All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

As-Sajdah 32:16 Juzʾ 21 Page 416

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

They arise from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.

Read in the muṣḥaf

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً، أوْ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، والتَّجافِي البُعْدُ والِارْتِفاعُ والجُنُوبُ جَمْعُ جَنْبٍ الشُّقُوقُ، وذَكَرَ
صفحة 131
الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الجَنْبِ الجارِحَةُ، ثُمَّ يُسْتَعارُ في النّاحِيَةِ الَّتِي تَلِيها كَعادَتِهِمْ في اسْتِعارَةِ سائِرِ الجَوارِحِ لِذَلِكَ نَحْوِ اليَمِينِ والشِّمالِ، ( والمَضاجِعُ ) جَمْعُ المَضْجَعِ أماكِنُ الِاتِّكاءِ لِلنَّوْمِ، أيْ تَتَنَحّى وتَرْتَفِعُ جُنُوبُهم عَنْ مَواضِعِ النَّوْمِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِهِمُ النَّوْمَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ يَصِفُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:

نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّجافِي القِيامُ لِصَلاةِ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وغَيْرِهِمْ. وفي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَشْهَدُ لَهُ،

أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ««كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ، فَأصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنهُ، ونَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النّارِ؟ قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ يَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثُمَّ قالَ: ألا أدُلَّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ حَتّى بَلَغَ (يَعْمَلُونَ)»» الحَدِيثَ.

وقالَ أبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ العِشاءَ والصُّبْحَ في جَماعَةٍ، وعَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ: هو أنْ لا يَنامَ الرَّجُلُ حَتّى يُصَلِّيَ العِشاءَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ نَزَلَتْ في انْتِظارِ الصَّلاةِ الَّتِي تُدْعى العَتَمَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها: «نَزَلَتْ فِينا مَعاشِرَ الأنْصارِ، كُنّا نُصَلِّي المَغْرِبَ، فَلا نَرْجِعُ إلى رِحالِنا حَتّى نُصَلِّيَ العِشاءَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» وقِيلَ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ المَغْرِبَ، ويُصَلِّيَ بَعْدَها إلى العَشاءِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: «سَألْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ، ويُصَلُّونَ بَعْدَها إلى عِشاءِ الآخِرَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسى قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَتَجافى جُنُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كُلَّما اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا في قِيامٍ، أوْ قُعُودٍ، أوْ عَلى جُنُوبِهِمْ، لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى، ورَوى نَحْوَهُ هو ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، والجُمْهُورُ عَوَّلُوا عَلى ما هو المَشْهُورُ، وفي فَضْلِ التَّهَجُّدِ ما لا يُحْصى مِنَ الأخْبارِ، وأفْضَلُهُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ما كانَ في الأسْحارِ.

( يَدْعُونَ رَبَّهم ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( جُنُوبُهم )، وقَدْ أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو جُزْءٌ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ إلَخْ حالِيَّةً أنْ تَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِمّا جُعِلَتْ تِلْكَ حالًا مِنهُ، وعَلى احْتِمالِ كَوْنِها خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا، وجُوِّزَ كَوْنُها مُسْتَأْنَفَةً، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِدُعائِهِمْ رَبَّهم سُبْحانَهُ المَعْنى المُتَبادِرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ، ‏‏‏‏ أيْ خائِفِينَ مِن سُخْطِهِ تَعالى، وعَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِمْ، ‏‏‏‏‏
صفحة 132
فِي رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، فالمَصْدَرانِ حالانِ مِن ضَمِيرِ ( يَدْعُونَ )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ لِمُقَدَّرٍ، أيْ يَخافُونَ خَوْفًا ويَطْمَعُونَ طَمَعًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالًا، وأنْ يَكُونا مَفْعُولًا لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ عَلى الحالِيَّةِ أمْدَحُ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إيّاهُ مِنَ المالِ ‏‏‏‏‏‏ في وُجُوهِ الخَيْرِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes as reward for what they used to do.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَضْلًا عَمَّنْ عَداهُمْ، فَإنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ. والفاءُ سَبَبِيَّةٌ أوْ فَصِيحَةٌ أيْ: أُعْطَوْا فَوْقَ رَجائِهِمْ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عُدِّدَتْ نُعُوتُهُمُ الجَلِيلَةُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنٌ، وفي إضافَةِ القُرَّةِ إلى الأعْيُنِ عَلى الإطْلاقِ لا إلى أعْيُنِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما أُخْفِيَ لَهم في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.

