All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Yā-Sīn 36:40 Juzʾ 23 Page 442

‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

It is not allowable for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ خُلِقَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، فالشَّمْسُ لَمْ تَكُنْ تَصْلُحُ لَها سُرْعَةُ الحَرَكَةِ بِحَيْثُ تُدْرِكُ القَمَرَ، وإلّا لَكانَ في شَهْرٍ واحِدٍ صَيْفٌ وشِتاءٌ، فَلا تُدْرَكُ الثِّمارُ.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ سُلْطانَ اللَّيْلِ وهو القَمَرُ لَيْسَ يَسْبِقُ الشَّمْسَ وهي سُلْطانُ النَّهارِ.

وقِيلَ: مَعْناهُ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارَ أيِ اللَّيْلُ لا يَدْخُلُ وقْتَ النَّهارِ.

والثّانِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقَعُ إيضاحًا لِلْواضِحِ، والأوَّلُ صَحِيحٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما بَيَّنْتُهُ، وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أنَّ القَمَرَ إذا كانَ عَلى أُفُقِ المَشْرِقِ أيّامَ الِاسْتِقْبالِ تَكُونُ الشَّمْسُ في مُقابَلَتِهِ عَلى أُفُقِ المَغْرِبِ، ثُمَّ إنَّ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَطْلُعُ القَمَرُ وعِنْدَ طُلُوعِها يَغْرُبُ القَمَرُ، كَأنَّ لَها حَرَكَةً واحِدَةً مَعَ أنَّ الشَّمْسَ تَتَأخَّرُ عَنِ القَمَرِ في لَيْلَةٍ مِقْدارًا ظاهِرًا في الحِسِّ، فَلَوْ كانَ لِلْقَمَرِ حَرَكَةٌ واحِدَةٌ بِها يَسْبِقُ الشَّمْسَ ولا تُدْرِكُهُ الشَّمْسُ، ولِلشَّمْسِ حَرَكَةٌ واحِدَةٌ بِها تَتَأخَّرُ عَنِ القَمَرِ ولا تُدْرِكُ القَمَرَ؛ لَبَقِيَ القَمَرُ والشَّمْسُ مُدَّةً مَدِيدَةً في مَكانٍ واحِدٍ، لِأنَّ حَرَكَةَ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ دَرَجَةٌ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى في جَمِيعِ الكَواكِبِ حَرَكَةً أُخْرى غَيْرَ حَرَكَةِ الشَّهْرِ والسَّنَةِ، وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ وبِهَذِهِ الدَّوْرَةِ لا يَسْبِقُ كَوْكَبٌ كَوْكَبًا أصْلًا، لِأنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ إذا طَلَعَ غَرُبَ مُقابِلُهُ وكُلَّما تَقَدَّمَ كَوْكَبٌ إلى المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الكَوْكَبُ الآخَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا تَقَدَّمَ ذَلِكَ الكَوْكَبُ، فَبِهَذِهِ الحَرَكَةِ لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ، فَتَبَيَّنَ أنَّ سُلْطانَ اللَّيْلِ لا يَسْبِقُ سُلْطانَ النَّهارِ، فالمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ القَمَرُ ومِنَ النَّهارِ الشَّمْسُ، فَقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها البَطِيئَةِ الَّتِي تُتِمُّ الدَّوْرَةَ في سَنَةٍ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها اليَوْمِيَّةِ الَّتِي بِها تَعُودُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَشْرِقِ مَرَّةً أُخْرى في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وعَلى هَذا فَفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في إطْلاقِ اللَّيْلِ وإرادَةِ سُلْطانِهِ وهو القَمَرُ، وماذا يَكُونُ لَوْ قالَ ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ ؟ نَقُولُ: لَوْ قالَ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ ما كانَ يُفْهَمُ أنَّ الإشارَةَ إلى الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، فَكانَ يُتَوَهَّمُ التَّناقُضُ، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ لا تُدْرِكُ القَمَرَ أسْرَعَ ظاهِرًا، وإذا قالَ: ولا القَمَرُ سابِقٌ يُظَنُّ أنَّ القَمَرَ لا يَسْبِقُ فَلَيْسَ بِأسْرَعَ، فَقالَ: اللَّيْلُ والنَّهارُ لِيُعْلَمَ أنَّ الإشارَةَ إلى الحَرَكَةِ الَّتِي بِها تَتِمُّ الدَّوْرَةُ في مُدَّةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ويَكُونُ لِجَمِيعِ الكَواكِبِ أوْ عَلَيْها طُلُوعٌ وغُرُوبٌ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، ولَمْ يَقُلْ: ولا اللَّيْلُ يَسْبِقُ، ولا قالَ: مُدْرِكَةُ القَمَرِ ؟ نَقُولُ: الحَرَكَةُ الأوَّلِيَّةُ الَّتِي لِلشَّمْسِ، ولا يُدْرَكُ بِها القَمَرُ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّمْسِ، فَجَعَلَها كالصّادِرَةِ مِنها، وذُكِرَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ لا تُطْلَقُ عَلى مَن لا يَصْدُرُ مِنهُ الفِعْلُ، فَلا يُقالُ: هو يَخِيطُ، ولا يَكُونُ يَصْدُرُ مِنهُ الخِياطَةُ.

والحَرَكَةُ الثّانِيَةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِكَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ، بَلِ الكُلُّ فِيها مُشْتَرِكَةٌ بِسَبَبِ حَرَكَةِ فَلَكٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ فَلَكًا لِكَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ، فالحَرَكَةُ لَيْسَتْ كالصّادِرَةِ مِنهُ، فَأطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ صُدُورَ الفِعْلِ، يُقالُ: فُلانٌ خَيّاطٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ خَيّاطًا، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (الأعْرافِ: ٥٤) يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتُمْ، لِأنَّ النَّهارَ إذا كانَ يَطْلُبُ اللَّيْلَ فاللَّيْلُ سابِقُهُ، وقُلْتُمْ إنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ ما ذَكَرْتُمْ فَيَكُونُ اللَّيْلُ سابِقًا ولا يَكُونُ سابِقًا.

نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ بِاللَّيْلِ هَهُنا سُلْطانُ اللَّيْلِ وهو القَمَرُ، وهو لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ السَّرِيعَةِ، والمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ هُناكَ نَفْسُ اللَّيْلِ وكُلُّ واحِدٍ لَمّا كانَ في عَقِيبِ الآخَرِ فَكَأنَّهُ طالِبُهُ، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ ذَكَرَ هَهُنا ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَدْ ذَكَرَ هُناكَ يَطْلُبُهُ، ولَمْ يَقُلْ: طالِبُهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ لِما بَيَّنّا مِن أنَّ المُرادَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ اللَّيْلِ كَوْكَبُ اللَّيْلِ، وهي في هَذِهِ الحَرَكَةِ كَأنَّها لا حَرَكَةَ لَها ولا تَسْبِقُ، ولا مِن شَأْنِها أنَّها سابِقَةٌ، والمُرادُ هُناكَ نَفْسُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهُما زَمانانِ، والزَّمانُ لا قَرارَ لَهُ، فَهو يُطْلَبُ حَثِيثًا لِصُدُورِ التَّقَصِّي مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا أيْ لِلْكُلِّ طُلُوعٌ وغُرُوبٌ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ لا يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا، بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الحَرَكَةِ، وكُلُّ حَرَكَةٍ في فَلَكٍ تَخُصُّهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّنْوِينُ في قَوْلِهِ (وكَلٌّ) عِوَضٌ عَنِ الإضافَةِ مَعْناهُ كُلُّ واحِدٍ، وإسْقاطُ التَّنْوِينِ لِلْإضافَةِ حَتّى لا يَجْتَمِعَ التَّعْرِيفُ والتَّنْكِيرُ في شَيْءٍ واحِدٍ، فَلَمّا سَقَطَ المُضافُ إلَيْهِ لَفْظًا رُدَّ التَّنْوِينُ عَلَيْهِ لَفْظًا، وفي المَعْنى مُعَرَّفٌ بِالإضافَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَخْتَلِفُ الأمْرُ عِنْدَ الإضافَةِ لَفْظًا وتَرْكِها ؟ فَنَقُولُ: نَعَمْ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ كَذا لا يَذْهَبُ الفَهْمُ إلى غَيْرِهِمْ، فَيُفِيدُ اقْتِصارَ الفَهْمِ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ: كُلُّ كَذا يَدْخُلُ في الفَهْمِ عُمُومٌ أكْثَرُ مِنَ العُمُومِ عِنْدَ الإضافَةِ، وهَذا كَما في قَبْلُ وبَعْدُ إذا قُلْتَ: افْعَلْ قَبْلَ كَذا، فَإذا حَذَفْتَ المُضافَ، وقُلْتَ: افْعَلْ قَبْلُ أفادَ فَهْمُ الفِعْلِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ بَيْنَ قَوْلِنا: كُلٌّ مِنهم، وبَيْنَ قَوْلِنا: كُلُّهم، وبَيْنَ: كُلٌّ فَرْقٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ عِنْدَ قَوْلِكَ: كُلُّهم تُثْبِتُ الأمْرَ لِلِاقْتِصارِ عَلَيْهِمْ، وعِنْدَ قَوْلِكَ: كُلٌّ مِنهم تُثْبِتُ الأمْرَ أوَّلًا لِلْعُمُومِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكْتَ بِالتَّخْصِيصِ، فَقُلْتَ: مِنهم، وعِنْدَ قَوْلِكَ: كُلٌّ، ثَبَّتَّ الأمْرَ عَلى العُمُومِ وتَتْرُكُهُ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ كُلٌّ بِمَعْنى كُلِّ واحِدٍ مِنهم والمَذْكُورُ الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَكَيْفَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ كُلٌّ لِلْعُمُومِ، فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ كُلِّ كَوْكَبٍ في السَّماءِ سَيّارٍ.

صفحة ٦٦
ثانِيها: إنَّ لَفْظَ كُلٍّ يَجُوزُ أنْ يُوَحَّدَ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ لَفْظًا مُوَحَّدًا غَيْرَ مُثَنًّى ولا مَجْمُوعٍ، ويَجُوزُ أنْ يُجْمَعَ لِكَوْنِ مَعْناهُ جَمْعًا، وأمّا التَّثْنِيَةُ فَلا يَدُلُّ عَلَيْها اللَّفْظُ ولا المَعْنى، فَعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ القائِلُ: زَيْدٌ وعَمْرٌو كُلٌّ جاءَ أوْ كُلٌّ جاءُوا، ولا يَقُولُ: كُلٌّ جاءا بِالتَّثْنِيَةِ.
وثالِثُها: لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ ما في اللَّيْلِ مِنَ الكَواكِبِ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ .

* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَلَكُ ماذا ؟ نَقُولُ الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ؛ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَلَكَةَ المِغْزَلِ سُمِّيَتْ فَلَكَةً لِاسْتِدارَتِها، وفَلَكَةُ الخَيْمَةِ هي الخَشَبَةُ المُسَطَّحَةُ المُسْتَدِيرَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَلى رَأْسِ العَمُودِ لِئَلّا يُمَزِّقَ العَمُودُ الخَيْمَةَ وهي صَفْحَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا تَكُونُ السَّماءُ مُسْتَدِيرَةً. وقَدِ اتَّفَقَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ السَّماءَ مَبْسُوطَةٌ لَيْسَ لَها أطْرافٌ عَلى جِبالٍ، وهي كالسَّقْفِ المُسْتَوِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ (الطُّورِ: ٥) نَقُولُ: لَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً غَيْرَ مُسْتَدِيرَةٍ، ودَلَّ الدَّلِيلُ الحِسِّيُّ عَلى كَوْنِها مُسْتَدِيرَةً، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ.
أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ السَّقْفَ المُقَبَّبَ لا يَخْرُجُ مِن كَوْنِهِ سَقْفًا، وكَذَلِكَ كَوْنُها عَلى جِبالٍ.

وأمّا الدَّلِيلُ الحِسِّيُّ فَوُجُوهٌ:

أحَدُها: إنَّ مَن أمْعَنَ في السَّيْرِ في جانِبِ الجَنُوبِ يَظْهَرُ لَهُ كَواكِبُ مِثْلُ سُهَيْلٍ وغَيْرُهُ ظُهُورًا أبَدِيًّا حَتّى أنَّ مَن يَرْصُدُ يَراهُ دائِمًا ويَخْفى عَلَيْهِ بَناتُ نَعْشٍ وغَيْرُها خَفاءً أبَدِيًّا، ولَوْ كانَ السَّماءُ مُسَطَّحًا مُسْتَوِيًا لَبانَ الكُلُّ لِلْكُلِّ بِخِلافِ ما إذا كانَ مُسْتَدِيرًا، فَإنَّ بَعْضَهُ حِينَئِذٍ يَسْتَتِرُ بِأطْرافِ الأرْضِ فَلا يُرى.

