All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Anfāl 8:33 Juzʾ 9 Page 180

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But Allah would not punish them while you, [O Muhammad], are among them, and Allah would not punish them while they seek forgiveness.

Read in the muṣḥaf

صفحة ١٢٧
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الجَوابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ تَقْرِيرَ وجْهِ الجَوابِ أنَّ الكُفّارَ لَمّا بالَغُوا وقالُوا: اللَّهُمَّ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ مُحِقًّا فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، ذَكَرَ تَعالى أنَّ مُحَمَّدًا وإنْ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ إلّا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُمْطِرُ الحِجارَةَ عَلى أعْدائِهِ، وعَلى مُنْكِرِي نُبُوَّتِهِ، لِسَبَبَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما دامَ يَكُونُ حاضِرًا مَعَهم، فَإنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ، وهَذا أيْضًا عادَةُ اللَّهِ مَعَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْ أهْلَ قَرْيَةٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَخْرُجَ رَسُولُهم مِنها، كَما كانَ في حَقِّ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ حُضُورُهُ فِيهِمْ مانِعًا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ١٤] .

قُلْنا: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، ومِنَ الثّانِي: العَذابُ الحاصِلُ بِالمُحارَبَةِ والمُقاتَلَةِ.

والسَّبَبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وفِيهِمْ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، فاللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّ المُرادَ بَعْضُهم كَما يُقالُ: قَتَلَ أهْلُ المَحَلَّةِ رَجُلًا، وأقْدَمَ أهْلُ البَلْدَةِ الفُلانِيَّةِ عَلى الفَسادِ، والمُرادُ بَعْضُهم.

الثّانِي: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، وفي عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَكُونُ لَهم أوْلادٌ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ، فَوُصِفُوا بِصِفَةِ أوْلادِهِمْ وذَرارِيِّهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ قَتادَةُ والسَّدِّيُّ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا، فَكانَ المَطْلُوبُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ اسْتِدْعاءَ الِاسْتِغْفارِ مِنهُمْ؛ أيْ لَوِ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَما عَذَّبَهُمُ اللَّهُ.

ولِهَذا ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ هَهُنا بِمَعْنى الإسْلامِ، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ مَعَهم قَوْمٌ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يُسْلِمُوا، مِنهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وعَدَدٌ كَثِيرٌ، والمَعْنى‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعَ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ أنَّ فِيهِمْ مَن يَئُولُ أمْرُهُ إلى الإيمانِ، قالَ أهْلُ المَعانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ أمانٌ وسَلامَةٌ مِنَ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِيهِمْ أمانانِ نَبِيُّ اللَّهِ والِاسْتِغْفارُ، أمّا النَّبِيُّ فَقَدْ مَضى، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ما دامَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِمْ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَذِّبُهم فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يُعَذِّبُهم إذا خَرَجَ الرَّسُولُ مِن بَيْنِهِمْ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في هَذا العَذابِ فَقالَ بَعْضُهم: لَحِقَهم هَذا العَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ بَلْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا العَذابُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، والعَذابُ الَّذِي نَفاهُ عَنْهم هو عَذابُ الدُّنْيا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ يُعَذِّبُهم، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَدْ ظَهَرَتِ الأخْبارُ أنَّهم كَيْفَ صَدُّوا عَنْهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهم يَصُدُّونَ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم أوْلِياؤُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلانَ هَذِهِ الدَّعْوى بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ يَتَحَرَّزُونَ عَنِ المُنْكَراتِ، كالَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ البَيْتِ مِنَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ لَمْ يَكُنْ ولِيًّا لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، فَهم إذَنْ أهْلٌ لِأنْ يُقْتَلُوا بِالسَّيْفِ ويُحارَبُوا، فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأعَزَّ الإسْلامَ بِذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:33