All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Al-Isrāʾ 17:100 Juzʾ 15 Page 292

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ خَزائِنَ نِعَمِهِ الَّتِي أفاضَها عَلى كافَّةِ المَوْجُوداتِ فالرَّحْمَةُ مَجازٌ عَنِ النِّعَمِ والخَزائِنُ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ، و«أنْتُمْ» عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهم فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ؛ لِأنَّ «لَوْ» يَمْتَنِعُ أنْ يَلِيَها الِاسْمُ والأصْلُ: لَوْ تَمْلِكُونَ تَمْلِكُونَ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ حاتِمٍ وقَدْ أُسِرَ فَلَطَمَتْهُ جارِيَةٌ: لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي، وقَوْلُ المُتَلَمِّسِ:

ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي جَعَلْتُ لَهم فَوْقَ العِرانِينِ مِيسَما
وفائِدَةُ الحَذْفِ والتَّفْسِيرِ عَلى ما قِيلَ الإيجازُ فَإنَّهُ بَعْدَ قَصْدِ التَّوْكِيدِ لَوْ قِيلَ: تَمْلِكُونَ تَمْلِكُونَ لَكانَ إطْنابًا وتَكْرارًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، والمُبالَغَةُ لِتَكْرِيرِ الإسْنادِ أوْ لِتَكْرِيرِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَكَرُّرَ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ والدَّلالَةَ عَلى الِاخْتِصاصِ وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ «أنْتُمْ» بِعَيْنِهِ ضَمِيرُ «تَمْلِكُونَ» المُؤَخَّرِ فَهو في المَعْنى فاعِلٌ مُقَدَّمٌ وتَقْدِيمُ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ إذا ناسَبَ المَقامَ فَيُفِيدُ الكَلامُ حِينَئِذٍ تَرَتُّبَ الإمْساكِ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المُرادُ مِنهُ عَلى تَفَرُّدِهِمْ بِمِلْكِ الخَزائِنِ ويُعْلَمُ مِنهُ تَرَتُّبُهُ عَلى مِلْكِها بِالِاشْتِراكِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وإلى تَخْرِيجِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلى هَذا الطَّرْزِ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ بَيْدَ أنَّ أبا الحَسَنِ بْنَ الصّائِغِ وغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِأنَّهم يَمْنَعُونَ إيلاءَ لَوْ فِعْلًا مُضْمَرًا في الفَصِيحِ ويُجِيزُونَهُ في الضَّرُورَةِ وفي نادِرِ كَلامٍ، ولَعَلَّ شِعْرَ المُتَلَمِّسِ ومَثَلِ حاتِمٍ عِنْدَهم مِن ذَلِكَ، والحَقُّ خِلافُ ذَلِكَ.

وقالَ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فَضالَةَ المُجاشِعِيُّ: إنَّ التَّقْدِيرَ: لَوْ كُنْتُمْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ، وظاهِرُهُ أنَّ أنْتُمْ عِنْدَهُ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَحْذُوفِ مَعَ الفِعْلِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ بْنُ الصّائِغِ: إنَّ الأصْلَ: لَوْ كُنْتُمْ تَمْلِكُونَ فَحُذِفَتْ كانَ وحْدَها وانْفَصَلَ الضَّمِيرُ فَهو عِنْدُهُ اسْمٌ لِكانَ مَحْذُوفَةً وجُمْلَةُ: «تَمْلِكُونَ» خَبَرُها وعَلى هَذا تُخَرَّجُ نَظائِرُهُ.

قالَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ نَقْلِ ما تَقَدَّمَ: وهَذا التَّخْرِيجُ أحْسَنُ لِأنَّ حَذْفَ كانَ بَعْدَ لَوْ مَعْهُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، ولا يَخْفى أنَّ الكَلامَ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أفْيَدُ وإنْ كانَ الظّاهِرُ أنَّ الإمْساكَ عَلى هَذا يَكُونُ عَلى اسْتِمْرارِ المِلْكِ، والمُرادُ مِنَ الإمْساكِ البُخْلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ البُخْلَ إمْساكٌ خاصٌّ، فَلَمّا حُذِفَ المَفْعُولُ ووُجِّهَ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِمَعْنى لَفَعَلْتُمُ الإمْساكَ جُعِلَ كِنايَةً عَنْ أبْلَغِ أنْواعِهِ وأقْبَحِها، وإلى كَوْنِهِ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ ذَهَبَ صاحِبُ الفَرائِدِ وغَيْرُهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى البُخْلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وعَلى ما ذَكَرْنا يَتَخَرَّجُ قَوْلُهم لِلْبَخِيلِ مُمْسِكٌ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: مَخافَةَ الفَقْرِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ قالَ: يُقالُ: أنْفَقَ فُلانٌ إذا افْتَقَرَ، وأبُو عُبَيْدَةَ قالَ: أنْفَقَ وأمْلَقَ وأعْدَمَ وأصْرَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الإنْفاقُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ وهو صَرْفُ المالِ، وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ أيْ: خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ.