الثّانِي: هو أنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ مُقارِنَةً لِلْحَمَلِ مَثَلًا، فَإذا غَرَبَتْ ظَهَرَ لَنا كَوْكَبٌ في مِنطَقَةِ البُرُوجِ مِنَ الحَمَلِ إلى المِيزانِ، ثُمَّ في قَلِيلٍ يَسْتَتِرُ الكَوْكَبُ الَّذِي كانَ غُرُوبُهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ويَظْهَرُ الكَوْكَبُ الَّذِي كانَ طُلُوعُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وبِالعَكْسِ هو دَلِيلٌ ظاهِرٌ، وإنْ بُحِثَ فِيهِ يَصِيرُ قَطْعِيًّا.

الثّالِثُ: هو أنَّ الشَّمْسَ قَبْلَ طُلُوعِها وبَعْدَ غُرُوبِها يَظْهَرُ ضَوْؤُها ويَسْتَنِيرُ الجَوُّ بَعْضَ الِاسْتِنارَةِ ثُمَّ يَطْلُعُ، ولَوْلا أنَّ بَعْضَ السَّماءِ مُسْتَتِرٌ بِالأرْضِ وهو مَحَلُّ الشَّمْسِ، فَلا يُرى جِرْمُها ويَنْتَشِرُ نُورُها لَمّا كانَ كَذا، بَلْ كانَ عِنْدَ إعادَتِها إلى السَّماءِ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ جِرْمُها ونُورُها مَعًا لِكَوْنِ السَّماءِ مُسْتَوِيَةً حِينَئِذٍ مَكْشُوفَةً كُلُّها لِكُلِّ أحَدٍ.

الرّابِعُ: القَمَرُ إذا انْكَسَفَ في ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ في جانِبِ الشَّرْقِ، ثُمَّ سُئِلَ أهْلُ الغَرْبِ عَنْ وقْتِ الكُسُوفِ أخْبَرُوا عَنِ الخُسُوفِ في ساعَةٍ أُخْرى قَبْلَ تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي رَأى أهْلُ المَشْرِقِ فِيها الخُسُوفَ، لَكِنَّ الخُسُوفَ في وقْتٍ واحِدٍ في جَمِيعِ نَواحِي العالَمِ، واللَّيْلُ مُخْتَلِفٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّيْلَ في جانِبِ المَشْرِقِ قَبْلَ اللَّيْلِ في جانِبِ المَغْرِبِ، فالشَّمْسُ غَرَبَتْ مِن عِنْدِ أهْلِ المَشْرِقِ وهي بَعْدُ في السَّماءِ ظاهِرَةٌ لِأهْلِ المَغْرِبِ، فَعُلِمَ اسْتِتارُها بِالأرْضِ ولَوْ كانَتْ مُسْتَوِيَةً لَما كانَ كَذَلِكَ.

الخامِسُ: لَوْ كانَتِ السَّماءُ مَبْسُوطَةً لَكانَ القَمَرُ عِنْدَما يَكُونُ فَوْقَ رُؤُوسِنا عَلى المُسامَتَةِ أقْرَبَ إلَيْنا، وعِنْدَما يَكُونُ عَلى الأُفُقِ أبْعَدَ مِنّا؛ لِأنَّ العُمُومَ أصْغَرُ مِنَ القُطْرِ والوَتَدِ، وكَذَلِكَ في الشَّمْسِ والكَواكِبِ كانَ يَجِبُ أنْ يُرى أكْبَرَ؛ لِأنَّ القَرِيبَ يُرى أكْبَرَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ:

