All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Ar-Rūm 30:27 Juzʾ 21 Page 407

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest attribute in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَعْدَ المَوْتِ، والتَّكْرِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ لِشِدَّةِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْإعادَةِ، وتَذْكِيرُهُ لِرِعايَةِ الخَبَرِ، أوْ لِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِأنْ والفِعْلِ، وهو في حُكْمِ المَصْدَرِ المُذَكَّرِ، أوْ لِتَأْوِيلِها بِالبَعْثِ ونَحْوِهِ، وكَوْنُهُ راجِعًا إلى مَصْدَرٍ مَفْهُومٍ مِن ( يُعِيدُهُ )، وهو لَمْ يُذْكَرْ بِلَفْظِ الإعادَةِ لا يُفِيدُ عَلى ما قِيلَ، لِأنَّهُ اشْتُهِرَ بِهِ، فَكَأنَّهُ إذا فُهِمَ مِنهُ يُلاحَظُ فِيهِ خُصُوصُ لَفْظِهِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، ( وأهْوَنُ ) لِلتَّفْضِيلِ، أيْ والإعادَةُ أسْهَلُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المَبْدَإ، والأسْهَلِيَّةُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِالنِّسْبَةِ لِما يَفْعَلُهُ البَشَرُ مِمّا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَإنَّ إعادَةَ شَيْءٍ مِن مادَّتِهِ الأُولى أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِن إيجادِهِ ابْتِداءً، والمُرادُ التَّقْرِيبُ لِعُقُولِ الجَهَلَةِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، وإلّا فَكُلُّ المُمْكِناتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ سَواءٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالإضافَةِ إلى قَدْرِكُمْ، والقِياسِ عَلى أُصُولِكم.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا آخَرَ لِلتَّفْضِيلِ وهو أنَّ الإنْشاءَ مِن قَبِيلِ التَّفَضُّلِ الَّذِي يَتَخَيَّرُ فِيهِ الفاعِلُ بَيْنَ أنْ يَفْعَلَهُ، وأنْ لا يَفْعَلَهُ، والإعادَةُ مِن قَبِيلِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ، لِأنَّها لِجَزاءِ الأعْمالِ، وجَزاؤُها واجِبٌ، والأفْعالُ إمّا مُحالٌ والمُحالُ مُمْتَنِعٌ أصْلًا خارِجٌ عَنِ المَقْدُورِ، وإمّا ما يَصْرِفُ الحَكِيمَ عَنْ فِعْلِهِ صارِفٌ وهو القَبِيحُ، وهو رَدِيفُ المُحالِ، لِأنَّ الصّارِفَ يَمْنَعُ وُجُودَ الفِعْلِ، كَما تَمْنَعُهُ الإحالَةُ، وإمّا تَفَضُّلٌ، والتَّفَضُّلُ حالُهُ بَيْنَ بَيْنَ لِلْفاعِلِ أنْ يَفْعَلَهُ، وأنْ لا يَفْعَلَهُ، وإمّا واجِبٌ لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ، ولا سَبِيلَ إلى الإخْلالِ بِهِ، فَكانَ الواجِبُ أبْعَدَ الأفْعالِ مِنَ الِامْتِناعِ، وأقْرَبَها مِنَ الحُصُولِ، فَلَمّا كانَتِ الإعادَةُ مِن قَبِيلِ الواجِبِ كانَتْ أبْعَدَ الأفْعالِ مِنَ الِامْتِناعِ، وإذا كانَتْ أبْعَدَها مِنهُ كانَتْ أدْخَلَها في التَّأتِّي والتَّسَهُّلِ، فَكانَتْ أهْوَنَ مِنها، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ كانَتْ أهْوَنَ مِنَ الإنْشاءِ اهـ. قالَ في التَّقْرِيبِ: وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الوُجُوبِ العَقْلِيِّ، ولِأنَّ الوُجُوبَ إذا كانَ بِالذّاتِ نافى القُدْرَةَ كالِامْتِناعِ، وإلّا كانَ مُمْكِنًا، فَتَساوى الفِعْلانِ لِاشْتِراكِهِما في مُصَحِّحِ المَقْدُورِيَّةِ، وهو الإمْكانُ.

وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: أقُولُ: إنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ بِالذّاتِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ المُساواةُ مَعَ التَّفَضُّلِ في سُهُولَةِ التَّأتِّي، وأمّا المُساواةُ في مُصَحِّحِ المَقْدُورِيَّةِ فَلا مَدْخَلَ لَها فِيما نَحْنُ فِيهِ، والحاصِلُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ مِنهُ أنَّ الدّاعِيَ إلى فِعْلِهِ أقْوى فَلا شَكَّ أنَّهُ أقْرَبُ إلى الوُجُودِ مِمّا لا يَكُونُ الدّاعِي كَذَلِكَ. نَعَمْ إذا خَلَصَ الدّاعِي إلى القِسْمَيْنِ صارا سَواءً، ولَيْسَ البَحْثُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ اهـ.