صفحة 181
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ لازِمِهِ وهو النَّفادُ، ونُصِبَ ‏‏‏‏ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَعْلُهُ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الوَصْفِ بِالشُّحِّ الغايَةَ القُصْوى الَّتِي لا يَبْلُغُها الوَهْمُ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا تَتَناهى وانْفَرَدُوا بِمِلْكِها مِن غَيْرِ مُزاحِمٍ أمْسَكُوها مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ إلّا خَشْيَةَ الفَقْرِ، وإنْ شِئْتَ فَوازِنْ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

ولَوَ انَّ دارَكَ أنْبَتَتْ لَكَ أرْضُها ∗∗∗ إبَرًا يَضِيقُ بِها فِناءُ المَنزِلِ

وأتاكَ يُوسُفُ يَسْتَعِيرُكَ إبْرَةً ∗∗∗ لِيَخِيطَ قَدَّ قَمِيصَهُ لَمْ تَفْعَلِ
مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ ما يَزِيدُ عَلى العَشَرَةِ؛ تَرى التَّفاوُتَ الَّذِي لا يُحْصَرُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الخِطابَ فِيها عامًّا فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ بَخِيلًا كَما هو ظاهِرٌ ما بَعْدُ مَعَ أنَّهُ أثْبَتَ لِبَعْضِهِمُ الإيثارَ مَعَ الحاجَةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَوادِ الحَقِيقِيِّ والفَيّاضِ المُطْلَقِ عَزَّ مَجْدُهُ فَإنَّ الإنْسانَ إمّا مُمْسِكٌ أوْ مُنْفِقٌ، والإنْفاقُ لا يَكُونُ إلّا لِغَرَضٍ لِلْعاقِلِ كَعِوَضٍ مالِيٍّ أوْ مَعْنَوِيٍّ كَثَناءٍ جَمِيلٍ أوْ خِدْمَةٍ واسْتِمْتاعٍ كَما في النَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وما كانَ لِعِوَضٍ كانَ مُبادَلَةً لا مُباذَلَةً، أوْ هو بِالنَّظَرِ إلى الأغْلَبِ وتَنْزِيلِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ كَما قِيلَ:

عُدْنا في زَمانِنا ∗∗∗ عَنْ حَدِيثِ المَكارِمِ

مَن كَفى النّاسَ شَرَّهُ ∗∗∗ فَهْوَ في جُودِ حاتِمِ
وهَذا الجَوابُ عِنْدِي أوْلى مِنَ الأوَّلِ وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُبالِغًا في البُخْلِ، وجاءَ القَتْرُ بِمَعْنى تَقْلِيلِ النَّفَقَةِ وهو بِإزاءِ الإسْرافِ وكِلاهُما مَذْمُومٌ، ويُقالُ: قَتَّرْتُ الشَّيْءَ واقْتَرْتُهُ وقَتَّرْتُهُ أيْ: قَلَّلْتُهُ وفُلانٌ مُقَتِّرٌ فَقِيرٌ، وأصْلُ ذَلِكَ كَما قالَ الرّاغِبُ مِنَ القُتارِ والقَتْرِ وهو الدُّخانُ السّاطِعُ مِنَ الشِّواءِ والعُودِ ونَحْوِهِما فَكَأنَّ المُقَتِّرَ والمُقَتَّرَ هو الَّذِي يُتَناوَلُ مِنَ الشَّيْءِ قُتارَهُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا ما اقْتَرَحُوا مِنَ اليَنْبُوعِ والأنْهارِ وغَيْرِها، والمُرادُ مِنَ الإنْسانِ كَما في القَوْلِ الأوَّلِ الجِنْسُ ولا شَكَّ في أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى البُخْلِ لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِ الحاجَةُ، وقِيلَ: الإنْسانُ وعَلَيْهِ الإمامُ، ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا مِنَ اليَنْبُوعِ والأنْهارِ لِتَكْثُرَ أقْواتُهم وتَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَبَخِلُوا وشَحُّوا ولَما قَدِمُوا عَلى إيصالِ النَّفْعِ لِأحَدٍ، والمُرادُ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم في غايَةِ الشُّحِّ ويَقْتَرِحُونَ ما يَقْتَرِحُونَ أوِ المُرادُ أنَّ صِفَتَهم هَذِهِ فَلا فائِدَةَ في إسْعافِهِمْ بِما طَلَبُوا كَذا قالَ العَسْكَرِيُّ وغَيْرُهُ فالآيَةُ عِنْدَهم مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ويَكْفِي عَلى العُمُومِ انْدِراجُ أهْلِ مَكَّةَ فِيهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: المُناسِبُ في وجْهِ الِارْتِباطِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ مَنَحَهُ اللَّهُ تَعالى ما لَمْ يَمْنَحْهُ لِأحَدٍ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إلى الإنْسِ والجِنِّ فَهو ﷺ أحْرَصُ النّاسِ عَلى إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ وإنْقاذِهِمْ مِنَ الضَّلالِ، يُثابِرُ عَلى ذَلِكَ ويُخاطِرُ بِنَفْسِهِ في دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَعْرِضُ ذَلِكَ عَلى القَبائِلِ وأحْياءِ العَرَبِ سَمْحًا بِذَلِكَ لا يَطْلُبُ مِنهم أجْرًا وهَؤُلاءِ أقْرِباؤُهُ لا يَكادُ يُجِيبُ مِنهم أحَدٌ إلّا الواحِدُ بَعْدَ الواحِدِ قَدْ لَجُّوا في عِنادِهِ وبَغْضائِهِ فَلا يَصِلُ مِنهم إلّا الأذى فَنَبَّهَ تَعالى شَأْنُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى سَماحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَذْلِ
صفحة 182
ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى وعَلى امْتِناعِ هَؤُلاءِ أنْ يَصِلَ مِنهم شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ إلَيْهِ ﷺ فَهي قَدْ جاءَتْ مُبَيِّنَةً تَبايُنَ ما بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم مِن حِرْصِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وعَدَمِ إيصالِ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ مِنهم إلَيْهِ اه. فالِارْتِباطُ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ مَجْمُوعِ الآياتِ السّابِقَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تُشْعِرُ بِحِرْصِهِ ﷺ عَلى هِدايَتِهِمْ، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الِارْتِباطِ اشْتِمالَها عَلى ذَمِّهِمْ بِالشُّحِّ المُفْرِطِ كَما أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى ذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ كَذَلِكَ وهُما صِفَتانِ سَيِّئَتانِ، ضَرَرُ إحْداهُما قاصِرٌ، وضَرَرُ الأُخْرى مُتَعَدٍّ، فَتَأمَّلْ؛ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ولَمّا حَكى سُبْحانَهُ عَنْ قُرَيْشٍ ما حَكى مِنَ العَنَتِ والعِنادِ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ سَلّاهُ تَعالى جَدُّهُ بِما جَرى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ وما صَنَعَ سُبْحانَهُ بِفِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا:

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ظاهِرُ السِّياقِ والنَّظائِرِ يَقْتَضِيانِ كَوْنَ المَعْنى تِسْعَ أدِلَّةٍ وواضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُنافِيهِ أنَّهُ قَدْ أُوتِيَ مِن ذَلِكَ ما هو أكْثَرُ مِمّا ذُكِرَ لِأنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ كَما حُقِّقَ في الأُصُولِ وإلى هَذا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّهُ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَذِهِ التِّسْعِ فَفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ هي كَما في التَّوْراةِ العَصا، ثُمَّ الدَّمُ ثُمَّ الضَّفادِعُ ثُمَّ القُمَّلُ ثُمَّ مَوْتُ البَهائِمِ، ثُمَّ بَرْدٌ كَنارٍ أُنْزَلَ مَعَ نارٍ مُضْطَرَمَةٍ أهْلَكَتْ ما مَرَّتْ بِهِ مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ ثُمَّ جَرادٌ ثُمَّ ظُلْمَةٌ ثُمَّ مَوْتٌ عَمَّ كِبارِ الآدَمِيِّينَ وجَمِيعَ الحَيَواناتِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والسِّنِينُ ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ.

وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ السِّنِينَ والنَّقْصَ مِنَ الثَّمَراتِ آيَةٌ واحِدَةٌ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِالحَسَنِ؛ إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَيُحْمَلُ الأوَّلُ عَلى الجَدْبِ في بَوادِيهِمْ والثّانِي عَلى النُّقْصانِ في مَزارِعِهِمْ أوْ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ فَلا ضَيْرَ في عَدِّهِما آيَتَيْنِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّها يَدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِسانُهُ وعَصاهُ والبَحْرُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ، وفي الكَشّافِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّها العَصا واليَدُ والجَرادُ والقَمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والحَجَرُ والبَحْرُ والطُّورُ الَّذِي نَتَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ فِيهِ: إنَّ الحَجَرَ والطُّورَ لَيْسا مِنَ الآياتِ المَذْهُوبِ بِها إلى فِرْعَوْنَ وقالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَكَرَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والإشارَةُ إلى الآياتِ ثُمَّ قالَ: والجَوابُ جازَ أنْ يَكُونَ التِّسْعُ البَيِّناتُ بَعْضًا مِنها غَيْرَ البَعْضِ مِن تِلْكَ التِّسْعِ ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُلَّ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأمّا الإشارَةُ فَإلى البَعْضِ بِالضَّرُورَةِ؛ لِأنَّ الكُلَّ إنَّما حَصَلَتْ عَلى التَّدْرِيجِ وفَلْقُ البَحْرِ لَمْ يَكُنْ في مَعْرِضِ التَّحَدِّي بَلْ عِنْدَ ما حَقَّ الهَلاكُ اه.

ولا يَخْلُو عَنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوَّلًا لائِحُ الوَجْهِ ما فِيهِ إشْكالٌ ونَسَبَهُ في الكَشّافِ إلى الحَسَنِ وهو خِلافُ ما وجَدْناهُ في الكُتُبِ الَّتِي يُعَوَّلُ عَلَيْها في أمْثالِ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ سَألَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ عَنْ هَذِهِ الآياتِ فَعَدَّ ما عَدَّ وذَكَرَ فِيهِ الطَّمْسَ. فَقالَ عُمَرُ: كَيْفَ يَكُونُ الفَقِيهُ إلّا هَكَذا ثُمَّ قالَ:
صفحة 183
يا غُلامُ، أخْرِجْ ذَلِكَ الجِرابَ فَأخْرَجَهُ فَنَفَضَهُ فَإذا بَيْضٌ مَكْسُورٌ بِنِصْفَيْنِ وجَوْزٌ مَكْسُورٌ وفُومٌ وحِمَّصٌ وعَدَسٌ كُلُّها حِجارَةٌ، هَذا وظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ والطَّبَرانِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ لا نَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً، وخَلْقٌ آخَرُونَ عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ: «أنَّ يَهُودِيَّيْنِ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ نَسْألُهُ، فَأتَياهُ ﷺ فَسَألاهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ».

وفِي رِوايَةٍ: «أوْ قالَ: لا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ - شَكَّ شُعْبَةُ - وعَلَيْكم يا يَهُودُ خاصَّةً أنْ لا تَعْتَدُوا في السَّبْتِ فَقَبَّلا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقالا: نَشْهَدُ إنَّكَ نَبِيٌّ»» الخَبَرَ.

ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ بِالآياتِ الأحْكامُ، وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ، ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْها بِأنَّها عَلاماتٌ عَلى السَّعادَةِ لِمَنِ امْتَثَلَها والشَّقاوَةِ لِغَيْرِهِ، وقِيلَ: أُطْلِقَتْ عَلَيْها لِأنَّها نَزَلَتْ في ضِمْنِ آياتٍ بِمَعْنى عِباراتٍ دالَّةٍ عَلى المَعانِي نَحْوَ آياتِ الكِتابِ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ إطْلاقِ الدّالِّ وإرادَةِ المَدْلُولِ، وقِيلَ: لا ضَيْرَ أنْ يُرادَ عَلى ذَلِكَ بِالآياتِ العِباراتُ الإلَهِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى تِلْكَ الأحْكامِ مِن حَيْثُ إنَّها دالَّةٌ عَلَيْها، وفِيهِ وكَذا في سابِقَةِ القَوْلِ بِإطْلاقِ الآياتِ عَلى ما أُنْزِلَ عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا ﷺ مِنَ العِباراتِ الإلَهِيَّةِ كَإطْلاقِها عَلى ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنها.