صفحة ٦٧
جازَ أنْ يَكُونَ، وهو عَلى الأُفُقِ عَلى سَطْحِ السَّماءِ، وعِنْدَما يَكُونُ عَلى مُسامَتَةِ رُؤُوسِنا في بَحْرِ السَّماءِ غائِرًا فِيها؛ لِأنَّ الخَرْقَ جائِزٌ عَلى السَّماءِ، نَقُولُ: لا تَنازُعَ في جَوازِ الخَرْقِ، لَكِنَّ القَمَرَ حِينَئِذٍ تَكُونُ حَرَكَتُهُ في دائِرَةٍ لا عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، وهو غَرَضُنا؛ ولِأنّا نَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ القَمَرُ عِنْدَ أهْلِ المَشْرِقِ، وهو في مُنْتَصَفِ نَهارِهِمْ أكْبَرَ مِقْدارًا لِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِن رُؤُوسِهِمْ ضَرُورَةَ فَرْضِهِ عَلى سَطْحِ السَّماءِ الأدْنى، وعِنْدَنا في بَحْرِ السَّماءِ، وبِالجُمْلَةِ الدَّلائِلُ كَثِيرَةٌ، والإكْثارُ مِنها يَلِيقُ بِكُتُبِ الهَيْئَةِ الَّتِي الغَرَضُ مِنها بَيانُ ذَلِكَ العِلْمِ، ولَيْسَ الغَرَضُ في التَّفْسِيرِ بَيانَ ذَلِكَ غَيْرَ أنَّ القَدْرَ الَّذِي أوْرَدْناهُ يَكْفِي في بَيانِ كَوْنِهِ فَلَكًا مُسْتَدِيرًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكًا، فَما قَوْلُكُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ فَلِكُلِّ فَلَكٍ، وأمّا الكَواكِبُ الأُخَرُ فَقِيلَ لِلْكُلٍّ: فَلَكٌ واحِدٌ، ولْنَذْكُرْ كَلامًا مُخْتَصَرًا في هَذا البابِ مِنَ الهَيْئَةِ حَيْثُ وجَبَ الشُّرُوعُ بِسَبَبِ تَفْسِيرِ الفَلَكِ، فَنَقُولُ: قِيلَ: إنَّ لِلْقَمَرِ فَلَكًا؛ لِأنَّ حَرَكَتَهُ أسْرَعُ مِن حَرَكَةِ السِّتَّةِ الباقِيَةِ، وكَذَلِكَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكٌ لِاخْتِلافِ سَيْرِها بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ والمَمَرِّ، فَإنَّ بَعْضَها يَمُرُّ في دائِرَةٍ وبَعْضُها في دائِرَةٍ أُخْرى حَتّى في بَعْضِ الأوْقاتِ يَمُرُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَكْسِفُهُ وفي بَعْضِ الأوْقاتِ يَكْسِفُهُ، فَلِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكٌ، ثُمَّ أهْلُ الهَيْئَةِ قالُوا: فَكُلُّ فَلَكٍ هو جِسْمُ كُرَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، بَلِ اللّازِمُ أنْ نَقُولَ: لِكُلِّ فَلَكٍ هو كُرَةٌ أوْ صَفْحَةٌ أوْ دائِرَةٌ يَفْعَلُها الكَوْكَبُ بِحَرَكَتِهِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الكَوْكَبَ في كُرَةٍ يَكُونُ وُجُودُهُ فِيها كَوُجُودِ مِسْمارٍ مُغْرَقٍ في ثِخْنِ كُرَةٍ مُجَوَّفَةٍ، ويُدِيرُ الكُرَةَ فَيَدُورُ الكَوْكَبُ بِدَوَرانِ الكُرَةِ، وعَلى مَذْهَبِ أرْبابِ الهَيْئَةِ حَرَكَةُ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وكَذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ حَلْقَةً يُحِيطُ بِها أرْبَعُ سُطُوحٍ مُتَوازِيَةٍ بِها فَإنَّها أرْبَعُ دَوائِرَ مُتَوازِيَةٍ كَحَجَرِ الرَّحى إذا قَوَّرْناهُ وأخْرَجْنا مِن وسَطِهِ طاحُونَةً مِن طَواحِينِ اليَدِ، ويَبْقى مِنهُ حَلْقَةٌ يُحِيطُ بِها سُطُوحٌ ودَوائِرُ كَما ذَكَرْنا، وتَكُونُ الكَواكِبُ فِيهِ وهو فَلَكٌ، فَتَدُورُ تِلْكَ الحَلْقَةُ وتُدِيرُ الكَوْكَبَ، والحَرَكَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ وإنْ كانَتْ مَقْدُورَةً لَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، وكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ الكَواكِبَ بِحَيْثُ تَشُقُّ السَّماءَ، فَتَجْعَلُ دائِرَةً مُتَوَهَّمَةً، كَما لَوْ فَرَضْتَ سَمَكَةً في الماءِ عَلى وجْهَيْنِ تَنْزِلُ مِن جانِبٍ وتَصْعَدُ إلى مَوْضِعٍ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ عَلى اسْتِدارَةٍ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والظّاهِرُ أنَّ حَرَكَةَ الكَواكِبِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وأرْبابُ الهَيْئَةِ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لا تَجُوزُ الحَرَكَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الكَوْكَبَ لَهُ جِرْمٌ، فَإذا شَقَّ السَّماءَ وتَحَرَّكَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ دَوَرانِهِ يَنْشَقُّ ويَلْتَئِمُ كالماءِ تُحَرِّكُهُ السَّمَكَةُ أوْ لا يَنْشَقُّ ولا يَلْتَئِمُ، بَلْ هُناكَ خَلاءٌ يَدُورُ الكَوْكَبُ فِيهِ، لَكِنَّ الخَلاءَ مُحالٌ، والسَّماءُ لا تَقْبَلُ الشَّقَّ والِالتِئامَ، هَذا ما اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ، ونَحْنُ نَقُولُ: كِلاهُما جائِزٌ.

أمّا الخَلاءُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ هَهُنا، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ بِشَقٍّ والتِئامٍ، وأمّا امْتِناعُ الشَّقِّ والِالتِئامِ فَلا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ، وشُبْهَتُهم في المُحَدِّدِ لِلْجِهاتِ وهي هُناكَ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا عَلى ما بَيَّنّا: تَخْرُجُ الحَرَكاتُ وبِهِ عَلِمْنا الكُسُوفاتِ، ولَوْ كانَ لَها حَرَكاتٌ مُخْتَلِفَةٌ لَما وجَبَ الكُسُوفُ في

صفحة ٦٨
الوَقْتِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِالكُسُوفِ والخُسُوفِ؛ وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ لِلشَّمْسِ فَلَكانِ أحَدُهُما مَرْكَزُهُ مَرْكَزُ العالَمِ، ثانِيهِما مَرْكَزُهُ فَوْقَ مَرْكَزِ العالَمِ وهو مِثْلُ بَياضِ البَيْضِ بَيْنَ صُفْرَتِهِ وبَيْنَ القَيْضِ والشَّمْسُ كُرَةٌ في الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ تَدُورُ بِدَوَرانِهِ في السَّنَةِ دَوْرَةً، فَإذا جُعِلَتْ في الجانِبِ الأعْلى تَكُونُ بَعِيدَةً عَنِ الأرْضِ، فَيُقالُ: إنَّها في الأوْجِ، وإذا حَصَلَتْ في الجانِبِ الأسْفَلِ تَكُونُ قَرِيبَةً مِنَ الأرْضِ، فَتَكُونُ في الحَضِيضِ، وأمّا القَمَرُ فَلَهُ فَلَكٌ شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْزائِهِ وأفْلاكِهِ، وفَلَكٌ آخَرُ هو بَعْضٌ مِنَ الفَلَكِ الأوَّلِ مُحِيطٌ بِهِ كالقِشْرَةِ الفَوْقانِيَّةِ مِنَ البَصَلَةِ، وفَلَكٌ ثالِثٌ في الفَلَكِ التَّحْتانِيِّ كَما كانَ في الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ في فَلَكِ الشَّمْسِ، وفي الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ كُرَةٌ مِثْلُ جِرْمِ الشَّمْسِ، وفي الكُرَةِ القَمَرُ مَرْكُوزٌ كَمِسْمارٍ في كُرَةٍ مُغْرَقٍ فِيها، ويُسَمّى الفَلَكُ الفَوْقانِيُّ الجَوْزَهْرَ والخارِجُ المَرْكَزِ الفَلَكَ الحامِلَ والفَلَكُ التَّحْتانِيُّ الَّذِي فِيهِ الفَلَكُ الحامِلُ الفَلَكَ المائِلَ، والكُرَةُ الَّتِي في الحامِلِ تُسَمّى فَلَكَ التَّدْوِيرِ، وكَذَلِكَ قالُوا في الكَواكِبِ الخَمْسَةِ الباقِيَةِ مِنَ السَّيّاراتِ غَيْرَ أنَّ الفَوْقانِيَّ الَّذِي سَمَّوْهُ الجَوْزَهْرَ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَها فَأثْبَتُوا أرْبَعَةً وعِشْرِينَ فَلَكًا: الفَلَكَ الأعْلى وفَلَكَ البُرُوجِ، ولِزُحَلَ ثَلاثَةُ أفْلاكٍ، المُمَثِّلُ والحامِلُ وفَلَكُ التَّدْوِيرِ، ولِلْمُشْتَرِي ثَلاثَةٌ كَما لِزُحَلَ، ولِلْمِرِّيخِ كَذَلِكَ ثَلاثَةٌ، ولِلشَّمْسِ فَلَكانِ المُمَثِّلُ والخارِجُ والمَرْكَزُ، ولِلزُّهْرَةِ ثَلاثَةُ أفْلاكٍ كَما لِلْعُلْوِيّاتِ، ولِعُطارِدٍ أرْبَعَةُ أفْلاكٍ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرْناها في العُلْوِيّاتِ، وفَلَكٌ آخَرُ يُسَمُّونَهُ المُدِيرَ، ولِلْقَمَرِ أرْبَعَةُ أفْلاكٍ والرّابِعُ يُسَمُّونَهُ فَلَكَ الجَوْزَهْرَ، والمُدِيرُ لَيْسَ كالجَوْزَهْرِ؛ لِأنَّ المُدِيرَ غَيْرُ مُحِيطٍ بِأفْلاكِ عُطارِدٍ وفَلَكَ الجَوْزَهْرِ مُحِيطٌ، ومِنهم مَن زادَ في الخَمْسَةِ في كُلِّ فَلَكٍ فَلَكَيْنِ آخَرَيْنِ وجَعَلَ تَدْوِيراتِها مُرَكَّبَةً مِن ثَلاثَةِ أفْلاكٍ، وقالُوا: إنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الأجْرامِ تَخْتَلِفُ حَرَكاتُ الكَواكِبِ، ويَكُونُ لَها عُرُوضٌ ورُجُوعٌ واسْتِقامَةٌ وبُطْءٌ وسُرْعَةٌ.
وهَذا كَلامُهم عَلى سَبِيلِ الِاقْتِناصِ والِاقْتِصارِ، ونَحْنُ نَقُولُ: لا يَبْعُدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ خَلْقُ مِثْلِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، فَلا نُسَلِّمُ ورُجُوعُها واسْتِقامَتُها بِإرادَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ عَرْضُها وطُولُها وبُطْؤُها وسُرْعَتُها وقُرْبُها وبُعْدُها، هَذا تَمامُ الكَلامِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ المُنَجِّمُونَ: الكَواكِبُ أحْياءٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى العاقِلِ، نَقُولُ: إنْ أرَدْتُمُ القَدْرَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّسْبِيحُ، فَنَقُولُ بِهِ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ، وإنْ أرَدْتُمْ شَيْئًا آخَرَ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، والِاسْتِعْمالُ لا يَدُلُّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ الأصْنامِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ (الصّافّاتِ: ٩٢) وقَوْلِهِ: ﴿ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ (الذّارِياتِ: ٢٣) .

