All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Qiyāmah 75:5 Juzʾ 29 Page 577

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But man desires to continue in sin.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾، فَيَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ أيْضًا اسْتِفْهامًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إيجابًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ أوَّلًا ثُمَّ أتى بِهَذا الإخْبارِ ثانِيًا.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أيْ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَنْزِعُ عَنْهُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ، يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ، حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَلى شَرِّ أحْوالِهِ وأسْوَأِ أعْمالِهِ.

القَوْلُ الثّانِي: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لِيَكْذِبَ بِما أمامَهُ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ حَقًّا كانَ كاذِبًا وفاجِرًا

صفحة ١٩٣
والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فالمَعْنى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لِيُكَذِّبَ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو أمامَهُ، فَهو يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ، مَتى يَكُونُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: يَسْألُ سُؤالَ مُسْتَنْعِتٍ مُسْتَبْعِدٍ لِقِيامِ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، ونَظِيرُهُ ﴿يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ واعْلَمْ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ تارَةً يَتَوَلَّدُ مِنَ الشُّبْهَةِ وأُخْرى مِنَ الشَّهْوَةِ. أمّا مِنَ الشُّبْهَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ، فَإذا ماتَ تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ البَدَنِ واخْتَلَطَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِسائِرِ أجْزاءِ التُّرابِ وتَفَرَّقَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَكانَ تَمْيِيزُها بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِها مُحالًا، فَكانَ البَعْثُ مُحالًا. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ ساقِطَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَيْءٌ مُدَبِّرٌ لِهَذا البَدَنِ، فَإذا فَسَدَ هَذا البَدَنُ بَقِيَ هو حَيًّا كَما كانَ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّهُ إلى أيِّ بَدَنٍ شاءَ وأرادَ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَسْقُطُ السُّؤالُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذا لِأنَّهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو تَصْرِيحٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والبَدَنِ.

الثّانِي: إنْ سَلَّمْنا أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ بَعْدَ تَفْرِيقِ أجْزائِهِ لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ فَيَكُونُ عالِمًا بِالجُزْءِ الَّذِي هو بَدَنُ عَمْرٍو، وهو تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وذَلِكَ التَّرْكِيبُ مِنَ المُمْكِناتِ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِها. ومَتى ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا يَبْقى في المَسْألَةِ إشْكالٌ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو إنْكارُ مَن أنْكَرَ المَعادَ بِناءً عَلى الشَّهْوَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ومَعْناهُ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِكْثارِ مِنَ اللَّذّاتِ لا يَكادُ يُقِرُّ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ وبَعْثِ الأمْواتِ لِئَلّا تَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ، فَيَكُونُ أبَدًا مُنْكِرًا لِذَلِكَ قائِلًا عَلى سَبِيلِ الهُزُؤِ والسُّخْرِيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

The same ayah, in another commentary

Al-Qiyāmah 75:5