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الآياتِ في الرِّوايَةِ الَّتِي لا شَكَّ فِيها عَشَرَةٌ وما في الآيَةِ المَسْؤُولِ عَنْها تِسْعٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ الأخِيرَ فِيها أعْنِي لا تَعْتَدُوا في السَّبْتِ لَيْسَ مِنَ الآياتِ لِأنَّ المُرادَ بِها أحْكامٌ عامَّةٌ ثابِتَةٌ في الشَّرائِعِ كُلِّها وهو لَيْسَ كَذَلِكَ، ولِذا غَيَّرَ الأُسْلُوبَ فِيهِ فَهو تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وتَتْمِيمٌ لَهُ بِالزِّيادَةِ عَلى ما سَألُوهُ ﷺ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ذَكَرَ التِّسْعَ العامَّةَ في كُلِّ شَرِيعَةٍ ذُكِرَ خاصًّا بِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ ﷺ بِالكُلِّ، وهو حَسَنٌ ولَيْسَ الأُسْلُوبُ الحَكِيمُ فِيهِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ فَإطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما فَعَلَ الخَفاجِيُّ لَيْسَ في مَحَلِّهِ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِفِرْعَوْنَ وإنَّما أُوتِيَها بَنُو إسْرائِيلَ ولَعَلَّ جَوابَهُ ﷺ بِما ذُكِرَ لِما أنَّهُ المُهِمُّ لِلسّائِلِ وقَبُولُهُ لِما أنَّهُ كانَ في التَّوْراةِ مَسْطُورًا، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ ما عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ اه.

وتُعُقِّبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَجِبُ في الآياتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ أنْ تَكُونَ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِفِرْعَوْنَ وما بَعْدُ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، نَعَمْ هو كالظّاهِرِ فِيهِ لَكِنَّ كَثِيرًا ما تُتْرَكُ الظَّواهِرُ لِلْأخْبارِ الصَّحِيحَةِ سَلَّمْنا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَها تَعَلُّقٌ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ تِلْكَ الأحْكامَ لا تَعَلُّقَ لَها لِجَوازِ أنْ يَكُونَ كُلُّها أوْ بَعْضُها مِمّا خُوطِبَ بِهِ فِرْعَوْنُ وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا لا بُدَّ لِنَفْيِ ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ، وكَأنَّ حاصِلَ ما أرادَ مِن قَوْلِهِ لَعَلَّ جَوابَهُ ﷺ إلَخْ أنَّ ذَلِكَ الجَوابَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِأنْ يَكُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ بِمَعْنى المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ وهي المُرادَةُ في الآيَةِ، وأُوتِيَ تِسْعًا أُخْرى بِمَعْنى الأحْكامِ وهي غَيْرُ مُرادَةٍ إلّا أنَّ الجَوابَ وقَعَ عَنْها لِما ذُكِرَ وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ.