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And a sign for them is that We carried their forefathers in a laden ship.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ولَها مُناسَبَةٌ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ بِإحْياءِ الأرْضِ وهي مَكانُ الحَيَواناتِ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ، بَلْ جَعَلَ لِلْإنْسانِ طَرِيقًا يُتَّخَذُ مِنَ البَحْرِ خَيْرًا ويَتَوَسَّطُهُ أوْ يَسِيرُ فِيهِ كَما يَسِيرُ في البَرِّ، وهَذا حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (الإسْراءِ: ٧٠) ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (يس: ٤٢) إذا فَسَّرْناهُ بِأنَّ المُرادَ الإبِلُ فَإنَّها كَسُفُنِ البَرارِيِّ.

وثانِيهِما: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ سِباحَةَ الكَواكِبِ في الأفْلاكِ، وذَكَرَ ما هو مِثْلُهُ وهو سِباحَةُ الفُلْكِ في البِحارِ.

ولَها وجْهٌ ثالِثٌ: وهي أنَّ الأُمُورَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عِبادِهِ مِنها ضَرُورِيَّةٌ ومِنها نافِعَةٌ، والأوَّلُ لِلْحاجَةِ، والثّانِي لِلزِّينَةِ، فَخَلْقُ الأرْضِ وإحْياؤُها مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، فَإنَّها المَكانُ الَّذِي لَوْلاهُ لَما وُجِدَ الإنْسانُ، ولَوْلا إحْياؤُها لَما عاشَ واللَّيْلُ والنَّهارُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْضًا مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، لِأنَّهُ الزَّمانُ الَّذِي

صفحة ٦٩
لَوْلاهُ لَما حَدَثَ الإنْسانُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ وحَرَكَتُهُما لَوْ لَمْ تَكُنْ لَما عاشَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ آيَتَيْنِ ذَكَرَ مِنَ القَبِيلِ الثّانِي وهو الزِّينَةُ آيَتَيْنِ:
إحْداهُما: الفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ، فَيُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (فاطِرٍ: ١٢) .

وثانِيَتُهُما: الدَّوابُّ الَّتِي هي في البَرِّ كالفُلْكِ في البَحْرِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (يس: ٤٢) فَإنَّ الدَّوابَّ زِينَةٌ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (النَّحْلِ: ٦) فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِمْ بِالضَّرُورِيِّ والنّافِعِ، لا يُقالُ بِأنَّ النّافِعَ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإنَّها لِلزِّينَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ حَصَلَ تَبَعًا لِلضَّرُورِيِّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ مُنْبِتَةً لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ، وأنْزَلَ الماءَ عَلَيْها، كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وأمّا الفُلْكُ فَمَقْصُودٌ لا تَبَعٌ، ثُمَّ إذا عُلِمَتِ المُناسَبَةُ، فَفي الآياتِ أبْحاثٌ لُغَوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ:

