All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Āl ʿImrān 3:185 Juzʾ 4 Page 74

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدُ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُبالَغَةُ في إزالَةِ الحُزْنِ مِن قَلْبِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ عاقِبَةَ الكُلِّ المَوْتُ، وهَذِهِ الغُمُومُ والأحْزانُ تَذْهَبُ وتَزُولُ ولا يَبْقى شَيْءٌ مِنها، والحُزْنُ مَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتِ العاقِلُ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارٌ يَتَمَيَّزُ فِيها المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، ويَتَوَفَّرُ عَلى عَمَلِ كُلِّ واحِدٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في غايَةِ القُوَّةِ في إزالَةِ الحُزْنِ والغَمِّ عَنْ قُلُوبِ العُقَلاءِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ سُؤالٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَمّى بِالنَّفْسِ، قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وأيْضًا النَّفْسُ والذّاتُ واحِدٌ فَعَلى هَذا يَدْخُلُ الجَماداتُ تَحْتَ اسْمِ النَّفْسِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا عُمُومُ المَوْتِ في الجَماداتِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَمُوتَ الدّاخِلُونَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ، وهَذا العُمُومُ يَقْتَضِي مَوْتَ الكُلِّ، وأيْضًا يَقْتَضِي وُقُوعَ المَوْتِ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولِأهْلِ النّارِ لِأنَّ كُلَّهم نُفُوسٌ.

وجَوابُهُ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُكَلَّفُونَ الحاضِرُونَ في دارِ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّ هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا فِيهِمْ، وأيْضًا العامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقى حُجَّةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”ذائِقَةُ“ فاعِلَةٌ مِنَ الذَّوْقِ، واسْمُ الفاعِلِ إذا أُضِيفَ إلى اسْمٍ وأُرِيدَ بِهِ الماضِي لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الجَرُّ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ ضارِبُ عَمْرٍو أمْسِ، فَإنْ أرَدْتَ بِهِ الحالَ والِاسْتِقْبالَ جازَ الجَرُّ والنَّصْبُ،

صفحة ١٠٢
تَقُولُ: هو ضارِبُ زَيْدٍ غَدًا، وضارِبٌ زِيدًا غَدًا، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزمر: ٣٨] و”كاشِفاتُ ضُرِّهِ“ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ لِلِاسْتِقْبالِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ”ذائِقَةً المَوْتَ“ بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ ”المَوْتَ“ وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ الأعْمَشُ ”ذائِقَةُ المَوْتَ“ بِطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ كَقَوْلِهِ:

ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا
وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَأْتِي في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّ المَوْتَ واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ولا تَزالُ تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الحالَةُ إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ كانَ المَوْتُ ضَرُورِيًّا في هَذِهِ الحَياةِ. قالُوا: وقَوْلُهُ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّفُوسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ جَعَلَ النَّفْسَ ذائِقَةَ المَوْتِ، والذّائِقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ الذَّوْقِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ مَوْتِ البَدَنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ البَدَنِ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، وأيْضًا: لَفْظُ النَّفْسِ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ضَرُورَةَ المَوْتِ مُخْتَصَّةٌ بِالحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَأمّا الأرْواحُ المُجَرَّدَةُ فَلا، وقَدْ جاءَ في الرِّواياتِ ما هو خِلافُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ ماتَ أهْلُ الأرْضِ، ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَتِ المَلائِكَةُ: مُتْنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ يُسَمّى بِالمَيِّتِ وإنَّما لا يُسَمّى المُذَكّى بِالمَيِّتِ بِسَبَبِ التَّخْصِيصِ بِالعُرْفِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَمامَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَنفَعَةٍ تَصِلُ إلى المُكَلَّفِ في الدُّنْيا فَهي مُكَدَّرَةٌ بِالغُمُومِ والهُمُومِ وبِخَوْفِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ، والأجْرُ التّامُّ والثَّوابُ الكامِلُ إنَّما يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ هُناكَ يَحْصُلُ السُّرُورُ بِلا غَمٍّ، والأمْنُ بِلا خَوْفٍ، واللَّذَّةُ بِلا ألَمٍ. والسَّعادَةُ بِلا خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وكَذا القَوْلُ في جانِبِ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا ألَمٌ خالِصٌ عَنْ شَوائِبِ اللَّذَّةِ، بَلْ يَمْتَزِجُ بِهِ راحاتٌ وتَخْفِيفاتٌ، وإنَّما الألَمُ التّامُّ الخالِصُ الباقِي هو الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ الزَّحْزَحَةُ التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ، وهو تَكْرِيرُ الزَّحِّ، والزَّحُّ هو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ حِينَما كانَ في الدُّنْيا كَأنَّهُ كانَ في النّارِ، وما ذاكَ إلّا لِكَثْرَةِ آفاتِها وشِدَّةِ بَلِيّاتِها، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ» “ .
واعْلَمْ أنَّهُ لا مَقْصُودَ لِلْإنْسانِ وراءَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، الخَلاصِ عَنِ العَذابِ، والوُصُولِ إلى الثَّوابِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن وصَلَ إلى هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ فَقَدْ فازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى والغايَةِ الَّتِي لا مَطْلُوبَ بَعْدَها. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» “ وقَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ( فَمَن

صفحة ١٠٣

زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيُؤْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ» “ .

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ الغُرُورُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: غَرَّرْتُ فُلانًا غُرُورًا، شَبَّهَ اللَّهُ الدُّنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ عَلَيْهِ حَتّى يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ فَسادُهُ ورَداءَتُهُ، والشَّيْطانُ هو المُدَلِّسُ الغَرُورُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ هَذا في حَقِّ مَن آثَرَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وأمّا مَن طَلَبَ الآخِرَةَ بِها فَإنَّها نِعْمَ المَتاعُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ فَسادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِلْإنْسانِ جَمِيعُ مُراداتِهِ لَكانَ غَمُّهُ وهَمُّهُ أزْيَدَ مِن سُرُورِهِ، لِأجْلِ قِصَرِ وقْتِهِ وقِلَّةِ الوُثُوقِ بِهِ وعَدَمِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ هَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أمْ لا.

وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ وِجْدانُهُ بِمُراداتِ الدُّنْيا أكْثَرَ كانَ حِرْصُهُ في طَلَبِها أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الحِرْصُ أكْثَرَ كانَ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِرْصِ أشَدَّ، فَإنَّ الإنْسانَ يَتَوَهَّمُ أنَّهُ إذا فازَ بِمَقْصُودِهِ سَكَنَتْ نَفْسُهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَزْدادُ طَلَبُهُ وحِرْصُهُ ورَغْبَتُهُ.

وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ بِقَدْرِ ما يَجِدُ مِنَ الدُّنْيا يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الآخِرَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ السَّعاداتِ والخَيْراتِ، ومَتى عَرَفْتَ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ عَلِمْتَ أنَّ الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ، وأنَّها كَما وصَفَها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قالَ: لِينُ مَسِّها قاتِلُ سُمِّها. وقالَ بَعْضُهم: الدُّنْيا ظاهِرُها مَطِيَّةُ السُّرُورِ، وباطِنُها مَطِيَّةُ الشُّرُورِ.

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:185