فَمُؤَيِّداتُ كُلٍّ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ أعْنِي تَفْسِيرَ الآياتِ بِالأدِلَّةِ والمُعْجِزاتِ وتَفْسِيرَها بِالأحْكامِ مُتَعارِضَةٌ، وأقْوى
صفحة 184
ما يُؤَيِّدُ الثّانِيَ الخَبَرُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ جَمْعٌ: «فَسَلْ» والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِنَبِيِّنا ﷺ والسُّؤالُ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ إلّا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّؤالُ إمّا بِمَعْنى الطَّلَبِ أوْ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ لِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْرَجَها أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألَ عَلى صِيغَةِ الماضِي بِغَيْرِ هَمْزٍ كَقالَ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، فَإنَّهم يُبْدِلُونَ الهَمْزَةَ المُتَحَرِّكَةَ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ السّائِلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ مُسْتَعْقِبٌ عَنِ الإيتاءِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاسْألْ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِئَلّا تَتَخالَفَ القِراءَتانِ ولا بُدَّ إذْ ذاكَ مِن إضْمارٍ لِئَلّا يَخْتَلِفا خَبَرًا وطَلَبًا، أيْ: فَقُلْنا لَهُ اطْلُبْهم مِن فِرْعَوْنَ وقُلْ لَهُ أرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ أوِ اطْلُبْ مِنهم أنْ يُعاضِدُوكَ وتَكُونَ قُلُوبُهم وأيْدِيهِمْ مَعَكَ أوْ سَلْهم عَنْ إيمانِهِمْ وعَنْ حالِ دِينِهِمْ واسْتَفْهِمْ مِنهم هَلْ هم ثابِتُونَ عَلَيْهِ أوِ اتَّبَعُوا فِرْعَوْنَ ويَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ بِالمُضْمَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهو مُتَعَلِّقٌ بِ «اسْألْ» عَلى قِراءَتِهِ ﷺ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ المُضْمَرِ في اللَّفْظِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فاسْألْ خِطابًا لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لانْفَكَّ النَّظْمُ وأيْضًا لا يَظْهَرُ اسْتِعْقابُهُ ولا تَسَبُّبُهُ عَنْ إيتاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، نَعَمْ جَعَلَ الذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ «فاسْألْ» اعْتِراضًا مِن بابِ: زَيْدٌ فاعْلَمْ فَقِيهٌ، والفاءُ تَكُونُ لِلِاعْتِراضِ كالواوِ وعَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ:

واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِّرا
وهَذا الوَجْهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الإضْمارِ و‏‏ ‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ عَلَيْهِ بِآياتِنا ظَرْفًا ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِسَلْ؛ إذْ لَيْسَ سُؤالُهُ ﷺ في وقْتِ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ في الكَشْفِ: والمَعْنى: فاسْألْ يا مُحَمَّدُ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ عَنْ ذَلِكَ؛ إمّا لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ أقْوى، وإمّا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم ثابِتٌ في كِتابِهِمْ ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَةَ السُّؤالِ بَلْ كَوْنَهم أعْنِي المَسْؤُولِينَ مِن أهْلِ عِلْمِهِ ولِهَذا يُؤْمَرُ مِثْلُكَ بِسُؤالِهِمْ وهَذا هو الوَجْهُ الَّذِي يُحْمَلُ بِهِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِ «اذْكُرْ» مُضْمَرًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وجازَ عَلى هَذا أنْ لا يُجْعَلَ ‏‏‏ اعْتِراضًا ويُجْعَلَ اذْكُرْ بَدَلًا عَنِ اسْألْ لِما سَمِعْتَ مِن أنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وكَذا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا كَذَلِكَ بِ «يُخْبِرُوكَ» مُضْمَرًا وقَعَ جَوابَ الأمْرِ أيْ سَلْهم يُخْبِرُوكَ إذْ جاءَهم.

ولا يَجُوزُ عَلى هَذا الِاعْتِراضُ، نَعَمْ يَجُوزُ الِاعْتِراضُ عَلى هَذا بِأنْ أخْبَرَ يَتَعَدّى بِالباءِ أوْ عَنْ لا بِنَفَسِهِ فَيَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ بَدَلَ الإخْبارِ الذِّكْرُ ونَحْوُهُ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وإمّا جَعْلُهُ ظَرْفًا لَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إذِ الإخْبارُ غَيْرُ واقِعٍ في وقْتِ المَجِيءِ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ السُّؤالَ عَنِ الآياتِ والجَوابَ بِالإخْبارِ عَنْ وقْتِ المَجِيءِ أوْ ذِكْرِهِ لا يُلائِمُهُ.

ويُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ المُرادَ يُخْبِرُوكَ بِذَلِكَ الواقِعِ وقْتَ مَجِيئِهِ لَهم أوْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ لَكَ وهو كَما تَرى، وبَعْضُهم جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِ «يُخْبِرُوكَ» عَلى أنَّ إذْ لِلتَّعْلِيلِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِ «اذْكُرْ»، والمَعْنى عَلى سائِرِ احْتِمالاتِ كَوْنِ الخِطابِ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ جاءَ آباءَهم إذْ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ هُمُ المَوْجُودُونَ في زَمانِهِ ﷺ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما جاءَهم فالكَلامُ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ عَلى ارْتِكابِ نَوْعٍ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، والِاحْتِمالاتُ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الخِطابِ لِمَن يَسْمَعُ هي الِاحْتِمالاتُ الَّتِي سُمِعَتْ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ لِسَيِّدِ السّامِعِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والفاءُ في ‏‏‏‏ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ والأوْجُهِ فَصِيحَةٌ والمَعْنى: إذْ جاءَهم فَذَهَبَ إلى فِرْعَوْنَ وادَّعى النُّبُوَّةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ وكَيْتَ وكَيْتَ فَقالَ: ﴿إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ سُحِرْتَ فاخْتَلَّ عَقْلُكَ ولِذَلِكَ اخْتَلَّ كَلامُكَ
صفحة 185
وادَّعَيْتَ ما ادَّعَيْتَ وهو كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

وقالَ الفَرّاءُ والطَّبَرِيُّ: مَسْحُورًا بِمَعْنى ساحِرًا عَلى النَّسَبِ أوْ حَقِيقَةً وهو يُناسِبُ قَلْبَ العَصا ونَحْوَهُ عَلى تَفْسِيرِ الآياتِ بِالمُعْجِزاتِ

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think, O Pharaoh, that you are destroyed."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَدًّا لِقَوْلِهِ المَذْكُورِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ يا فِرْعَوْنُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ الآياتِ التِّسْعَ أوْ بَعْضَها، والإشارَةُ إلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامُ، وقَدْ مَرَّ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: خالِقُهَما ومُدَبِّرُهُما، وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّ عِلْمَكَ بِأنَّ هاتِيكَ الآياتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ تَعالى يَقْتَضِي أنِّي لَسْتُ بِمَسْحُورٍ ولا ساحِرٍ، وأنَّ كَلامِي غَيْرُ مُخْتَلٍّ لَكِنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ حَمَلَكَ عَلى العِنادِ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إيماءً إلى أنَّ إنْزالَها مِن آثارِ ذَلِكَ، وفي البَحْرِ: ما أحْسَنَ إسْنادَ إنْزالِها إلى رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ إذْ هو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَهُ فِرْعَوْنُ في أوَّلِ مُحاوَرَتِهِ فَقالَ لَهُ: وما رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ تَنْبِيهًا عَلى نَقْصِهِ وأنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في الوُجُودِ فَدَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ دَعْوى مُسْتَحِيلٍ فَبَكَّتَهُ وأعْلَمَهُ أنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن أنْزَلَها ولَكِنَّهُ مُكابِرٌ مُعانِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وخاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ أيْ أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذِهِ أوْ هي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها ولَيْسَ خِطابُهُ عَلى جِهَةِ إخْبارِهِ عَنْ عِلْمِهِ أوِ العِلْمِ بِعِلْمِهِ لِيَكُونَ إفادَةَ لازِمِ الخَبَرِ كَقَوْلِكَ لِمَن حَفِظَ التَّوْراةَ: حَفِظْتَ التَّوْراةَ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والكِسائِيُّ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بِضَمِّ التّاءِ فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ كَما زَعَمَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى وعَدُوُّهُ بَلْ هو يَعْلَمُ أنَّ ما أنْزَلَ تِلْكَ الآياتِ إلّا خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرُهُما، ورُوِيَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَلِمَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهُ رَواهُ كُلْثُومٌ المُرادِيُّ وهو مَجْهُولٌ وكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ووَجْهُ نِسْبَةِ العَلَمِ إلَيْهِ ظاهِرٌ.

وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنصُورٍ وابْنَ المُنْذِرِ وابْنَ أبِي حاتِمٍ أخْرَجُوا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ ويَقُولُ ذَلِكَ. ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، ولَعَلَّ هَذا المَجْهُولَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في أسانِيدِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وجُمْلَةُ: ‏‏ ‏‏‏‏ إلَخْ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَةٌ مَسَدَّ ‏‏‏‏ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ حالٌ مِن هَؤُلاءِ والعامِلُ فِيهِ أنْزَلَ المَذْكُورُ عِنْدَ الحُوفِيِّ وأبِي البَقاءِ وابْنِ عَطِيَّةَ وما قَبْلُ إلّا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ تابِعًا لَهُ، وقَدْ نَصَّ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ عَلى جَوازِ: ما ضَرَبَ هِنْدًا إلّا زَيْدٌ ضاحِكَةً، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ عَدَمُ الجَوازِ؛ فَإنْ ورَدَ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ أُوِّلَ عِنْدَهم عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ، والتَّقْدِيرُ هُنا: أنْزَلَها بَصائِرَ؛ أيْ: بَيِّناتٍ مَكْشُوفاتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي عَلى أنَّهُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ بِمَعْنى مُبْصِرَةٍ أيْ بَيِّنَةٍ وتُطْلَقُ البَصائِرُ عَلى الحُجَجِ بِجَعْلِها كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، أيْ: ما أنْزَلَها إلّا حُجَجًا وأدِلَّةً عَلى صِدْقِي وتَكُونُ بِمَعْنى العِبْرَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ الآياتِ التِّسْعِ ما اقْتَضاهُ خَبَرُ صَفْوانَ السّابِقُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( هَؤُلاءِ ) إشارَةً
صفحة 186
إلى ما أظْهَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ ويُعْتَبَرُ إظْهارُ ذَلِكَ فِيما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ وإنْ أبَيْتَ إلّا جَعْلَها إشارَةً إلى الآياتِ المَذْكُورَةِ بِذَلِكَ المَعْنى لِتَحَقُّقِ جَمِيعِها مِن أوَّلِ الأمْرِ وثُبُوتِها وقْتَ المُحاوَرَةِ وشِدَّةِ مُلاءَمَةِ الإنْزالِ لَها احْتَجْتَ إلى ارْتِكابِ نَوْعِ تَكَلُّفٍ فِيما لا يَخْفى عَلَيْكَ.

﴿وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أيْ: هالِكًا كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُ مِن ثَبَرَ اللّازِمِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومَفْعُولُ فِيهِ لِلنَّسَبِ بِناءً عَلى أنَّهُ يَأْتِي لَهُ مِنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِ «مُهْلَكًا» وهو ظاهِرٌ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: أيْ: مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا؛ أيْ: ما مَنَعَكَ وإلَيْهِ يَرْجِعُ ما أخْرَجَهُ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِ «مَلْعُونًا» مَحْبُوسًا عَنِ الخَيْرِ.

وأخْرَجَ الشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَهُ بِناقِصِ العَقْلِ، وفي مَعْناهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ بِمَسْحُورٍ قالَ: رَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِثْلِ ما قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ‏‏‏‏‏‏‏ في الآيَةِ فَقالَ: مُخالِفًا ثُمَّ قالَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن أنْ يَلْعَنُوا أوْ يَسُبُّوا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ وكَذا ناقِصُ العَقْلِ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ مالِكٌ فِيهِ ما فِيهِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ تَفْسِيرَهُ بِ «هالِكًا» ونَحْوِهِ مِمّا فِيهِ خُشُونَةٌ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى خِطابًا لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وأشارَ أبُو حَيّانَ إلى جَوابِهِ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أوَّلًا يَتَوَقَّعُ مِن فِرْعَوْنَ المَكْرُوهَ كَما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فَلَمّا قالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وثِقَ بِحِمايَةِ اللَّهِ تَعالى فَصالَ عَلَيْهِ صَوْلَةَ المَحْمِيِّ وقابَلَهُ مِنَ الكَلامِ بِما لَمْ يَكُنْ لِيُقابِلَهُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وفِيهِ كَلامٌ سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ، وبِالجُمْلَةِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ أظْهَرُ التَّفاسِيرِ ولا ضَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما مَعَ تَعْبِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالظَّنِّ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قارَعَ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنَّيْنِ فَإنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ إفْكٌ مُبِينٌ وظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحُومُ حَوْلَ اليَقِينِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ كَعْبٍ: «وإنْ إخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا» عَلى «إنْ» المُخَفَّفَةِ واللّامِ الفارِقَةِ، وإخالُ بِمَعْنى أظُنُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الفَصِيحِ وقَدْ تُفْتَحُ في لُغَةٍ كَما في القامُوسِ.

You read 17:100–102 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Isrāʾ 17:100