All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Luqmān 31:18 Juzʾ 21 Page 412

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And do not turn your cheek [in contempt] toward people and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allah does not like everyone self-deluded and boastful.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لا تُمِلْهُ عَنْهُمْ، ولا تُوَلِّهِمْ صَفْحَةَ وجْهِكَ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَماعَةٌ وأنْشَدُوا:

وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما
فَهُوَ مِنَ الصَّعَرِ بِمَعْنى الصَّيْدِ، وهو داءٌ يَعْتَرِي البَعِيرَ فَيَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ، ويُسْتَعارُ لِلتَّكَبُّرِ كالصَّعَرِ، وقالَ ابْنُ خُوَيْزِمَندادَ: نُهِيَ أنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، فَيَلْوَيَ عُنُقَهُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدُ، ولامُ ( لِلنّاسِ ) تَعْلِيلِيَّةٌ، والمُرادُ: ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِأجْلِ الإعْراضِ عَنِ النّاسِ أوْ صِلَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «تُصاعِرْ» بِألِفٍ بَعْدَ الصّادِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تُصْعِرْ) مُضارِعِ أصْعَرَ، والكُلُّ واحِدٌ مِثْلُ عَلاهُ، وعالاهُ، وأعْلاهُ.

‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ الَّتِي هي أحَطُّ الأماكِنِ مَنزِلَةً ‏‏‏‏‏ أيْ فَرَحًا وبَطَرًا، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ، أوْ تَمْرَحُ مَرَحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ لِأجْلِ المَرَحِ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وقُرِئَ (مَرِحًا) بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ مُوجِبِهِ، والمُخْتالُ مِنَ الخُيَلاءِ، وهو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ كِبْرًا، وقالَ الرّاغِبُ: التَّكَبُّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَراءَتْ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ومِنهُ تُؤَوَّلُ لَفْظُ الخَيْلِ لِما قِيلَ: إنَّهُ لا يَرْكَبُ أحَدٌ فَرَسًا إلّا وجَدَ في نَفْسِهِ نَخْوَةً، والفَخُورُ مِنَ الفَخْرِ، وهو المُباهاةُ في الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ الإنْسانِ كالمالِ والجاهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَعْدادُ الشَّخْصِ ما أعْطاهُ لِظُهُورِ أنَّهُ مُباهاةٌ بِالمالِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: تَفْسِيرُ الفَخُورِ بِمَن يُعَدِّدُ ما أعْطى، ولا يَشْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وفي الآيَةِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ مَعْكُوسٌ حَيْثُ قالَ: المُخْتالُ مُقابِلٌ لِلْماشِي مَرَحًا، وكَذَلِكَ الفَخُورُ لِلْمُصَعِّرِ خَدَّهُ كِبْرًا، وذَلِكَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَأْبى ذَلِكَ كَوْنُ الوَصِيَّةِ لَمْ تَكُنْ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، كَما لا يَخْفى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَإنَّ الِاخْتِيالَ يُناسِبُ الكِبْرَ والعَجَبَ، وكَذا الفَخْرُ يُناسِبُ المَشْيَ مَرَحًا.

والكَلامُ عَلى رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ، والمُرادُ السَّلْبُ الكُلِّيُّ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ، وصِيغَةُ ( فَخُورٍ ) لِلْفاصِلَةِ، ولِأنَّ ما يُكْرَهُ مِنَ الفَخْرِ كَثْرَتُهُ، فَإنَّ القَلِيلَ مِنهُ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهُ، وهَذا كَما لَطَفَ بِإباحَةِ اخْتِيالِ المُجاهِدِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وإباحَةِ الفَخْرِ بِنَحْوِ المالِ لِمَقْصِدٍ حَسَنٍ.

‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And be moderate in your pace and lower your voice; indeed, the most disagreeable of sounds is the voice of donkeys."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ بَعْدَ الِاجْتِنابِ عَنِ المَرَحِ فِيهِ، أيْ تَوَسَّطْ فِيهِ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ مِنَ القَصْدِ، وهو الِاعْتِدالُ، وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ إلّا أنَّ في أكْثَرِها مَقالًا يُخْرِجُها عَنْ صَلاحِيَّةِ الِاحْتِجاجِ بِها، كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ شَرْحَ الجامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُناوِيِّ
صفحة 91
عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»»

أيْ هَيْبَتَهُ وجَمالَهُ، أيْ تُورِثُهُ حَقارَةً في أعْيُنِ النّاسِ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الخِفَّةِ، وهَذا أقْرَبُ مِن قَوْلِالمُناوِيِّ لِأنَّها تُتْعِبُ فَتُغَيِّرُ البَدَنَ والهَيْئَةَ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ خَبَبِ اليَهُودِ ودَبِيبِ النَّصارى، ولَكِنْ مَشْيًا بَيْنَ ذَلِكَ، وما في النِّهايَةِ مِن أنَّ عائِشَةَ نَظَرَتْ إلى رَجُلٍ كادَ يَمُوتُ تَخافُتًا، فَقالَتْ: ما لِهَذا؟ فَقِيلَ: إنَّهُ مِنَ القُرّاءِ، فَقالَتْ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَيِّدَ القُرّاءِ، وكانَ إذا مَشى أسْرَعَ، وإذا قالَ أسْمَعَ، وإذا ضَرَبَ أوْجَعَ. فالمُرادُ بِالإسْراعِ فِيهِ ما فَوْقَ دَبِيبِ المُتَماوِتِ، وهو الَّذِي يُخْفِي صَوْتَهُ، ويُقِلُّ حَرَكاتِهِ مِمّا يَتَزَيّا بِزِيِّ العُبّادِ، كَأنَّهُ يَتَكَلَّفُ في اتِّصافِهِ بِما يُقَرِّبُهُ مِن صِفاتِ الأمْواتِ لِيُوهِمَ أنَّهُ ضَعُفَ مِن كَثْرَةِ العِبادَةِ، فَلا يُنافِي الآيَةَ، وكَذا ما ورَدَ في صِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ يَمْشِي كَأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ، وكَذا لا يُنافِيها قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفُرْقانُ: 63]، إذْ لَيْسَ الهَوْنُ فِيهِ المَشْيُ كَدَبِيبِ النَّمْلِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ المَذْمُومَ اعْتِيادُ الإسْراعِ بِالإفْراطِ فِيهِ، وقالَ السَّخاوِيُّ: مَحَلُّ ذَمِّ الإسْراعِ ما لَمْ يَخْشَ مِن بُطْءِ السَّيْرِ تَفْوِيتُ أمْرٍ دِينِيٍّ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإسْراعَ المُذْهِبَ لِلْخُشُوعِ لِإدْراكِ الرَّكْعَةِ مَعَ الإمامِ مَثَلًا مِمّا قالُوا: إنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي، فَلا تَغْفُلْ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ القَصْدَ في المَشْيِ التَّواضُعُ فِيهِ، وقِيلَ: جُعِلَ البَصَرُ مَوْضِعَ القَدَمِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: وقُرِئَ. «وأقْصِدْ» بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ لِلْحِجازِيِّ مِن أقْصَدَ الرّامِي إذا سَدَّدَ سَهْمَهُ نَحْوَ الرَّمِيَّةِ، ووَجَّهَهُ إلَيْها لِيُصِيبَها، أيْ سَدِّدْ في مَشْيِكَ، والمُرادُ امْشِ مَشْيًا حَسَنًا، وكَأنَّهُ أُرِيدَ التَّوَسُّطُ بِهِ بَيْنَ المَشْيَيْنِ السَّرِيعِ والبَطِيءِ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ، ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ انْقُصْ مِنهُ، واقْصُرْ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَغُضُّ مِن فُلانٍ، إذا قَصَرَ بِهِ، وضَعَ مِنهُ، وحَطَّ مِن دَرَجَتِهِ. وفي البَحْرِ: الغَضُّ رَدُّ طُمُوحِ الشَّيْءِ كالصَّوْتِ، والنَّظَرِ، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ:

فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
ومُتَعَدِّيًا بِمِن كَما هو ظاهِرُ قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ: غَضَّ مِن صَوْتِهِ. والظّاهِرُ إنَّ ما في الآيَةِ مِنَ الثّانِي، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم جَعْلَ مِن فِيها لِلتَّبْعِيضِ، وادَّعى آخَرُ كَوْنَها زائِدَةً في الإثْباتِ، وكانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِجَهارَةِ الصَّوْتِ، وتَمْدَحُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

