All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nisāʾ 4:155 Juzʾ 6 Page 103

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And [We cursed them] for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allah and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped". Rather, Allah has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مُتَعَلِّقِ الباءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكَذا، لَعَنّاهم وسَخِطْنا عَلَيْهِمْ، والحَذْفُ أفْخَمُ لِأنَّ عِنْدَ الحَذْفِ يَذْهَبُ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ، ودَلِيلُ المَحْذُوفِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ فَيَدُلُّ عَلى اللَّعْنِ.

الثّانِي: أنَّ مُتَعَلِّقَ الباءِ هو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [النِّساءِ: ١٦٠] وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ الآيَتَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا، فَجَعْلُ أحَدِهِما بَدَلًا عَنِ الآخَرِ بَعِيدٌ.

الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الجِناياتِ المَذْكُورَةَ عَظِيمَةٌ جِدًّا لِأنَّ كُفْرَهم بِاللَّهِ وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ وإنْكارَهم لِلتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، وذِكْرُ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ إنَّما يَلِيقُ أنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ العَظِيمَةُ، وتَحْرِيمُ بَعْضِ المَأْكُولاتِ عُقُوبَةٌ خَفِيفَةٌ فَلا يَحْسُنُ تَعْلِيقُهُ بِتِلْكَ الجِناياتِ العَظِيمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ حَرْفَ الباءِ عَلى أُمُورٍ:

أوَّلُها: نَقْضُ المِيثاقِ.

وثانِيها: كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنهُ كُفْرُهم بِالمُعْجِزاتِ، وقَدْ بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَن أنْكَرَ مُعْجِزَةَ رَسُولٍ واحِدٍ فَقَدْ أنْكَرَ جَمِيعَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ.

وثالِثُها: قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ورابِعُها: قَوْلُهم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ غُلْفًا جَمْعُ غِلافٍ، والأصْلُ غُلُفٌ بِتَحْرِيكِ اللّامِ فَخَفَّفَ بِالتَّسْكِينِ، كَما قِيلَ كُتْبٌ ورُسْلٌ بِتَسْكِينِ التّاءِ والسِّينِ، والمَعْنى عَلى هَذا أنَّهم قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، أيْ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى عِلْمٍ سِوى ما عِنْدَنا، فَكَذَّبُوا الأنْبِياءَ بِهَذا القَوْلِ.

والثّانِي: أنَّ غُلْفًا جَمْعُ أغْلَفَ وهو المُتَغَطِّي بِالغِلافِ أيْ: بِالغِطاءِ، والمَعْنى عَلى هَذا أنَّهم قالُوا قُلُوبُنا في أغْطِيَةٍ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُونَ، نَظِيرُهُ ما حَكى اللَّهُ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فُصِّلَتْ: ٥] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

فَإنْ حَمَلْنا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ادِّعائِهِمْ أنَّ قُلُوبَهم أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ عَلَيْها فَلا يَصِلُ أثَرُ الدَّعْوَةِ والبَيانِ إلَيْها، وهَذا يَلِيقُ بِمَذْهَبِنا، وإنْ حَمَلْنا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ادِّعائِهِمْ أنَّ قُلُوبَهم في الأكِنَّةِ والأغْطِيَةِ، وهَذا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أوْلى، وهو المُطابِقُ لِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِمُوسى والتَّوْراةِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهم عَلى حَسَبِ دَعْواهم وزَعْمِهِمْ، وإلّا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن يَكْفُرُ بِرَسُولٍ واحِدٍ وبِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإيمانُ بِأحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ البَتَّةَ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهم لَمّا نَسَبُوا مَرْيَمَ إلى الزِّنا لِإنْكارِهِمْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِ الوَلَدِ مِن دُونِ الأبِ، ومُنْكِرُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ: كُلُّ ولَدٍ وُلِدَ فَهو مَسْبُوقٌ بِوالِدٍ لا إلى أوَّلٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَوْلَ بِقِدَمِ العالَمِ والدَّهْرِ، والقَدْحَ في وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، فالقَوْمُ لا شَكَّ أنَّهم:

أوَّلًا: أنْكَرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِ الوَلَدِ مِن دُونِ الأبِ.

وثانِيًا: نَسَبُوا مَرْيَمَ إلى الزِّنا، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾ هو إنْكارُهم قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى، وبِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ نِسْبَتُهم إيّاها إلى الزِّنا، ولَمّا حَصَلَ التَّغَيُّرُ لا جَرَمَ حَسُنَ العَطْفُ، وإنَّما صارَ هَذا الطَّعْنُ بُهْتانًا عَظِيمًا لِأنَّهُ ظَهَرَ عِنْدَ وِلادَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَراماتِ والمُعْجِزاتِ ما دَلَّ عَلى بَراءَتِها مِن كُلِّ عَيْبٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [مَرْيَمَ: ٢٥] ونَحْوَ كَلامِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا مُنْفَصِلًا عَنْ أُمِّهِ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ دَلائِلُ قاطِعَةٌ عَلى بَراءَةِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - مِن كُلِّ رِيبَةٍ، فَلا جَرَمَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى طَعْنَ اليَهُودِ فِيها بِأنَّهُ بُهْتانٌ عَظِيمٌ، وكَذَلِكَ وصَفَ طَعْنَ المُنافِقِينَ في عائِشَةَ بِأنَّهُ بُهْتانٌ عَظِيمٌ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النُّورِ: ١٦] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّوافِضَ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ في عائِشَةَ بِمَنزِلَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ في مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - .

The same ayah, in another commentary

An-Nisāʾ 4:155