلْبِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ عاقِبَةَ الكُلِّ المَوْتُ، وهَذِهِ الغُمُومُ والأحْزانُ تَذْهَبُ وتَزُولُ ولا يَبْقى شَيْءٌ مِنها، والحُزْنُ مَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتِ العاقِلُ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارٌ يَتَمَيَّزُ فِيها المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، ويَتَوَفَّرُ عَلى عَمَلِ كُلِّ واحِدٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في غايَةِ القُوَّةِ في إزالَةِ الحُزْنِ والغَمِّ عَنْ قُلُوبِ العُقَلاءِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ سُؤالٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَمّى بِالنَّفْسِ، قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وأيْضًا النَّفْسُ والذّاتُ واحِدٌ فَعَلى هَذا يَدْخُلُ الجَماداتُ تَحْتَ اسْمِ النَّفْسِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا عُمُومُ المَوْتِ في الجَماداتِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَمُوتَ الدّاخِلُونَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ، وهَذا العُمُومُ يَقْتَضِي مَوْتَ الكُلِّ، وأيْضًا يَقْتَضِي وُقُوعَ المَوْتِ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولِأهْلِ النّارِ لِأنَّ كُلَّهم نُفُوسٌ.

وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُكَلَّفُونَ الحاضِرُونَ في دارِ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّ هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا فِيهِمْ، وأيْضًا العامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقى حُجَّةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”ذائِقَةُ“ فاعِلَةٌ مِنَ الذَّوْقِ، واسْمُ الفاعِلِ إذا أُضِيفَ إلى اسْمٍ وأُرِيدَ بِهِ الماضِي لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الجَرُّ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ ضارِبُ عَمْرٍو أمْسِ، فَإنْ أرَدْتَ بِهِ الحالَ والِاسْتِقْبالَ جازَ الجَرُّ والنَّصْبُ،

صفحة ١٠٢
تَقُولُ: هو ضارِبُ زَيْدٍ غَدًا، وضارِبٌ زِيدًا غَدًا، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزمر: ٣٨] و”كاشِفاتُ ضُرِّهِ“ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ لِلِاسْتِقْبالِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ”ذائِقَةً المَوْتَ“ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ ”المَوْتَ“ وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ الأعْمَشُ ”ذائِقَةُ المَوْتَ“ بِطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ كَقَوْلِهِ:

ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا
وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَأْتِي في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّ المَوْتَ واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ولا تَزالُ تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الحالَةُ إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ كانَ المَوْتُ ضَرُورِيًّا في هَذِهِ الحَياةِ. قالُوا: وقَوْلُهُ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّفُوسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ جَعَلَ النَّفْسَ ذائِقَةَ المَوْتِ، والذّائِقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ الذَّوْقِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ مَوْتِ البَدَنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ البَدَنِ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، وأيْضًا: لَفْظُ النَّفْسِ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ضَرُورَةَ المَوْتِ مُخْتَصَّةٌ بِالحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَأمّا الأرْواحُ المُجَرَّدَةُ فَلا، وقَدْ جاءَ في الرِّواياتِ ما هو خِلافُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ ماتَ أهْلُ الأرْضِ، ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَتِ المَلائِكَةُ: مُتْنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ يُسَمّى بِالمَيِّتِ وإنَّما لا يُسَمّى المُذَكّى بِالمَيِّتِ بِسَبَبِ التَّخْصِيصِ بِالعُرْفِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَمامَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَنفَعَةٍ تَصِلُ إلى المُكَلَّفِ في الدُّنْيا فَهي مُكَدَّرَةٌ بِالغُمُومِ والهُمُومِ وبِخَوْفِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ، والأجْرُ التّامُّ والثَّوابُ الكامِلُ إنَّما يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ هُناكَ يَحْصُلُ السُّرُورُ بِلا غَمٍّ، والأمْنُ بِلا خَوْفٍ، واللَّذَّةُ بِلا ألَمٍ. والسَّعادَةُ بِلا خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وكَذا القَوْلُ في جانِبِ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا ألَمٌ خالِصٌ عَنْ شَوائِبِ اللَّذَّةِ، بَلْ يَمْتَزِجُ بِهِ راحاتٌ وتَخْفِيفاتٌ، وإنَّما الألَمُ التّامُّ الخالِصُ الباقِي هو الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ الزَّحْزَحَةُ التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ، وهو تَكْرِيرُ الزَّحِّ، والزَّحُّ هو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ حِينَما كانَ في الدُّنْيا كَأنَّهُ كانَ في النّارِ، وما ذاكَ إلّا لِكَثْرَةِ آفاتِها وشِدَّةِ بَلِيّاتِها، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ» “ .
واعْلَمْ أنَّهُ لا مَقْصُودَ لِلْإنْسانِ وراءَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، الخَلاصِ عَنِ العَذابِ، والوُصُولِ إلى الثَّوابِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن وصَلَ إلى هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ فَقَدْ فازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى والغايَةِ الَّتِي لا مَطْلُوبَ بَعْدَها. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» “ وقَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ( فَمَن

صفحة ١٠٣

زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيُؤْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ» “ .