جَهِيرُ الكَلامِ جَهِيرُ العُطاسِ ∗∗∗ جَهِيرُ الرَّواءِ جَهِيرُ النِّعَمْ

ويَخْطُو عَلى العَمِّ خَطْوَ الظَّلِيمِ ∗∗∗ ويَعْلُو الرِّجالَ بِخَلْقٍ عَمَمْ
والحِكْمَةُ في غَضِّ الصَّوْتِ المَأْمُورِ بِهِ أنَّهُ أوْفَرُ لِلْمُتَكَلِّمِ، وأبْسَطُ لِنَفْسِ السّامِعِ وفَهْمِهِ، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أقْبَحَها، يُقالُ: وجْهٌ مُنْكَرٌ أيْ قَبِيحٌ قالَ في البَحْرِ: وهو أفْعَلُ بُنِيَ مِن فِعْلِ المَفْعُولِ كَقَوْلِهِمْ: أشْغَلُ مِن ذاتِ النِّحْيَيْنِ، وبِناؤُهُ مِن ذَلِكَ شاذٌّ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ أصْعَبَها عَلى السَّمْعِ وأوْحَشَها مِن نَكُرَ بِالضَّمِّ نَكارَةً، ومِنهُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [القَمَرُ: 6]، أيْ أمْرٍ صَعْبٍ لا يُعْرَفُ، والمُرادُ بِالأصْواتِ أصْواتُ الحَيَواناتِ، أيْ إنَّ أنْكَرَ أصْواتِ الحَيَواناتِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ جَمْعُ حِمارٍ كَما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ غَيْرُ السُّهَيْلِيِّ قالَ: إنَّهُ فَعِيلٌ اسْمُ جَمْعٍ، كالعَبِيدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى اسْمِ الجَمْعِ الجَمْعُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ شُبِّهَ الرّافِعُونَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ، وهم مَثَلٌ في الذَّمِّ البَلِيغِ والشَّتِيمَةِ، ومُثِّلَتْ أصْواتُهم بِالنُّهاقِ الَّذِي أوَّلُهُ زَفِيرٌ
صفحة 92
وآخِرُهُ شَهِيقٌ، ثُمَّ أُخْلِيَ الكَلامُ مِن لَفْظِ التَّشْبِيهِ، وأُخْرِجَ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ والتَّهْجِينِ والإفْراطِ في التَّثْبِيطِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ والتَّرْغِيبِ عَنْهُ ما فِيهِ، وإفْرادُ الصَّوْتِ مَعَ جَمْعِ ما أُضِيفَ هو إلَيْهِ لِلْإشارَةِ إلى قُوَّةِ تَشابُهِ أصْواتِ الحَمِيرِ حَتّى كَأنَّها صَوْتٌ واحِدٌ، هو أنْكَرُ الأصْواتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ المُرادَ لَيْسَ بَيانَ حالِ صَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا الجِنْسِ حَتّى يُجْمَعَ، بَلْ بَيانَ صَوْتِ هَذا الجِنْسِ مِن بَيْنِ أصْواتِ سائِرِ الأجْناسِ. قِيلَ: فَعَلى هَذا كانَ المُناسِبُ لِصَوْتِ الحِمارِ بِتَوْحِيدِ المُضافِ إلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجَمْعِ التَّتْمِيمُ والمُبالَغَةُ في التَّنْفِيرِ، فَإنَّ الصَّوْتَ إذا تَوافَقَتْ عَلَيْهِ الحَمِيرُ كانَ أنْكَرَ. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ الأنْكَرِيَّةَ في التَّوافُقِ دُونَ الِانْفِرادِ، وهو لا يُناسِبُ المَقامَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِ هَذا التَّوَهُّمِ، وقِيلَ: لَمْ يُجْمَعِ الصَّوْتُ المُضافُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو لا يُثَنّى، ولا يُجْمَعُ ما لَمْ تُقْصَدِ الأنْواعُ كَما في ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن كَلامِ لُقْمانَ لِابْنِهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وانْتَهَتْ وصِيَّةُ لُقْمانَ بِقَوْلِهِ:

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ رَدَّ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَفاخَرُونَ بِجَهارَةِ الصَّوْتِ، ورَفْعِهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي السّامِعَ، ويَقْرَعُ الصِّماخَ بِقُوَّةٍ، ورُبَّما يَخْرُقُ الغِشاءَ الَّذِي هو داخِلَ الأُذُنِ، وبَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَثَلَهم في رَفْعِ أصْواتِهِمْ مَثَلُ الحَمِيرِ، وأنَّ مَثَلَ أصْواتِهِمُ الَّتِي يَرْفَعُونَها مَثَلُ نُهاقِها في الشِّدَّةِ مَعَ القُبْحِ المُوحِشِ، وهَذا الَّذِي يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ وجْهَ شَبَهٍ، لا الخُلُوُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يُتَوَهَّمُ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، قالَ: صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحُهُ إلّا الحِمارَ لِما أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ صِفَةً ظاهِرَةً، وخُلُوُّ صَوْتِ الحِمارِ عَنِ الذِّكْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ هَذا الخَبَرِ، فَإنَّ فِيهِ ما فِيهِ. ومِثْلُهُ ما شاعَ بَيْنَ الجَهَلَةِ مِن أنَّ نَهِيقَ الحِمارِ لَعْنٌ لِلشِّيعَةِ الَّذِينَ لا يَزالُونَ يَنْهَقُونَ بِسَبِّ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الخُرافاتِ الَّتِي يَمُجُّها السَّمْعُ ما عَدا سَمْعَ طَوِيلِ الأُذُنَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ الغَضُّ مِنهُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ والمُحاوَرَةِ، وقِيلَ: الغَضُّ مِنَ الصَّوْتِ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ الغَضَّ مِنهُ عِنْدَ العُطاسِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَهُ إنْ أمْكَنَهُ عَدَمُ الرَّفْعِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ إنَّ الغَضَّ مَمْدُوحٌ إنْ لَمْ يَدْعُ داعٍ شَرْعِيٍّ إلى خِلافِهِ، وأرْدَفَ الأمْرَ بِالقَصْدِ في المَشْيِ بِالأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ لِما أنَّهُ كَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ إلى المَطْلُوبِ بِالصَّوْتِ بَعْدَ العَجْزِ عَنِ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالمَشْيِ كَذا قِيلَ، هَذا وأبْعَدَ بَعْضُهم في الكَلامِ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّوَسُّطِ في الأفْعالِ، والثّانِيَ إشارَةٌ إلى الِاحْتِرازِ مِن فُضُولِ الكَلامِ، والتَّوَسُّطِ في الأقْوالِ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ إلَخْ، إشارَةً إلى إصْلاحِ الضَّمِيرِ، وهو كَما تَرى.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أصْواتُ الحَمِيرِ» بِالجَمْعِ بِغَيْرِ لامِ التَّأْكِيدِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Do you not see that Allah has made subject to you whatever is in the heavens and whatever is in the earth and amply bestowed upon you His favors, [both] apparent and unapparent? But of the people is he who disputes about Allah without knowledge or guidance or an enlightening Book [from Him].