والحَقُّ ما قالَهُ أبُو السُّعُودِ مِن أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِأهْوَنِيَّةِ الفِعْلِ أقْرَبِيَّتِهِ إلى الوُجُودِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ لِلْفاعِلِ إلى إيجادِهِ، وقُوَّةِ اقْتِضائِها لِتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِهِ، بَلْ أسَهْلِيَّةِ تَأْتِّيهِ، وصُدُورِهِ عَنْهُ عِنْدَ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِوُجُودِهِ، وكَوْنِهِ واجِبًا بِالغَيْرِ، ولا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِطَرِيقِ الإيجابِ أوْ بِطَرِيقِ الِاخْتِيارِ. ورَوى الزَّجّاجُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ ( أهْوَنَ ) ها هُنا بِمَعْنى هَيِّنٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وهَذا كَما يُقالُ: اللَّهُ تَعالى أكْبَرُ، أيْ كَبِيرٌ، وأنْتَ أوْحَدُ النّاسِ، أيْ واحِدُهُمْ، وإنِّي لِأوْجَلُ أيْ وجِلٌ. وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّهُ مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ، وإنَّما قِيلَ بِمَعْنى الهَيِّنِ، لِأنَّهُ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ، وقِيلَ: أفْعَلُ عَلى ظاهِرِهِ، وضَمِيرُ عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ، عَلى مَعْنى أنَّ الإعادَةَ أيْسَرُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّ البُداءَةَ فِيها تَدْرِيجٌ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ إلى أنْ يَصِيرَ إنْسانًا، والإعادَةُ لا تَحْتاجُ إلى التَّدْرِيجاتِ في الأطْوارِ، إنَّما يَدْعُوهُ اللَّهُ تَعالى فَيَخْرُجُ
صفحة 37
وأمّا عَلى مَعْنى أنَّ الإعادَةَ أسْهَلُ عَلى المَخْلُوقِ، أيْ أنْ يُعِيدُوا شَيْئًا، ويَفْعَلُوهُ ثانِيًا بَعْدَ ما زاوَلُوا فِعْلَهُ، وعَرَفُوهُ أوَّلًا أسْهَلُ مِن أنْ يَفْعَلُوهُ أوَّلًا قَبْلَ المُزاوَلَةِ، وإذا كانَ هَذا حالَ المَخْلُوقِ، فَما بالُكَ بِالخالِقِ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ صِلَةُ ( أهْوَنُ )، وقُدِّمَتِ الصِّلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ) [مَرْيَمُ: 9، 21] وأُخِّرَتْ هُنا لِأنَّهُ قَصَدَ هُنالِكَ الِاخْتِصاصَ، وهو مَحَزُّهُ، فَقِيلَ ( هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ) وإنْ كانَ صَعْبًا عِنْدَكم أنْ يُولَدَ بَيْنَ هم وعاقِرٍ، وأمّا ها هُنا فَلا مَعْنى لِلِاخْتِصاصِ، كَيْفَ والأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى ما يَعْقِلُونَ مِن أنَّ الإعادَةَ أسْهَلُ مِنَ الِابْتِداءِ، فَلَوْ قُدِّمَتِ الصِّلَةُ لَتَغَيَّرَ المَعْنى، ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ تَعالى شَأْنُهُ خاصَّةً ‏‏‏‏‏ أيِ الوَصْفُ العَجِيبُ الشَّأْنِ، كالقُدْرَةِ العامَّةِ، والحِكْمَةِ التّامَّةِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ، ‏‏‏ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِيهِ فَضْلًا عَمّا يُساوِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ هَذا لِتَفْهِيمِ العُقُولِ القاصِرَةِ، إذْ صِفاتُهُ تَعالى عَجِيبَةٌ، وقُدْرَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عامَّةٌ، وحِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ تامَّةٌ، فَكُلُّ شَيْءٍ بَدْأً، وإعادَةً، وإيجادًا، وإعْدامًا عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولا مِثْلَ لَهُ تَعالى ولا نِدَّ، وعَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أنَّ ( المَثَلَ الأعْلى ) لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَعَلَّهُما أرادا بِذَلِكَ الوَحْدانِيَّةَ في ذاتِهِ تَعالى، وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ، والكَلامُ عَلَيْهِ مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذُكِرَ لِتَفْهِيمِ العُقُولِ القاصِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مُرْتَبِطٌ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقالَ الزَّجّاجُ: المَثَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( هو أهْوَنُ عَلَيْهِ ) قَدْ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا فِيما يَسْهُلُ ويَصْعُبُ عِنْدَكُمْ، ويَنْقاسُ عَلى أُصُولِكُمْ، فاللّامُ في المَثَلِ لِلْعَهْدِ وهو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ غَيْرُ مُسْتَعارٍ لِلْوَصْفِ العَجِيبِ الشَّأْنِ، ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ وُصِفَ بِذَلِكَ، وعُرِفَ بِهِ فِيهِما عَلى ألْسِنَةِ الخَلائِقِ، وألْسِنَةِ الدَّلائِلِ، وقِيلَ: بِالأعْلى، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ ( المَثَلِ )، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في ( الأعْلى )، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَهُ ) أيْ لَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ المَثَلُ الأعْلى، والمُرادُ أنَّ دِلالَةَ خَلْقِهِما عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ أتَمُّ مِن دِلالَةِ الإنْشاءِ، فَهو أدَلُّ عَلى جَوازِ الإعادَةِ، ولِهَذا جُعِلَ أعْلى مِنَ الإنْشاءِ، فَتَأمَّلْ، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجِزُ عَنْ بَدْءٍ مُمْكِنٍ وإعادَتِهِ، ‏‏‏‏‏ الَّذِي يُجْرِي الأفْعالَ عَلى سُنَنِ الحِكْمَةِ، والمَصْلَحَةِ.

The same ayah, in another commentary

Ar-Rūm 30:27