أمّا اللُّغَوِيَّةُ فَنَذْكُرُها في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: الذُّرِّيَّةُ هُمُ الآباءُ أيْ حَمَلْنا آباءَكم في الفُلْكِ، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ؛ أيْ فُلْكِ نُوحٍ وهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ (هُودٍ: ٣٧) ومَعْلُومٌ عِنْدَ العَرَبِ فَقالَ الفُلْكَ، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَعَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الوَلَدِ، وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِن بَيانِ المَعْنى، فَنَقُولُ: الفُلْكُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الفُلْكَ المُعَيَّنَ الَّذِي كانَ لِنُوحٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الجِنْسَ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (الزُّخْرُفِ: ١٢) وقالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (فاطِرٍ: ١٢) وقالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ (العَنْكَبُوتِ: ٦٥) إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالِ لامِ التَّعْرِيفِ في الفُلْكِ لِبَيانِ الجِنْسِ، فَإنْ كانَ المُرادُ سَفِينَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنّا حَمَلْنا أوْلادَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ في ذَلِكَ الفُلْكِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما بَقِيَ لِلْآدَمِيِّ نَسْلٌ ولا عَقِبٌ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلُ قَوْلِهِ: حَمَلْناهم، إشارَةٌ إلى كَمالِ النِّعْمَةِ؛ أيْ لَمْ تَكُنِ النِّعْمَةُ مُقْتَصِرَةً عَلَيْكم، بَلْ مُتَعَدِّيَةً إلى أعْقابِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ يُقالَ عَلى هَذا: إنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّ الذُّرِّيَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ المَوْجُودِينَ كانُوا كُفّارًا لا فائِدَةَ في وُجُودِهِمْ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ لَمْ يَكُنِ الحَمْلُ حَمْلًا لَهم، وإنَّما كانَ حَمْلًا لِما في أصْلابِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما أنَّ مَن حَمَلَ صُنْدُوقًا لا قِيمَةَ لَهُ وفِيهِ جَواهِرُ، إذا قِيلَ لَهُ: لِمَ تَحْمِلُ هَذا الصُّنْدُوقَ وتَتْعَبُ في حَمْلِهِ وهو لا يُشْتَرى بِشَيْءٍ ؟ يَقُولُ: لا أحْمِلُ الصُّنْدُوقَ وإنَّما أحْمِلُ ما فِيهِ.

الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ الجِنْسُ مَعْناهُ حَمَلْنا أجْناسَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ ولَدَ الحَيَوانِ مِن جِنْسِهِ ونَوْعِهِ، والذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الجِنْسِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلى النِّساءِ «نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الذَّرارِيِّ»، أيِ النِّساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ وإنْ كانَتْ صِنْفًا غَيْرَ صِنْفِ الرَّجُلِ لَكِنَّها مِن جِنْسِهِ ونَوْعِهِ، يُقالُ: ذَرارِينا أيْ أمْثالُنا، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ أمْثالَهم وآباؤُهم حِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِمْ.

الثّالِثُ: هو أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ عائِدٌ إلى العِبادِ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إذا عُلِمَ هَذا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في المَوْضِعَيْنِ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٢٩) ويُرِيدُ بَعْضَهم بَعْضًا، وكَذَلِكَ

صفحة ٧٠
إذا تَقاتَلَ قَوْمٌ وماتَ الكُلُّ في القِتالِ، يُقالُ: هَؤُلاءِ القَوْمُ هم قَتَلُوا أنْفُسَهم، فَهم في المَوْضِعَيْنِ يَكُونُ عائِدًا إلى القَوْمِ، ولا يَكُونُ المُرادُ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ، بَلِ المُرادُ أنَّ بَعْضَهم قَتَلَ بَعْضًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ آيَةٌ لِكُلِّ بَعْضٍ مِنهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّةً عَلى بَعْضٍ مِنهم، أوْ ذُرِّيَّةَ بَعْضٍ مِنهم.
وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ جِنْسُ الفُلْكِ فَهو أظْهَرُ، لِأنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ لَمْ تَكُنْ بِحَضْرَتِهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا مَن حُمِلَ فِيها، فَأمّا جِنْسُ الفُلْكِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى في سَفِينَةِنُوحٍ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٥) أيْ بِوُجُودِ جِنْسِها ومِثْلِها، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (لُقْمانَ: ٣١) فَنَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولَمْ يَقُلْ: حَمَلْناهم، لِأنَّ سُكُونَ الأرْضِ عامٌّ لِكُلِّ أحَدٍ يَسْكُنُها، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى أنْ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّ الأكْلَ عامٌّ، وأمّا الحَمْلُ في السَّفِينَةِ فَمِنَ النّاسِ مَن لا يَرْكَبُها في عُمْرِهِ ولا يُحْمَلُ فِيها، ولَكِنْ ذُرِّيَّةُ العِبادِ لا بُدَّ لَهم مِن ذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَحْتاجُ إلَيْها فَيُحْمَلُ فِيها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ الفُلْكُ تارَةً جَمْعًا حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (فاطِرٍ: ١٢) وأُخْرى فَرْدًا حَيْثُ قالَ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ نَقُولُ: فِيهِ تَدْقِيقٌ مَلِيحٌ مِن عِلْمِ اللُّغَةِ، وهو أنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ حَرَكَتُها مِثْلَ حَرَكَةِ تِلْكَ الكَلِمَةِ في الصُّورَةِ، والحَرَكَتانِ مُخْتَلِفَتانِ في المَعْنى، مِثالُها قَوْلُكَ: سَجَدَ يَسْجُدُ سُجُودًا لِلْمَصْدَرِ، وهم قَوْمٌ سُجُودٌ في جَمْعِ ساجِدٍ، تَظُنُّ أنَّهُما كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ السُّجُودُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَصْدَرًا حَرَكَتُهُ أصْلِيَّةٌ إذا قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَصْدَرِ، وحَرَكَةُ السُّجُودِ عِنْدَ كَوْنِهِ لِلْجَمْعِ حَرَكَةٌ مُتَغَيِّرَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الجَمْعَ يُشْتَقُّ مِنَ الواحِدِ، ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ المُشْتَقَّ تَغْيِيرٌ في حَرَكَةٍ أوْ حَرْفٍ أوْ في مَجْمُوعِهِما، فَساجِدٌ لَمّا أرَدْنا أنْ يُشْتَقَّ مِنهُ لَفْظُ جَمْعٍ غَيَّرْناهُ، وجِئْنا بِلَفْظِ السُّجُودِ، فَإذًا السُّجُودُ لِلْمَصْدَرِ والجَمْعُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي وُضِعَتْ بِحَرَكَةٍ واحِدَةٍ لِمَعْنَيَيْنِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفُلْكُ عِنْدَ كَوْنِهِ واحِدًا مِثْلُ قُفْلٍ وبُرْدٍ، وعِنْدَ كَوْنِها جَمْعًا مِثْلُ خُشُبٍ ومُرُدٍ وغَيْرِهِما، فَإنْ قُلْتَ: فَإذا جَعَلْتَهُ جَمْعًا ماذا يَكُونُ واحِدُها ؟ نَقُولُ: جازَ أنْ يَكُونَ واحِدُها فُلْكَةً أوْ غَيْرَها مِمّا لَمْ يُسْتَعْمَلْ كَواحِدِ النِّساءِ حَيْثُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، وكَذا القَوْلُ في: ‏‏‏‏ ‏‏‏ وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (الإسْراءِ: ٧١) أيْ بِأئِمَّتِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ إمّا كَزِمامٍ وكِتابٍ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ إمامٌ كَسِهامٍ وكِرامٍ وجِعابٍ، وهَذا مِن دَقِيقِ التَّصْرِيفِ.

وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فَنَذْكُرُها في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ ذُرِّيَّتِهِمْ، وقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ (الحاقَّةِ: ١١) مَنَّ هُناكَ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ أنْفُسِهِمْ، نَقُولُ: لِأنَّ مَن يَنْفَعُ المُتَعَلِّقَ بِالغَيْرِ يَكُونُ قَدْ نَفَعَ ذَلِكَ الغَيْرَ، ومَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَلى المُتَعَلِّقِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ قَدْ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ ذَلِكَ الغَيْرِ، بَلْ يَكُونُ قَدْ نَفَعَهُ، مِثالُهُ: مَن أحْسَنَ إلى ولَدِ إنْسانٍ وفَرَّحَهُ فَرِحَ بِفَرَحِهِ أبُوهُ، وإذا دَفَعَ واحِدٌ الألَمَ عَنْ ولَدِ إنْسانٍ يَكُونُ قَدْ فَرَّحَ أباهُ، ولا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ قَدْ أزالَ الألَمَ عَنْ أبِيهِ، عِنْدَ طُغْيانِ الماءِ كانَ الضَّرَرُ يَلْحَقُهم، فَقالَ: دَفَعْتُ عَنْكُمُ الضَّرَرَ، ولَوْ قالَ: دَفَعْتُ عَنْ أوْلادِكُمُ الضَّرَرَ لَما حَصَلَ بَيانُ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم، وهَهُنا أرادَ بَيانَ المَنافِعِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

صفحة ٧١
لِأنَّ النَّفْعَ حاصِلٌ بِنَفْعِ الذُّرِّيَّةِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّ هَهُنا قالَ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَإنَّ امْتِلاءَ الفُلْكِ مِنَ الأمْوالِ يَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بَيانُ المَنفَعَةِ، وأمّا دَفْعُ المَضَرَّةِ فَلا، لِأنَّ الفُلْكَ كُلَّما كانَ أثْقَلَ كانَ الخَلاصُ بِهِ أبْطَأ وهُنالِكَ السَّلامَةُ، فاخْتارَ هُنالِكَ ما يَدُلُّ عَلى الخَلاصِ مِنَ الضَّرَرِ وهو الجَرْيُ، وهَهُنا ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَنفَعَةِ وهو الشَّحْنُ، فَإنْ قِيلَ: قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (الإسْراءِ: ٧٠) ولَمْ يَقُلْ: وحَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم مَعَ أنَّ المَقْصُودَ في المَوْضِعَيْنِ بَيانُ النِّعْمَةِ، لا دَفْعُ النِّقْمَةِ، نَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَمَّ الخَلْقَ، لِأنَّ ما مِن أحَدٍ إلّا حُمِلَ في البَرِّ أوِ البَحْرِ، وأمّا الحَمْلُ في البَحْرِ فَلَمْ يَعُمَّ، فَقالَ: إنْ كُنّا ما حَمَلْناكم بِأنْفُسِكم فَقَدْ حَمَلْنا مَن يُهِمُّكم أمْرُهُ مِنَ الأوْلادِ والأقارِبِ والإخْوانِ والأصْدِقاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى غَيْرَ ما ذَكَرْنا، وهي أنَّ الآدَمِيَّ يَرْسُبُ في الماءِ ويَغْرَقُ، فَحَمْلُهُ في الفُلْكِ واقِعٌ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ مَن يَقُولُ: الخَفِيفُ لا يَرْسُبُ في الماءِ؛ لِأنَّ الخَفِيفَ يَطْلُبُ جِهَةَ فَوْقُ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أثْقَلُ مِنَ الثِّقالِ الَّتِي تَرْسُبُ، ومَعَ هَذا حَمَلَ اللَّهُ الإنْسانَ فِيهِ مَعَ ثِقَلِهِ، فَإنْ قالُوا ذَلِكَ لِامْتِناعِ الخَلاءِ، نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى جَوازِ الخَلاءِ في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، فَإذَنْ لَيْسَ حِفْظُ الثَّقِيلِ فَوْقَ الماءِ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: وآيَةٌ لَهُمُ الفُلْكُ جَعَلْناها بِحَيْثُ تَحْمِلُهم، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَهم في الفُلْكِ هو العَجَبُ.

أمّا نَفْسُ الفُلْكِ فَلَيْسَ بِعَجَبٍ؛ لِأنَّهُ كَبَيْتٍ مَبْنِيٍّ مِن خَشَبٍ.

وأمّا نَفْسُ الأرْضِ فَعَجَبٌ ونَفْسُ اللَّيْلِ عَجَبٌ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِما لِأحَدٍ إلّا اللَّهُ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And We created for them from the likes of it that which they ride.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مِن حَيْثُ اللُّغَةُ والمَعْنى، أمّا اللُّغَةُ فَقَوْلُهُ لَهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الذُّرِّيَّةِ، أيْ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم وخَلَقْنا لِلْمَحْمُولِينَ ما يَرْكَبُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العِبادِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمائِرِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (مِن) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ صِلَةً تَقْدِيرُهُ: وخَلَقْنا لَهم مِثْلَهُ، وهَذا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: مَن لا يَكُونُ صِلَةً إلّا عِنْدَ النَّفْيِ، تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ (ق: ٣٨) .

وثانِيهِما: هي مُبَيِّنَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ (نُوحٍ: ٤) كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿خَلَقْنا لَهُمْ﴾ (يس: ٤٢) والمَخْلُوقُ كانَ أشْياءَ قالَ مِن مِثْلِ الفُلْكِ لِلْبَيانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في ‏‏‏‏‏ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ عائِدٌ إلى الفُلْكِ، فَيَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (ص: ٥٨) وعَلى هَذا، فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الفُلْكَ الآخَرَ المَوْجُودَ في زَمانِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَوْ كانَ المُرادُ الإبِلَ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، لَكانَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فاصِلًا بَيْنَ مُتَّصِلَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ أنْ يُقالَ: وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَخْلُوقاتِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏

صفحة ٧٢
وهَذا كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إنَّ الهاءَ عائِدٌ إلى ما ذَكَرْنا، أيْ مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿خَلَقْنا لَهُمْ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ رَكُوبٌ مَرْكُوبٌ مِنَ الدَّوابِّ، ولَيْسَ كُلُّ أحَدٍ يَرْكَبُ الفُلْكَ، فَقالَ في الفُلْكِ: حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم وإنْ كُنّا ما حَمَلْناهم، وأمّا الخَلْقُ فَلَهم عامٌّ وما يَرْكَبُونَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو الفُلْكُ الَّذِي مِثْلُ فُلْكِ نُوحٍ.