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ رُجُوعٌ إلى سُنَنِ ما سَلَفَ قَبْلَ قِصَّةِ لُقْمانَ مِن خِطابِ المُشْرِكِينَ، وتَوْبِيخٍ لَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والتَّسْخِيرِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: سِياقَةُ الشَّيْءِ إلى الغَرَضِ المُخْتَصِّ بِهِ قَهْرًا، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ المُرادُ بِهِ إمّا جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْفَعُ المُسَخَّرَ لَهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، ويَسْتَعْمِلُهُ كَيْفَ يُرِيدُ كَعامَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْياءِ المُسَخَّرَةِ لِلْإنْسانِ المُسْتَعْمَلَةِ لَهُ مِنَ الجَمادِ والحَيَوانِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ مُرادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في اسْتِعْمالِهِ كَجَمِيعِ ما في السَّماواتِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُ العِبادِ مَعاشًا أوْ مَعادًا، وأمّا جَعْلُهُ مُنْقادًا لِلْأمْرِ مُذَلَّلًا عَلى أنَّ مَعْنى ( لَكم ) لِأجْلِكم
صفحة 93
فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكائِناتِ مُسَخَّرَةٌ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، وما يَسْتَعْمِلُهُ الإنْسانُ حَسْبَما يَشاءُ، وإنْ كانَ مُسَخَّرًا لَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ‏‏‏‏‏ أيْ أتَمَّ، وأوْسَعَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ جَمْعُ نِعْمَةٍ وهي في الأصْلِ الحالَةُ المُسْتَلَذَّةُ، فَإنَّ بِناءَ الفِعْلَةِ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ لِلْهَيْئَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِيما يُلائِمُ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِتِلْكَ الحالَةِ إطْلاقًا لِلْمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هي ما يُنْتَفَعُ بِهِ ويُسْتَلَذُّ، ومِنهم مَن زادَ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى هَذِهِ الزِّيادَةِ لِأنَّ اللَّذَّةَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أمْرٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كافِرٍ نِعْمَةٌ، ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الإمامِ أنَّهُ قالَ: النِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المَفْعُولَةِ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: المَنفَعَةُ الحَسَنَةُ المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ قالُوا: وإنَّما زِدْنا قَيْدَ الحَسَنَةِ، لِأنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، وإذا كانَتْ قَبِيحَةً لا يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، والحَقُّ أنَّ هَذا القَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ الشُّكْرُ بِالإحْسانِ، وإنْ كانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا، لِأنَّ جِهَةَ الشُّكْرِ كَوْنُهُ إحْسانًا، وجِهَةَ اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ والعِقابِ الحَظْرُ، فَأيُّ امْتِناعٍ في اجْتِماعِهِما، ألا تَرى أنَّ الفاسِقَ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ لِإنْعامِهِ، والذَّمَّ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ ها هُنا كَذَلِكَ، أمّا قَوْلُنا: المَنفَعَةُ، فَلِأنَّ المَضَرَّةَ المَحْضَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً، وقَوْلُنا: المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَفْعًا، وقَصَدَ الفاعِلُ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ، لا نَفْعَ المَفْعُولِ بِهِ، لا يَكُونُ نِعْمَةً، وذَلِكَ كَمَن أحْسَنَ إلى جارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْها اهـ، ويُعْلَمُ مِنهُ حُكْمُ زِيادَةِ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً مَعْرُوفَةً لَكُمْ، وغَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ ظُهُورُ الإسْلامِ، والنُّصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، والباطِنَةُ الإمْدادُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنِ الضَّحّاكِ: الظّاهِرَةُ حُسْنُ الصُّورَةِ، وامْتِدادُ القامَةِ، وتَسْوِيَةُ الأعْضاءِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ البَصَرُ والسَّمْعُ واللِّسانُ وسائِرُ الجَوارِحِ، والباطِنَةُ القَلْبُ والعَقْلُ والفَهْمُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نَحْوُ إرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّوْفِيقِ لِقَبُولِ الإسْلامِ، والإتْيانِ بِهِ، والثَّباتِ عَلى قَدَمِ الصِّدْقِ، ولُزُومِ العُبُودِيَّةِ، والباطِنَةُ ما أصابَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ مِن رَشاشِ نُورِ النُّورِ، وأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ، ثُمَّ يَنْسَكِبُ.

ونَقَلَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الظّاهِرَةُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما جاءَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَوْحِيدِهِ، والباطِنَةُ وِلايَتُنا أهْلَ البَيْتِ، وعَقْدُ مَوَدَّتِنا، والتَّعْمِيمُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، لَكِنْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ: هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي، سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ إلَخْ، قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مَساوِئِ عَمَلِكَ».

فَإنْ صَحَّ ما ذُكِرَ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلى التَّعْمِيمِ، إلّا أنْ يُقالَ: الغَرَضُ مِن تَفْسِيرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِما فَسَّرْنا بِهِ التَّمْثِيلُ وهو الظّاهِرُ، لا التَّخْصِيصُ، وإلّا لَتَعارَضَ الخَبَرانِ.

