All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Ar-Rūm 30:16 Juzʾ 21 Page 406

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ وكَذَّبُوا بِالبَعْثِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ في تَكْذِيبِ الآياتِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏
صفحة 27
إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ تَعالى، وبِلِقاءِ الآخِرَةِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وانْتِظامِهِمْ في سِلْكِ المُشاهَداتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ، أيْ فَأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى الدَّوامِ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ أبَدًا، والظّاهِرُ أنَّ الفَسَقَةَ مِن أهْلِ الإيمانِ غَيْرُ داخِلِينَ في أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِالآياتِ والبَعْثِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَإمّا لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ في العُرْفِ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ المُجْتَنِبِينَ المُفَسِّقاتِ عَلى ما قِيلَ، وإمّا لِأنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ يَصْدُقُ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ أصْلًا، فَهم غَيْرُ داخِلِينَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ جَمِيعِ الأفْرادِ، وحُكْمُهم مَعْلُومٌ مِن آياتٍ أُخَرَ، فَلا تَغْفُلْ.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So exalted is Allah when you reach the evening and when you reach the morning.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أثَرُ ما بَيْنَ حالِ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصّالِحاتِ والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ وما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى ما يُنَجِّي مِنَ الثّانِي، ويُفْضِي إلى الأوَّلِ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن حَمْدِهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ ووَصْفِهِ بِما هو أهْلُهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ والشُّؤُونِ الجَلِيلَةِ، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما يُدْعى إلَيْهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المَذْكُورُونَ قَبْلُ بِلا فَصْلٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ (سُبْحانَ) هُنا مَنصُوبٌ بِفِعْلِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، أوْ إذا صَحَّ واتَّضَحَ حالُ الفَرِيقَيْنِ، ومَآلُهُما، فَسَبِّحُوا سُبْحانَ اللَّهِ إلَخْ، أيْ نَزِّهُوهُ تَعالى تَنْزِيهَهُ اللّائِقَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الأوْقاتِ، قالَ في الكَشْفِ: وفِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّ سُبْحانَ اللَّهِ لَزِمَ طَرِيقَةً واحِدَةً لا يَنْصِبُهُ فِعْلُ الأمْرِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ مِن نَوْعٍ آخَرَ، والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ تَوْضِيحٌ لِلْمَعْنى، وأنَّ وُقُوعَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مِنوالِ: إنْ فَعَلْتَ كَذا، فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، فَإنَّهُ إنْشاءٌ أيْضًا، لَكِنَّهُ نابَ مَنابَ الخَبَرِ، وأبْلَغَ، كَذَلِكَ هو لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ تَعالى في الأوْقاتِ هَرَبًا مِن وبِيلِ عِقابِهِ، وطَلَبًا لِجَزِيلِ ثَوابِهِ، والشَّرْطُ والجَوابُ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ انْتَهى، وفي حَواشِي شَيْخِ زادَهْ أنَّ الأمْرَ بَلِ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ مُطْلَقًا لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها بِالشَّرْطِ، لِأنَّ الإنْشاءَ إيقاعُ المَعْنى بِلَفْظٍ يُقارِنُهُ، ولَوْ جازَ تَعْلِيقُهُ لَلَزِمَ تَأخُّرُهُ عَنْ زَمانِ التَّلَفُّظِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما المُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ هو الإخْبارُ عَنْ إنْشاءِ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وإنْشاءُ المَدْحِ والذَّمِّ والِاسْتِفْهامِ ونَحْوِها، فَإذا قُلْتَ: إنْ فَعَلْتُ كَذا غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، أوْ فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، كانَ المَعْنى: فَقَدْ فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّ بِسَبَبِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ أوْ أنْ تُمْدَحَ بِسَبَبِهِ إلّا أنَّ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْمُبالَغَةِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَمَعْنى الآيَةِ إذا كانَ الأمْرُ كَما تَقَرَّرَ فَأنْتُمْ تُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وهو في مَعْنى الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ فِيها انْتَهى.

ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِمّا في الكَشْفِ، بَلْ لا يَظْهَرُ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن دَعْوى أنَّ الشَّرْطَ والجَوابَ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ.

ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ حَيْثُ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ، والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا في الأوْقاتِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنِّي بِكَ تَمْنَعُ لُزُومَ سُبْحانَ طَرِيقَةً واحِدَةً، وهي الَّتِي ذُكِرَتْ أوَّلًا، ويَجُوزُ نَصْبُ فِعْلِ الأمْرِ لَها إذا اقْتَضاهُ المَقامُ وأشْعَرَ بِهِ الكَلامُ، ولَكِنْ كَأنَّكَ تَمِيلُ إلى اعْتِبارِ كَوْنِ الجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إنْشائِيَّةً مَعْنًى، بِأنْ يُرادَ بِها الأمْرُ لِتَوافُقِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ فَإنَّها وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً إلّا أنَّ الإخْبارَ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ تَعالى ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما يُشْعِرُ بِهِ اتِّباعُ ذَلِكَ.
صفحة 28
ذِكْرُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ بِالفاءِ في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، فَكَأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ قِيلَ: فَسَبِّحُوا اللَّهَ تَعالى تَسْبِيحَهُ اللّائِقَ بِهِ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الأوْقاتِ واحْمَدُوهُ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفٌ عَلى ( حِينَ تُمْسُونَ ) بَلْ هم صَرَّحُوا بِهَذا، وعَلى ما ذُكِرَ يَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ فاصِلَةً بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وما أشْبَهَ الآيَةَ حِينَئِذٍ بِآيَةِ الوُضُوءِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ. وفي الكَشّافِ أنَّ ( عَشِيًّا ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ إلَخِ، اعْتِراضٌ بَيْنَهُما، ومَعْناهُ أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ أنْ يَحْمَدُوهُ.

وإلى كَوْنِ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً ذَهَبَ أبُو البَقاءِ أيْضًا، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ حالًا مِنَ الحَمْدِ، وفي جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنهُ عَلى احْتِمالِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً، وهو الظّاهِرُ خِلافٌ، ولَعَلَّ مَن لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ يَجْعَلُ الجارَّ مُتَعَلِّقًا بِالثُّبُوتِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ النِّسْبَةُ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ ظاهِرُهُما عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ صَلاةُ المَغْرِبِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ صَلاةُ الصُّبْحِ، ‏‏‏‏‏ صَلاةُ العَصْرِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ المَغْرِبُ والعِشاءُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الفَجْرُ ‏‏‏‏‏ العَصْرُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ الظُّهْرُ، وذَهَبَ الحَسَنُ إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، لِما أنَّهُ يَرى فَرْضِيَّةَ الخَمْسِ بِالمَدِينَةِ، وأنَّهُ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتِ الصَّلاةُ فِيهِ، والصَّحِيحُ أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ المِعْراجِ دِلالَةً بَيِّنَةً.

