All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

At-Tawbah 9:82 Juzʾ 10 Page 200

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أعْمالِ المُنافِقِينَ، وهو فَرَحُهم بِالقُعُودِ وكَراهَتُهُمُ الجِهادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُخَلَّفُ المَتْرُوكُ مِمَّنْ مَضى.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ احْتالُوا حَتّى تَخَلَّفُوا، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَرِحَ المُتَخَلِّفُونَ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنَعَ أقْوامًا مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يُفْسِدُونَ ويُشَوِّشُونَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا مُخَلَّفِينَ لا مُتَخَلِّفِينَ.

والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ صارُوا مُخَلَّفِينَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ٨٣] . فَلَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ صارُوا بِهَذا السَّبَبِ مُخَلَّفِينَ.

الثّالِثُ: أنَّ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى الجِهادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُخَلَّفٌ؛ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْهَضْ فَبَقِيَ وأقامَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا المَقْعَدُ اسْمٌ لِلْمَكانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ”بِمَقْعَدِهِمْ“ بِقُعُودِهِمْ، وعَلى هَذا هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ والمُؤَرِّجِ والزَّجّاجِ: يَعْنِي مُخالَفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سارَ وأقامُوا.

صفحة ١١٩
قالُوا: وهو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: إنَّ﴿خِلافَ﴾ بِمَعْنى خَلْفَ، وإنَّ يُونُسَ رَواهُ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ومَعْناهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وعَلى هَذا القَوْلِ الخِلافُ اسْمٌ لِلْجِهَةِ المُعَيَّنَةِ كالخَلْفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ مُتَوَجِّهٌ إلى قُدّامِهِ، فَجِهَةُ خَلْفِهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ قُدّامِهِ في كَوْنِها جِهَةً مُتَوَجِّهًا إلَيْها، وخِلافَ بِمَعْنى خَلْفَ مُسْتَعْمَلٌ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأحْوَصِ:

عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا
وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُوا بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ وكَرِهُوا الذَّهابَ إلى الغَزْوِ.
واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالإقامَةِ عَلى كَراهَةِ الذَّهابِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أعادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى الإقامَةِ؛ لِأجْلِ إلْفِهِ تِلْكَ البَلْدَةِ واسْتِئْناسِهِ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، وكَرِهَ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلْمالِ والنَّفْسِ لِلْقَتْلِ والإهْدارِ، وأيْضًا مِمّا مَنَعَهم مِن ذَلِكَ الخُرُوجِ شِدَّةُ الحَرِّ في وقْتِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ .

فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا السَّبَبِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: إنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا أُخْرى، وإنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى، وأيْضًا هَذِهِ مَشَقَّةٌ مُنْقَضِيَةٌ، وتِلْكَ مَشَقَّةٌ باقِيَةٌ. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ لِبَعْضِهِمْ:

مَسَرَّةُ أحْقابٍ تَلَقَّيْتُ بَعْدَها ∗∗∗ مَساءَةَ يَوْمٍ إنَّها شِبْهُ أنْصابِ

فَكَيْفَ بِأنْ تَلْقى مَسَرَّةَ ساعَةٍ ∗∗∗ وراءَ تَقَضِّيها مَساءَةَ أحْقابِ
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا وإنْ ورَدَ بِصِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ بِأنَّهُ سَتَحْصُلُ هَذِهِ الحالَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم وإنْ فَرِحُوا وضَحِكُوا في كُلِّ عُمُرِهِمْ، فَهَذا قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلَةٌ، وأمّا حُزْنُهم وبُكاؤُهم في الآخِرَةِ فَكَثِيرٌ؛ لِأنَّهُ عِقابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُنْقَطِعُ بِالنِّسْبَةِ إلى الدّائِمِ قَلِيلٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ولْيَبْكُوا لِهَذا الغَرَضِ. وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ النِّفاقِ. واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ، وعَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ أوْصَلَ الضَّرَرَ إلَيْهِمِ ابْتِداءً لا بِواسِطَةِ كَسْبِهِمْ لَكانَ ظالِمًا؛ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ مِرارًا يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.

The same ayah, in another commentary

At-Tawbah 9:82