All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Nūḥ 71:13 Juzʾ 29 Page 571

‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏

What is [the matter] with you that you do not attribute to Allah [due] grandeur

Read in the muṣḥaf

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ مَجْبُولُونَ عَلى مَحَبَّةِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الصَّفِّ: ١٣]

صفحة ١٢٣
فَلا جَرَمَ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ والغِنى في الدُّنْيا.
والأشْياءُ الَّتِي وعَدَهم مِن مَنافِعِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفي السَّماءِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ المَطَرَ مِنها يَنْزِلُ إلى السَّحابِ.

وثانِيها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ السَّحابُ.

وثالِثُها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ المَطَرُ مِن قَوْلِهِ:

إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ [رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا]
والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرُورُ، ومِفْعالٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ مِعْطارٌ ومِثْقالٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ المالِ بَلْ يَعُمُّ الكُلَّ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وبَنِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ بَساتِينَ.

وخامِسُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّجاءَ هَهُنا بِمَعْنى الخَوْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:

إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجُ لَسْعَها
والوَقارُ العَظَمَةُ والتَّوْقِيرُ التَّعْظِيمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ بِمَعْنى ما بالُكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وهَذا القَوْلُ عِنْدِي غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ ضِدُّ الخَوْفِ في اللُّغَةِ المُتَواتِرَةِ الظّاهِرَةِ، فَلَوْ قُلْنا: إنَّ لَفْظَةَ الرَّجاءِ في اللُّغَةِ مَوْضُوعَةٌ بِمَعْنى الخَوْفِ لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلرِّوايَةِ الثّابِتَةِ بِالآحادِ عَلى الرِّوايَةِ المَنقُولَةِ بِالتَّواتُرِ وهَذا يُفْضِي إلى القَدْحِ في القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا لَفْظَ فِيهِ إلّا ويُمْكِنُ جَعْلُ نَفْيِهِ إثْباتًا وإثْباتِهِ نَفْيًا بِهَذا الطَّرِيقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أنَّ المَعْنى ”ما لَكم“ لا تَأْمَلُونَ لِلَّهِ تَوْقِيرًا أيْ تَعْظِيمًا، والمَعْنى ”ما لَكُمْ“ لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمَلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم و”لِلَّهِ“ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: ما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، والحالُ هَذِهِ وهي حالٌ مُوجِبَةٌ لِلْإيمانِ بِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ تاراتٍ خَلَقَكم أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ خَلَقَكم نُطَفًا، ثُمَّ خَلَقَكم عَلَقًا، ثُمَّ خَلَقَكم مُضَغًا، ثُمَّ خَلَقَكم عِظامًا ولَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأكم خَلْقًا آخَرَ.

وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في الِاسْتِخْفافِ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وتَرْكِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهم: إنَّكم إذا وقَّرْتُمْ نُوحًا وتَرَكْتُمُ الِاسْتِخْفافَ بِهِ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ اللَّهِ، فَما لَكَمَ لا تَرْجُونَ وقارًا وتَأْتُونَ بِهِ لِأجْلِ اللَّهِ ولِأجْلِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ لِأجْلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَرْجُو مِنهُ خَيْرًا.

ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الوَقارَ وهو الثَّباتُ مِن وقَرَ إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ‏‏ ‏‏‏ وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَباتًا وبَقاءً، فَإنَّكم لَوْ رَجَوْتُمْ ثَباتَهُ وبَقاءَهُ لَخِفْتُمُوهُ، ولَما أقْدَمْتُمْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ وأوامِرِهِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ أيْ تَعْتَقِدُونَ لِأنَّ الرّاجِيَ لِلشَّيْءِ مُعْتَقِدٌ لَهُ.

The same ayah, in another commentary

Nūḥ 71:13