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ الغُرُورُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: غَرَّرْتُ فُلانًا غُرُورًا، شَبَّهَ اللَّهُ الدُّنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ عَلَيْهِ حَتّى يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ فَسادُهُ ورَداءَتُهُ، والشَّيْطانُ هو المُدَلِّسُ الغَرُورُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ هَذا في حَقِّ مَن آثَرَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وأمّا مَن طَلَبَ الآخِرَةَ بِها فَإنَّها نِعْمَ المَتاعُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ فَسادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِلْإنْسانِ جَمِيعُ مُراداتِهِ لَكانَ غَمُّهُ وهَمُّهُ أزْيَدَ مِن سُرُورِهِ، لِأجْلِ قِصَرِ وقْتِهِ وقِلَّةِ الوُثُوقِ بِهِ وعَدَمِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ هَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أمْ لا.

وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ وِجْدانُهُ بِمُراداتِ الدُّنْيا أكْثَرَ كانَ حِرْصُهُ في طَلَبِها أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الحِرْصُ أكْثَرَ كانَ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِرْصِ أشَدَّ، فَإنَّ الإنْسانَ يَتَوَهَّمُ أنَّهُ إذا فازَ بِمَقْصُودِهِ سَكَنَتْ نَفْسُهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَزْدادُ طَلَبُهُ وحِرْصُهُ ورَغْبَتُهُ.

وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ بِقَدْرِ ما يَجِدُ مِنَ الدُّنْيا يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ السَّعاداتِ والخَيْراتِ، ومَتى عَرَفْتَ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ عَلِمْتَ أنَّ الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ، وأنَّها كَما وصَفَها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قالَ: لِينُ مَسِّها قاتِلُ سُمِّها. وقالَ بَعْضُهم: الدُّنْيا ظاهِرُها مَطِيَّةُ السُّرُورِ، وباطِنُها مَطِيَّةُ الشُّرُورِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allah much abuse. But if you are patient and fear Allah - indeed, that is of the matters [worthy] of determination.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ زادَ في تَسْلِيَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ بَعْدَ أنْ آذَوُا الرَّسُولَ والمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَيُؤْذُونَهم أيْضًا في المُسْتَقْبَلِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُهم، مِنَ الإيذاءِ بِالنَّفْسِ والإيذاءِ بِالمالِ، والغَرَضُ مِن هَذا الإعْلامِ أنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ وتَرْكِ الجَزَعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يَعْلَمْ نُزُولَ البَلاءِ عَلَيْهِ فَإذا أُنْزِلَ البَلاءُ عَلَيْهِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أمّا إذا كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ، فَإذا نَزَلَ لَمْ يَعْظُمْ وقْعُهُ عَلَيْهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً وضُمَّتِ الواوُ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ، ولَمْ تُكْسَرْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّها واوُ جَمْعٍ فَحُرِّكَتْ بِما كانَ يَجِبُ لِما قَبْلَها مِنَ الضَّمِّ، ومِثْلُهُ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] .

صفحة ١٠٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (لَتُبْلَوُنَّ) لَتُخْتَبَرُنَّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى الِاخْتِبارُ لِأنَّهُ طَلَبَ المَعْرِفَةَ لِيَعْرِفَ الجَيِّدَ مِنَ الرَّدِيءِ، ولَكِنَّ مَعْناهُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُعامِلُ العَبْدَ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ ما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ والفَقْرِ وما يَنالُهم مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ والهَزِيمَةِ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، ومِن حَيْثُ أُلْزِمُوا الصَّبْرَ في الجِهادِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشَّدِيدَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالبَدَنِ والمالِ، وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ والجِهادُ. قالَ القاضِي: والظّاهِرُ يَحْتَمِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فالمُرادُ مِنهُ أنْواعُ الإيذاءِ الحاصِلَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، وكانُوا يَطْعَنُونَ في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِكُلِّ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولَقَدْ هَجاهُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا يُحَرِّضُونَ النّاسَ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ . وأمّا المُشْرِكُونَ فَهم كانُوا يُحَرِّضُونَ النّاسَ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ ويَجْمَعُونَ العَساكِرَ عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ ويُثَبِّطُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ نُصْرَتِهِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَحْمُولًا عَلى الكُلِّ إذْ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الثّانِي.
ثُمَّ قالَ تَعالى عَطْفًا عَلى الأمْرَيْنِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: «بَعَثَ الرَّسُولُ ﷺ أبا بَكْرٍ إلى فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ يَسْتَمِدُّهُ، فَقالَ فِنْحاصُ: قَدِ احْتاجَ رَبُّكَ إلى أنْ نُمِدَّهُ، فَهَمَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ: لا تَغْلِبَنَّ عَلى شَيْءٍ حَتّى تَرْجِعَ إلَيَّ، فَتَذَكَّرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ وكَفَّ عَنِ الضَّرْبِ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْآيَةِ تَأْوِيلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُصابَرَةِ عَلى الِابْتِلاءِ في النَّفْسِ والمالِ، والمُصابَرَةِ عَلى تَحَمُّلِ الأذى وتَرْكِ المُعارَضَةِ والمُقابَلَةِ، وإنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى دُخُولِ المُخالِفِ في الدِّينِ، كَما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [طه: ٤٤] وقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [الجاثية: ١٤] والمُرادُ بِهَذا الغُفْرانِ الصَّبْرُ وتَرْكُ الِانْتِقامِ، وقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٧٢] وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [فصلت: ٣٤] قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ.

قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الَّذِي عِنْدِي أنَّ هَذا لَيْسَ بِمَنسُوخٍ، والظّاهِرُ أنَّها نَزَلَتْ عَقِيبَ قِصَّةِ أُحُدٍ، والمَعْنى أنَّهم أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلى ما يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى طَرِيقِ الأقْوالِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم، واسْتِعْمالِ مُداراتِهِمْ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ، والأمْرُ بِالقِتالِ لا يُنافِي الأمْرَ بِالمُصابَرَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الواحِدِيِّ ضَعِيفٌ، والقَوْلُ ما قالَهُ القَفّالُ.

الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى: الصَّبْرَ عَلى مُجاهَدَةِ الكُفّارِ

صفحة ١٠٥
ومُنابَذَتَهم والإنْكارَ عَلَيْهِمْ، فَأُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ، والجَرْيَ عَلى نَهْجِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الإنْكارِ عَلى اليَهُودِ والِاتِّقاءَ عَنِ المُداهَنَةِ مَعَ الكُفّارِ والسُّكُوتِ عَنْ إظْهارِ الإنْكارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الصَّبْرُ عِبارَةٌ عَنِ احْتِمالِ المَكْرُوهِ، والتَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِرازِ عَمّا لا يَنْبَغِي فَقَدَّمَ ذِكْرَ الصَّبْرِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ التَّقْوى، لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يُقْدِمُ عَلى الصَّبْرِ لِأجْلِ أنَّهُ يُرِيدُ الِاتِّقاءَ عَمّا لا يَنْبَغِي. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّبْرِ هو أنَّ مُقابَلَةَ الإساءَةِ بِالإساءَةِ تُفْضِي إلى ازْدِيادِ الإساءَةِ، فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ تَقْلِيلًا لِمَضارِّ الدُّنْيا، وأُمِرَ بِالتَّقْوى تَقْلِيلًا لِمَضارِّ الآخِرَةِ، فَكانَتِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ جامِعَةً لِآدابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِن صَوابِ التَّدْبِيرِ الَّذِي لا شَكَّ في ظُهُورِ الرُّشْدِ فِيهِ، وهو مِمّا يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ، فَتَأْخُذُ نَفْسُهُ لا مَحالَةَ بِهِ، والعَزْمُ كَأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الحَزْمِ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ألْزَمْتُهُ إيّاكَ لا مَحالَةَ عَلى وجْهٍ لا يَجُوزُ ذَلِكَ التَّرَخُّصُ في تَرْكِهِ، فَما كانَ مِنَ الأُمُورِ حَمِيدَ العاقِبَةِ مَعْرُوفًا بِالرُّشْدِ والصَّوابِ فَهو مِن عَزْمِ الأُمُورِ لِأنَّهُ مِمّا لا يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يَتَرَخَّصَ في تَرْكِهِ. ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا قَدْ عُزِمَ عَلَيْكم فِيهِ أيْ أُلْزِمْتُمُ الأخْذَ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention, O Muhammad], when Allah took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ شُبُهًا طاعِنَةً في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأجابَ عَنْهُ أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أُمَّةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أنْ يَشْرَحُوا ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ دِينِهِ وصِدْقِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ، والمُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكم إيرادُ الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ ودِينِهِ مَعَ أنَّ كُتُبَكم ناطِقَةٌ ودالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم ذِكْرُ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ودِينِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ احْتِمالَ الأذى مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ إيذائِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ أنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانُوا يُحَرِّفُونَها ويَذْكُرُونَ لَها تَأْوِيلاتٍ فاسِدَةً، فَبَيَّنَ أنَّ هَذا مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها الصَّبْرُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”لَيُبَيِّنُنَّهُ ولا يَكْتُمُونَهُ“ بِالياءِ فِيهِما كِنايَةً عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ الَّذِي كانَ حاصِلًا في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ، أيْ فَقالَ لَهم: لَتُبَيِّنُنَّهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [البقرة: ٨٣] بِالتّاءِ