ورَوى الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ ما أطْلَعْتُكم عَلَيْهِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)»»

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: «لَقَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ولا يَعْلَمُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وأنَّهُ لَفي القُرْآنِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ جُوزُوا جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، (فَجَزاءً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

وجُوِّزَ جَعْلُها حالِيَّةً، وقِيلَ: يَجُوزُ جَعْلُهُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ عَلى مَعْنى مُنِعَتِ العِلْمَ لِلْجَزاءِ، أوْ لِأُخْفِيَ، فَإنَّ إخْفاءَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أخْفى القَوْمُ أعْمالًا في الدُّنْيا، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، أيْ أخْفى ذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ رابِطَةٌ لِلْأحَقِّ بِالسّابِقِ، وأصْلُهُ فَلا يَعْلَمُونَ، والعُدُولُ لِتَعْظِيمِ الجَزاءِ، وعَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ في ( أُخْفِيَ ) تَرْشِيحٌ لَهُ، لِأنَّ جازِيَهُ مَن هو العَظِيمُ وحْدَهُ، فَلا يَذْهَبُ، وهَلْ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اهـ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ «أخْفِي» بِسُكُونِ الياءِ فِعْلًا مُضارِعًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وابْنُ مَسْعُودٍ «نَخْفِي» بِنُونِ العَظَمَةِ، والأعْمَشُ أيْضًا «أخْفَيْتُ» بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ( أخْفى ) فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

(وما) في جَمِيعِ ذَلِكَ اسْمٌ مَوْصُولٌ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُ )، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وضَمِيرُهُ مَحْذُوفٌ عَلى غَيْرِها، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ( وأُخْفِيَ لَهم ) خَبَرُهُ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الياءَ، وعَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَها، وجَعْلُ ( أُخْفِيَ ) مُضارِعًا يَكُونُ (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأخْفى، (ويَعْلَمُ) مِنهُ حالُها عَلى سائِرِ القِراءاتِ، وإذا كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ تَسُدُّ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَسَدَّهُما، وعَلى كُلٍّ مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِفْهامِيَّةِ فالإيهامُ لِلتَّعْظِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ وعَوْنٌ، والعُقَيْلِيُّ «مِن قُرّاتِ» عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْمَشِ، وجَمْعُ المَصْدَرِ أوِ اسْمِهِ لِاخْتِلافِ أنْواعِ القُرَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ.

صفحة 133

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ أبَعْدَ ظُهُورِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ المُؤْمِنِ الَّذِي حُكِيَتْ أوْصافُهُ الفاضِلَةُ كالفاسِقِ الَّذِي ذُكِرَتْ أحْوالُهُ القَبِيحَةُ العاطِلَةُ، وأصْلُ الفِسْقِ الخُرُوجُ مِن فَسَقَتِ الثَّمَرَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ، وأحْكامِ الشَّرْعِ مُطْلَقًا، فَهو أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ، وقَدْ يُخَصُّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النُّورُ: 55]، وكَما هُنا لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِ مَعَ ما سَتَسْمَعُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ‏ ‏‏‏‏‏‏ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ إفادَةِ الإنْكارِ لِنَفْيِ المُشابَهَةِ بِالمَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، وبِناءِ التَّفْصِيلِ الآتِي عَلَيْهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِاثْنَيْنِ وهُما المُؤْمِنُ والكافِرُ، والتَّثْنِيَةُ جَمْعٌ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ نَفْيِ اسْتِوائِهِما، وقِيلَ: بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِهِما في الدُّنْيا، وأُضِيفَتِ الجِنانُ إلى المَأْوى لِأنَّها المَأْوى، والمَسْكَنُ الحَقِيقِيُّ، والدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْهُ، لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المَأْوى عَلَمٌ لِمَكانٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجِنانِ كَعَدْنٍ، وقِيلَ: جَنَّةُ المَأْوى لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ، ورُوِيَ أنَّها عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، ولا يَخْفى ما في جَعْلِهِ عَلَمًا مِنَ البُعْدِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَجافِيهِمْ عَنْ مَضاجِعِهِمُ الَّتِي هي مَأْواهم في الدُّنْيا.

وقَرَأ طَلْحَةُ «جَنَّةُ المَأْوى» بِالإفْرادِ، ‏‏‏ أيْ ثَوابًا، وهو في الأصْلِ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الطَّعامِ، والشَّرابِ، والصِّلَةِ، ثُمَّ عَمَّ كَلَّ عَطاءٍ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( جَنّاتُ )، والعامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نازِلٍ فَيَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( الَّذِينَ آمَنُوا )، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «نُزْلًا» بِإسْكانِ الزّايِ كَما في قَوْلِهِ:

وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدَ مَحْذُوفٌ، والباءَ سَبَبِيَّةٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ سَبَبًا بِمُقْتَضى فَضْلِهِ تَعالى ووَعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يُنافِي حَدِيثَ ««لا يَدْخُلُ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»» ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُقابَلَةِ، والمُعارَضَةِ، كَعَلى في نَحْوِ: بِعْتُكَ الدّارَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ، أيْ فَلَهم ذَلِكَ عَلى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ، فَكَفَرُوا، وارْتَكَبُوا المَعاصِيَ، ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ فَمَسْكَنُهم ومَحَلُّهُمُ ‏‏‏‏‏ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَأْوى صارَ مُتَعارَفًا فِيما يَكُونُ مَلْجَأً لِلشَّخْصِ، ومُسْتَراحًا يَسْتَرِيحُ إلَيْهِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، ولَوْ وهْمًا، فَإذا أُرِيدَ هُنا يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) [آلُ عِمْرانَ: 21، التَّوْبَةُ: 34، الِانْشِقاقُ: 24]، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في أحَدِ القِسْمَيْنِ (فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى) ذَكَرَ في الآخَرِ ( فَمَأْواهُمُ النّارُ)، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ النّارِ مَأْواهُمْ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الكَهْفُ: 77] عَلى ما قِيلَ، والمَعْنى كُلَّما شارَفُوا الخُرُوجَ مِنها، وقَرُبُوا مِنهُ أُعِيدُوا فِيها ودُفِعُوا إلى قَعْرِها.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَضْرِبُهم لَهَبُ النّارِ فَيَرْتَفِعُونَ إلى أعْلاها حَتّى إذا قَرُبُوا مِن بابِها، وأرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها، يَضْرِبُهُمُ اللَّهَبُ فَيَهْوُونَ إلى قَعْرِها، وهَكَذا يُفْعَلُ بِهِمْ أبَدًا.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، إلّا أنَّ فِيهِ حَذْفًا أيْ
صفحة 134
كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها فَخَرَجُوا مِن مُعْظَمِها أُعِيدُوا فِيها، ويُشِيرُ إلى أنَّ الخُرُوجَ مِن مُعْظَمِها قَوْلُهُ تَعالى: ( فِيها ) دُونَ إلَيْها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا عِبارَةً عَنْ خُلُودِهِمْ فِيها، وأيًّا ما كانَ، لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةُ: 167]، ‏‏‏‏ ‏‏‏ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ بِعَذابِ النّارِ ‏‏‏‏‏‏ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الدُّنْيا، وأُظْهِرَتِ النّارُ مَعَ تَقَدُّمِها قَبْلُ لِزِيادَةِ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وذَكَرابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وجْهًا آخَرَ لِلْإظْهارِ وهو أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ بَعْدَ القَوْلِ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ مِنَ النّارِ، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ وضْعُ الضَّمِيرِ إذْ لَيْسَ القَوْلُ حِينَئِذٍ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ذِكْرُ النّارِ، وإنَّما ذَكَرَها سُبْحانَهُ قَبْلُ إخْبارًا عَنْ أحْوالِهِمْ، ونَظَرَ فِيهِ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ داخِلٌ أيْضًا في حَيِّزِ الإخْبارِ لِعَطْفِهِ عَلى ( أُعِيدُوا ) الواقِعِ جَوابًا لِكُلَّما، فَكَما جازَ الإضْمارُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ جازَ فِيهِ أيْضًا، إنْ لَمْ يُقْصَدْ زِيادَةُ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ.

ورُدَّ بِأنَّ المانِعَ أنَّهُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، والأصْلُ في الحِكايَةِ أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، دُونَ تَغْيِيرٍ ولا إضْمارٍ في المَحْكِيِّ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ فِيهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ يُناقَشُ فِيهِ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ يَجُوزُ رِعايَةُ المَحْكِيِّ، والحِكايَةِ، وكَما أنَّ الأصْلَ رِعايَةُ المَحْكِيِّ الأصْلُ الإضْمارُ إذا تَقَدَّمَ الذِّكْرُ، فَلا بُدَّ مِن مُرَجِّحٍ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أرادَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ الإظْهارَ هو المُناسِبُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ نَظَرًا إلى ذاتِها، ونَظَرًا إلى سِياقِها، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّها تُقالُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ سِياقَ الآيَةِ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وفي الإظْهارِ مِن ذَلِكَ ما لَيْسَ في الإضْمارِ، وهَذا بَعِيدٌ مِن أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نَظَرُ الطِّيبِيِّ، والإنْصافُ أنَّ كُلًّا مِنَ الإضْمارِ والإظْهارِ جائِزٌ، وأنَّهُ رَجَّحَ الإظْهارَ اقْتِضاءُ السِّياقِ لِذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ في هَذِهِ الآيَةِ مَقامُ الضَّمِيرِ حَيْثُ ذُكِرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ: إنَّهُ تَعالى قالَ ها هُنا ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقالَ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سَبَأٌ: 42]، فَذَكَّرَ جَلَّ وعَلا ها هُنا، وأنَّثَ سُبْحانَهُ هُناكَ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النّارَ ها هُنا وقَعَتْ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ، والضَّمِيرُ لا يُوصَفُ، فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى العَذابِ المُضافِ إلَيْها، وهو مُذَكَّرٌ، وفي تِلْكَ الآيَةِ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ النّارِ في سِياقِها، فَلَمْ تَقَعِ النّارُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلَيْها، وهي مُؤَنَّثَةٌ دُونَ العَذابِ، فَتَأمَّلْ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

As-Sajdah 32:16