ثُمَّ إنَّ ظاهِرُ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ يَقْتَضِي كَوْنَ الذَّنْبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأوَّلِ بِما سَتَرَ مِنَ العَوْرَةِ، وفي الثّانِي بِما سَتَرَ مِن مَساوِئِ العَمَلِ، نِعْمَةً، ولَمْ نَرَ في كَلامِهِمُ التَّصْرِيحَ بِإطْلاقِها عَلَيْهِ، ويَلْزَمُهُ أنَّ مَن كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ كَثُرَتْ
صفحة 94
نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ النِّعْمَةَ الباطِنَةَ هي سَتْرُ ما سُتِرَ مِنَ العَوْرَةِ ومَساوِئِ العَمَلِ، ولَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى وُضُوحِ الأمْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ظاهِرَةً ) الإسْلامُ، ( وباطِنَةً ) سَتْرُهُ تَعالى عَلَيْكُمُ المَعاصِيَ، بَلْ جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ الخَبَرِ الثّانِي: وأمّا ما بَطَنَ فَسَتْرُ مَساوِئِ عَمَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ما) في ما سَتَرَ في الخَبَرَيْنِ مَصْدَرِيَّةً، ومِن صِلَةُ سَتَرَ، لا بَيانٌ لِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ عُمارَةَ (وأصْبَغَ) بِالصّادِّ، وهي لُغَةُ بَنِي كَلْبٍ، يُبْدِلُونَ مِنَ السِّينِ إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ أحَدِ الحُرُوفِ المُسْتَعْلِيَةِ الغَيْنُ والخاءُ والقافُ صادًا فَيَقُولُونَ في سَلَخَ صَلَخَ، وفي سَقَرَ صَقَرَ، وفي سائِغٍ صائِغٍ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُما فاصِلٌ وأنْ لا يَفْصِلَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا فَرْقَ أيْضًا بَيْنَ أنْ تَتَقَدَّمَ السِّينُ عَلى أحَدِ تِلْكَ الأحْرُفِ وأنْ تَتَأخَّرَ، واشْتَرَطَ آخَرُ تَقَدُّمَ السِّينِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ إبْدالٌ مُطَّرِدٌ.

وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «نِعْمَةً» بِالإفْرادِ، وقُرِئَ «نِعْمَتَهُ» بِالإفْرادِ والإضافَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ بِإرادَةِ الجِنْسِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ «نِعْمَةً» فَعَلى مَعْنى ما أعْطاهم مِنَ التَّوْحِيدِ، ومَن قَرَأ (نِعَمَهُ) بِالجَمْعِ فَعَلى جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، ونَصْبُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ في قِراءَةِ التَّعْرِيفِ عَلى الحالِيَّةِ، وفي قِراءَةِ التَّنْكِيرِ عَلى الوَصْفِيَّةِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مِنَ الجِدالِ، وهو المُفاوَضَةُ عَلى سَبِيلِ المُنازَعَةِ والمُغالَبَةِ، وأصْلُهُ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ، أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ، كانَ المُتَجادِلَيْنِ يَفْتِلُ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ، وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِهِ تَعالى فِيما قِيلَ، أيْ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحالُ مِنَ النّاسِ مَن يُنازِعُ ويُخاصِمُ كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأُبَيِّ ابْنِ خَلَفٍ كانا يُجادِلانِ النَّبِيَّ ﷺ ‏ ‏‏ أيْ في تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كالمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ وحْدَتَهُ سُبْحانَهُ وعُمُومَ قُدْرَتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وشُمُولَها لِلْبَعْثِ، ولَمْ يَقُلْ فِيهِ بَدَلٌ في اللَّهِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ تَهْوِيلًا لِأمْرِ الجِدالِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ مُسْتَفادٌ مِن دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ‏‏ ‏‏‏ راجِعٌ إلى رَسُولٍ مَأْخُوذٍ مِنهُ، وجُوِّزَ جَعْلُ الهُدى نَفْسَ الرَّسُولِ مُبالَغَةً، وفِيهِ بُعْدٌ، ‏‏ ‏‏‏ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى ‏‏‏‏ أيْ ذِي نُورٍ، والمُرادُ بِهِ واضِحُ الدِّلالَةِ عَلى المَقْصُودِ، وقِيلَ: مُنْقِذٌ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ بَلْ يُجادِلُونَ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ كَما قالَ سُبْحانَهُ:

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And when it is said to them, "Follow what Allah has revealed," they say, "Rather, we will follow that upon which we found our fathers." Even if Satan was inviting them to the punishment of the Blaze?

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And whoever submits his face to Allah while he is a doer of good - then he has grasped the most trustworthy handhold. And to Allah will be the outcome of [all] matters.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 31:18–22 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Luqmān 31:18