صفحة ١٠٦
والياءِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ أخْذِ المِيثاقِ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْرَدُوا الدَّلائِلَ في جَمِيعِ أبْوابِ التَّكالِيفِ وألْزَمُوهم قَبُولَها، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما أخَذَ المِيثاقَ مِنهم عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَذَلِكَ التَّوْكِيدُ والإلْزامُ هو المُرادُ بِأخْذِ المِيثاقِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَأُونَ ”وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ“ فَقالَ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ إلْزامَ هَذا الإظْهارِ لا شَكَّ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِعُلَماءِ القَوْمِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ما في الكِتابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: هو عائِدٌ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: يَعُودُ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أخَذْنا مِيثاقَهم بِأنْ يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اللّامُ لامُ التَّأْكِيدِ يَدْخُلُ عَلى اليَمِينِ، تَقْدِيرُهُ: اسْتَحْلَفَهم لَيُبَيِّنُنَّهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما قالَ: ولا تَكْتُمُونَهُ ولَمْ يَقُلْ: ولا تَكْتُمْنَهُ، لِأنَّ الواوَ واوُ الحالِ دُونَ واوِ العَطْفِ، والمَعْنى لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ غَيْرَ كاتِمِينَ.

فَإنْ قِيلَ: البَيانُ يُضادُّ الكِتْمانَ، فَلَمّا أمَرَ بِالبَيانِ كانَ الأمْرُ بِهِ نَهْيًا عَنِ الكِتْمانِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ ؟

قُلْنا: المُرادُ مِنَ البَيانِ ذِكْرُ تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ أنْ لا يُلْقُوا فِيها التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةَ والشُّبُهاتِ المُعَطِّلَةَ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ وإنْ كانَ مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ والنَّصارى فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أيْضًا دُخُولُ المُسْلِمِينَ فِيهِ، لِأنَّهم أهْلُ القُرْآنِ وهو أشْرَفُ الكُتُبِ. حُكِيَ أنَّ الحَجّاجَ أرْسَلَ إلى الحَسَنِ وقالَ: ما الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ ؟ فَقالَ: ما كُلُّ الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي قُلْتُهُ، ولا كُلُّ ما قُلْتُهُ بَلَغَكَ، قالَ: أنْتَ الَّذِي قُلْتَ إنَّ النِّفاقَ كانَ مَقْمُوعًا فَأصْبَحَ قَدْ تَعَمَّمَ وتَقَلَّدَ سَيْفًا ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقالَ: وما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى هَذا ونَحْنُ نَكْرَهُهُ ؟ قالَ: لِأنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ. وقالَ قَتادَةُ: مَثَلُ عِلْمٍ لا يُقالُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ، ومَثَلُ حِكْمَةٍ لا تَخْرُجُ كَمَثَلِ صَنَمٍ قائِمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وكانَ يَقُولُ: طُوبى لِعالِمٍ ناطِقٍ، ولِمُسْتَمِعٍ واعٍ، هَذا عَلِمَ عِلْمًا فَبَذَلَهُ، وهَذا سَمِعَ خَيْرًا فَوَعاهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن كَتَمَ عِلْمًا عَنْ أهْلِهِ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ» “ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يُعَلِّمُوا.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّهم لَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، والنَّبْذُ وراءَ الظَّهْرِ مِثْلُ الطَّرْحِ وتَرْكِ الِاعْتِدادِ، ونَقِيضُهُ: جَعْلُهُ نُصْبَ عَيْنِهِ وإلْقاؤُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْناهُ أنَّهم أخْفَوُا الحَقَّ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى وِجْدانِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا،
صفحة ١٠٧
فَكُلُّ مَن لَمْ يُبَيِّنِ الحَقَّ لِلنّاسِ وكَتَمَ شَيْئًا مِنهُ لِغَرَضٍ فاسِدٍ، مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَّلَمَةِ وتَطْيِيبٍ لِقُلُوبِهِمْ، أوْ لِجَرِّ مَنفَعَةٍ، أوْ لِتَقِيَّةٍ وخَوْفٍ، أوْ لِبُخْلٍ بِالعِلْمِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allah is over all things competent.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 3:185–189 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:185