ثانِيهِما: هو الإبِلُ الَّتِي هي سُفُنُ البَرِّ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المُرادُ سَفِينَةَ نُوحٍ، فَما وجْهُ مُناسَبَةِ الكَلامِ ؟ نَقُولُ: ذَكَّرَهم بِحالِ قَوْمِ نُوحٍ، وأنَّ المُكَذِّبِينَ هَلَكُوا والمُؤْمِنِينَ فازُوا، فَكَذَلِكَ هم إنْ آمَنُوا يَفُوزُوا وإنْ كَذَّبُوا يَهْلِكُوا.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى فائِدَتَيْنِ:
إحْداهُما: إنَّ في حالِ النِّعْمَةِ يَنْبَغِي أنْ لا يَأْمَنُوا عَذابَ اللَّهِ.

وثانِيَتُهُما: هو أنَّ ذَلِكَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وهو أنَّ الطَّبِيعِيَّ يَقُولُ: السَّفِينَةُ تَحْمِلُ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والمُجَوَّفُ لا يَرْسُبُ، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أغْرَقَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الطَّبْعِ، ولَوْ صَحَّ كَلامُهُ الفاسِدُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ألَسْتَ تُوافِقُ أنَّ مِنَ السُّفُنِ ما يَنْقَلِبُ ويَنْكَسِرُ، ومِنها ما يَثْقُبُهُ ثاقِبٌ فَيَرْسُبُ، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَإنْ شاءَ اللَّهُ إغْراقَهم أغْرَقَهم مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ، كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِشَيْءٍ مِن تِلْكَ الأسْبابِ كَما تُسَلِّمُ أنْتَ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لا مُغِيثَ لَهم يَمْنَعُ عَنْهُمُ الغَرَقَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إذا أدْرَكَهُمُ الغَرَقُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ العَذابِ، إمّا أنْ يَكُونَ بِدَفْعِ العَذابِ مِن أصْلِهِ أوْ بِرَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَقالَ: لا صَرِيخَ لَهم يَدْفَعُ، ولا هم يُنْقَذُونَ بَعْدَ الوُقُوعِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى غَيْرُ الحَصْرِ، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: لا صَرِيخَ، ولَمْ يَقُلْ: ولا مُنْقِذَ لَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن لا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْصُرَ لا يَشْرَعُ في النَّصْرِ مَخافَةَ أنْ يُغْلَبَ ويَذْهَبَ ماءُ وجْهِهِ، وإنَّما يَنْصُرُ ويُغِيثُ مَن يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُغِيثَ، فَقالَ: لا صَرِيخَ لَهم، وأمّا مَن لا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقِذَ إذا رَأى مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ في ضُرٍّ يَشْرَعُ في الإنْقاذِ، وإنْ لَمْ يَثِقْ بِنَفْسِهِ في الإنْقاذِ ولا يَغْلِبْ عَلى ظَنِّهِ. وإنَّما يَبْذُلُ المَجْهُودَ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: ولا مُنْقِذَ لَهم.

ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ وهو يُفِيدُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: انْقِسامُ الإنْقاذِ إلى قِسْمَيْنِ: الرَّحْمَةِ والمَتاعِ، أيْ فِيمَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً، وفِيمَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ فَلِيَتَمَتَّعَ زَمانًا ويَزْدادَ إثْمًا.

وثانِيهِما: أنَّهُ بَيانٌ لِكَوْنِ الإنْقاذِ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلدَّوامِ، بَلِ الزَّوالُ في الدُّنْيا لا بُدَّ مِنهُ، فَيُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً ويُمَتِّعُهُ إلى حِينٍ ثُمَّ يُمِيتُهُ، فالزَّوالُ لازِمٌ أنْ يَقَعَ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏

Except as a mercy from Us and provision for a time.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لا مُغِيثَ لَهم يَمْنَعُ عَنْهُمُ الغَرَقَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إذا أدْرَكَهُمُ الغَرَقُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ العَذابِ، إمّا أنْ يَكُونَ بِدَفْعِ العَذابِ مِن أصْلِهِ أوْ بِرَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَقالَ: لا صَرِيخَ لَهم يَدْفَعُ، ولا هم يُنْقَذُونَ بَعْدَ الوُقُوعِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى غَيْرُ الحَصْرِ، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: لا صَرِيخَ، ولَمْ يَقُلْ: ولا مُنْقِذَ لَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن لا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْصُرَ لا يَشْرَعُ في النَّصْرِ مَخافَةَ أنْ يُغْلَبَ ويَذْهَبَ ماءُ وجْهِهِ، وإنَّما يَنْصُرُ ويُغِيثُ مَن يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُغِيثَ، فَقالَ: لا صَرِيخَ لَهم، وأمّا مَن لا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقِذَ إذا رَأى مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ في ضُرٍّ يَشْرَعُ في الإنْقاذِ، وإنْ لَمْ يَثِقْ بِنَفْسِهِ في الإنْقاذِ ولا يَغْلِبْ عَلى ظَنِّهِ. وإنَّما يَبْذُلُ المَجْهُودَ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: ولا مُنْقِذَ لَهم.

ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ وهو يُفِيدُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: انْقِسامُ الإنْقاذِ إلى قِسْمَيْنِ: الرَّحْمَةِ والمَتاعِ، أيْ فِيمَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً، وفِيمَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ فَلِيَتَمَتَّعَ زَمانًا ويَزْدادَ إثْمًا.

وثانِيهِما: أنَّهُ بَيانٌ لِكَوْنِ الإنْقاذِ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلدَّوامِ، بَلِ الزَّوالُ في الدُّنْيا لا بُدَّ مِنهُ، فَيُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً ويُمَتِّعُهُ إلى حِينٍ ثُمَّ يُمِيتُهُ، فالزَّوالُ لازِمٌ أنْ يَقَعَ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Yā-Sīn 36:40