واخْتارَ الإمامُ الرّازِيُّ حَمْلَ التَّسْبِيحِ عَلى التَّنْزِيهِ، فَقالَ: إنَّهُ أقْوى والمَصِيرُ إلَيْهِ أوْلى، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الصَّلاةَ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْزِيهَ المَأْمُورَ بِهِ يَتَناوَلُ التَّنْزِيهَ بِالقَلْبِ، وهو الِاعْتِقادُ الجازِمُ، وبِاللِّسانِ مَعَ ذَلِكَ وهو الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبِالأرْكانِ مَعَهُما جَمِيعًا، وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والأوَّلُ هو الأصْلُ، والثّانِي ثَمَرَةُ الأوَّلِ، والثّالِثُ ثَمَرَةُ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ شَيْئًا ظَهَرَ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ، وإذا قالَ ظَهَرَ صِدْقُهُ في مَقالِهِ مِن أحْوالِ أفْعالِهِ، واللِّسانُ تُرْجُمانُ الجَنانِ، والأرْكانُ بُرْهانُ اللِّسانِ، لَكِنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ أعْمالِ الأرْكانِ، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، والقَصْدِ بِالجَنانِ، فَهو تَنْزِيهٌ في التَّحْقِيقِ، فَإذا قالَ سُبْحانَهُ: نَزِّهُونِي، وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّنْزِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ ما هو تَنْزِيهٌ، فَيَكُونُ هَذا أمْرًا بِالصَّلاةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَنا يُناسِبُهُ ما تَقَدَّمَ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَقامَ الأعْلى والجَزاءَ الأوْفى لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ سُبْحانَهُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ ذَلِكَ المَقامَ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، والإيمانُ تَنْزِيهٌ بِالجَنانِ، وتَوْحِيدٌ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ الصّالِحُ اسْتِعْمالُ الأرْكانِ، فالكُلُّ تَنْزِيهاتٌ وتَحْمِيداتٌ فَسُبْحانَ اللَّهِ، أيْ فَأْتُوا بِذَلِكَ الَّذِي هو المُوَصِّلُ إلى الحُبُورِ في الرِّياضِ والحُضُورِ عَلى الحِياضِ اهـ، وأنا بِالإمامِ أقْتَدِي في دَعْوى أوْلَوِيَّةِ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ، وأخْتارُ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، ومَعْناهُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الكَشّافِ أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ أنْ يَحْمَدُوهُ، فَإنَّ حُمِلَ التَّسْبِيحُ عَلى الصَّلاةِ، فَهو كَلامٌ يُؤَكِّدُ الوُجُوبَ لِأنَّ الحَمْدَ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الصَّلاةِ كالتَّسْبِيحِ، ووَجْهُ التَّأْكِيدِ دِلالَتُهُ عَلى
صفحة 29
أنَّهُ أمْرٌ عَمَّ المُكَلَّفِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْ حُمِلَ عَلى الظّاهِرِ فَوَجْهُهُ أنَّ ذَلِكَ جارٍ مَجْرى الِاسْتِدْراكِ لِلْأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ، ولَمّا كانَ مِن وادٍ واحِدٍ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُؤَكِّدًا لِلْآخَرِ، فَدَلَّ عَلى دَوامِ وُجُوبِ الحَمْدِ في الأوْقاتِ، ووُجُوبِ التَّسْبِيحِ عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأمّا الدِّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ فَمِنَ اتِّباعِ (سُبْحانَ اللَّهِ) إلَخْ، ذُكِرَ الوَعْدُ والوَعِيدُ بِالفاءِ فَإنَّهُ يُفْهِمُ تَعَيُّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلْخَلاصِ عَنِ الدَّرَكاتِ، والوُصُولِ إلى الدَّرَجاتِ، وما يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِذَلِكَ كانَ واجِبًا كَذا في الكَشْفِ.

وذَكَرَ الإمامُ أنَّ في هَذا الِاعْتِراضِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ العِبادَ بِالتَّسْبِيحِ كَأنَّهُ قالَ جَلَّ وعَلا: بَيِّنْ لَهم أنَّ تَسْبِيحَهُمُ اللَّهَ تَعالى لِنَفْعِهِمْ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى إذا سَبَّحُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحُجُراتُ: 17].

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( في السَّماواتِ ) ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُعْطَفُ ظَرْفُ الزَّمانِ عَلى المَكانِ ولا عَكْسُهُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ دائِمًا وعَشِيًّا، عَلى أنَّهُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وهو كَما تَرى، وتَخْصِيصُ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِ آثارِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ والرَّحْمَةِ فِيها، وقَدَّمَ الإمْساءَ عَلى الإصْباحِ لِتَقَدُّمِ اللَّيْلِ والظُّلْمَةِ، وقَدَّمَ العَشِيَّ عَلى الإظْهارِ لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الإظْهارِ كالإمْساءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإصْباحِ. وفي البَحْرِ: قُوبِلَ بِالعَشِيِّ الإمْساءُ، وبِالإظْهارِ الإصْباحُ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُعْقَبُ بِما قابَلَهُ، فالعَشِيُّ يَعْقُبُهُ الإمْساءُ، والإصْباحُ يَعْقُبُهُ الإظْهارُ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: إنَّ تَقْدِيمَ ( عَشِيًّا ) عَلى ( حِينَ تُظْهِرُونَ ) لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ قُدِّمَ الإمْساءُ عَلى الإصْباحِ ها هُنا، وأُخِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحْزابُ: 42]، لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ ها هُنا ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةُ، وكَذا آخِرُهُ، والإمْساءُ آخِرٌ، فَذُكِرَ الآخِرُ أوَّلًا لِتَذَكُّرِ الآخِرَةِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ( عَشِيًّا ) لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحِّحًا لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ. وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ كَما مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ في سُورَةِ النُّورِ، هَذا وفَضْلُ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ أظْهَرُ مِن أنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ، وذَكَرُوا في فَضْلِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ عِدَّةَ أخْبارٍ.

فَأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى، لِأنَّهُ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَشِيًّا، وحِينَ تُظْهِرُونَ»».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ )، أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ مِن لَيْلَتِهِ»»

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ فِيهِ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ ( فَسُبْحانَ ) إلَخْ، مَقُولًا عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ «حِينَ تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ» بِتَنْوِينِ حِينٍ، فالجُمْلَةُ صِفَةٌ حُذِفَ مِنها العائِدُ، والتَّقْدِيرُ تُمْسُونَ فِيهِ، وتُصْبِحُونَ فِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: الجُمْلَةُ مُضافٌ إلَيْها
صفحة 30
ولا تَقْدِيرَ لِلضَّمِيرِ أصْلًا.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ولَعَلَّ مُرادَهُما التَّمْثِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، ويُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وقِيلَ:

أيْ يُعْقِبُ الحَياةَ بِالمَوْتِ وبِالعَكْسِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يُبْسِها، فالإحْياءُ والمَوْتُ مَجازانِ، ‏‏‏‏‏ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ البَدِيعِ الشَّأْنِ ‏‏‏‏‏ مِن قُبُورِكم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ «تَخْرُجُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ، وضَمِّ الرّاءِ، وهَذا عَلى ما قِيلَ نَوْعُ تَفْصِيلٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرُّومُ: 11].

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّكم تُبْعَثُونَ دِلالَةٌ أوْضَحُ مِن دِلالَةِ ما سَبَقَ، فَإنَّ دِلالَةَ بَدْءِ خَلْقِهِمْ عَلى إعادَتِهِمْ أظْهَرُ مِن دِلالَةِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، وإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، ومِن دِلالَةِ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها عَلَيْها، ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ خَلْقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْطَوٍ عَلى خَلْقِ ذُرِّيّاتِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا ‏‏ ‏‏‏‏ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، ولا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في ذاتِكم وصِفاتِكُمْ، وقِيلَ: خَلَقَهم مِن تُرابٍ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ مادَّتَهم مِنهُ، فَهو مَجازٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ في الأرْضِ تَتَصَرَّفُونَ في أغْراضِكم وأسْفارِكُمْ، ( وإذا ) فُجائِيَّةٌ، ( وثُمَّ ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ، لِما بَيْنَ الخَلْقِ والِانْتِشارِ مِنَ المُدَّةِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّها لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، لِأنَّ المُفاجَأةَ تَأْبى الحَقِيقِيَّ. ورُدَّ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُفاجِئَ أحَدًا أمْرٌ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِن أمْرٍ آخَرَ، أوْ أحَدُهُما حَقِيقِيٌّ، والآخَرُ عُرْفِيٌّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ يَأْباهُ الذَّوْقُ، فَإنَّهُ كالجَمْعِ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أنْسَبُ بِالنَّظْمِ القُرْآنِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى المُبْتَدَإ قَبْلَها، وهي بِتَأْوِيلِ مُفْرَدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ خَلْقُكم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مُفاجَأتُكم وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ، كَذا قِيلَ، وفي وُقُوعِ الجُمْلَةِ مُبْتَدَأً بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ويُتَخَيَّلُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ العَطْفَ عَلى ( خَلَقَكم ) بِحَسَبِ المَعْنى حَيْثُ قالَ: أيْ ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشْفِ في نَظِيرِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أنَّهُ أُقِيمَتِ الجُمْلَةُ مَقامَ المُفْرَدِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّها تُفِيدُ فائِدَتَهُ، والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آلُ عِمْرانَ: 97]، لِأنَّهُ في مَعْنى: وأمِّنْ داخِلَهُ، وأمّا مِن حَيْثُ الصُّورَةُ فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ الإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ آيَةٌ خارِجَةٌ مِن جِنْسِ الآياتِ مُسْتَقِلَّةٌ بِشَأْنِها مَقْصُودَةٌ بِذاتِها، فَتَأمَّلْ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Ar-Rūm 30:16