All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Sabaʾ 34:17 Juzʾ 22 Page 430

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّبْدِيلِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ رُتْبَتِهِ في الفَظاعَةِ أوْ إلى مَصْدَرِ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [اَلْبَقَرَةِ: 143] ومَحَلُّهُ عَلى الأوَّلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وعَلى الثّانِي النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيمُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، وقِيلَ لِلتَّخْصِيصِ أيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلَ جَزَيْناهم لا غَيْرَهُ أوْ ذَلِكَ الجَزاءَ الفَظِيعَ جَزَيْناهم لا جَزاءً آخَرَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِسَبَبِ كُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ حَيْثُ نَزَعْناها مِنهم ووَضَعْنا مَكانَها ضِدَّها، وقِيلَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ الثَّلاثَةَ عَشَرَ الَّذِينَ بُعِثُوا إلَيْهِمْ.

واسْتَشْكَلَ هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ السَّيْلَ العَرِمَ كانَ زَمَنَ الفَتْرَةِ بِأنَّ الجُمْهُورَ قالُوا: لا نَبِيَّ بَيْنَ نَبِيِّنا وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: بَيْنَهُما ﷺ أرْبَعَةُ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ، وهو خالِدٌ العَبْسِيُّ وهو قَدْ بُعِثَ لِقَوْمِهِ وبَنُو إسْرائِيلَ لَمْ يُبْعَثُوا لِلْعَرَبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما كانَ زَمَنَ الفَتْرَةِ هو السَّيْلُ العَرِمُ لا غَيْرَ والرُّسُلُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ هم جُمْلَةُ مَن كانَ في قَوْمِهِمْ مِن سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ إلى أنْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى أجْمَعِينَ، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ ما نُجازِي مِثْلَ هَذا الجَزاءِ الشَّدِيدِ المُسْتَأْصِلِ إلّا المَبالِغِ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلى الحَصْرِ إشْكالُ أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُعاقَبُ في العاجِلِ، وفي الكَشْفِ لا يُرادُ أنَّ المُؤْمِنَ أيْضًا يُعاقَبُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِعِقابٍ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ تَمْحِيصٍ ولِأنَّهُ أُرِيدَ المُعاقَبَةُ بِجَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ مِنَ السُّوءِ، ولا كَذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الجَزاءُ عامًّا في كُلِّ مُكافَآتٍ وأُرِيدَ بِهِ المُعاقَبَةُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِما سَبَقَ لِقَرِينَةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِتَعْيِينِ المُعاقَبَةِ فِيهِ بَلْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الوَجْهُ الصَّحِيحُ وذَلِكَ لِعَدَمِ الإضْمارِ ولِأنَّ التَّذْيِيلَ هَكَذا آكَدُ وأسَدُّ مَوْقِعًا، ولا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ لِما في الكَشْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ «يُجازى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «اَلْكَفُورُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ «يُجازِي» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مَبْنِيًّا
صفحة 129
لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى وحْدَهُ «اَلْكَفُورَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ «يُجْزى» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «اَلْكَفُورُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ، والمُجازاةُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ المُكافَآتُ، لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مَعَ العِقابِ بِخِلافِ الجَزاءِ فَإنَّهُ عامٌّ، وقَدْ يُخَصُّ بِالخَيْرِ، وعَنْ أبِي إسْحاقَ تَقُولُ جَزَيْتُ الرَّجُلَ في الخَيْرِ وجازَيْتُهُ في الشَّرِّ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ يُقالُ في العُقُوبَةِ يُجازِي وفي المَثُوبَةِ يَجْزِي.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أبُو إسْحاقَ قَدْ أرادَ أنَّكَ إذا أرْسَلْتَ الفِعْلَيْنِ ولَمْ تُعَدِّهِما إلى المَفْعُولِ الثّانِي كانا كَذَلِكَ، وأمّا إذا ذَكَّرْتَهُ فَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في الخَيْرِ والشَّرِّ، ويَرُدُّ عَلى ما ذَكَرَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وكَذا «وهَلْ يُجْزى» في قِراءَةِ مُسْلِمٍ إذِ الجَزاءُ في ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّرِّ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ المَفْعُولِ الثّانِي، وقَوْلُهُ:

جَزى بَنُوهُ أبا الغِيلانِ عَنْ كِبَرٍ وحُسْنِ فِعْلٍ كَما يُجْزى سِنِمّارُ
وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ جَزَيْتُهُ وجازَيْتُهُ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ إلّا جَزى دُونَ جازى وذَلِكَ لِأنَّ المُجازاةَ المُكافَأةُ وهي مُقابَلَةُ نِعْمَةٍ بِنِعْمَةٍ هي كُفْؤُها ونِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَتَعالى عَنْ ذَلِكَ، ولِهَذا لا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ المُكافَأةِ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا هُنا إلّا أنْ يُقالَ: أرادَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ جازى فِيما هو نِعْمَةٌ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لِي مَجِيءُ ذَلِكَ فِيهِ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ويَحْسُنُ عِنْدِي قَوْلُ أبِي حَيّانَ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الجَزاءُ في الخَيْرِ والمُجازاةُ في الشَّرِّ لَكِنْ في تَقْيِيدِهِما قَدْ يَقَعُ كُلٌّ مِنهُما مَوْقِعَ الآخَرِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دُونَ جازَيْناهم بِما كَفَرُوا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في اِسْمِ الإشارَةِ ما يُحْكى تَمَتُّعُ القَوْمِ بِما يَسُرُّ، ووُقُوعُهم بَعْدَهُ فِيما يُسِيءُ ويَضُرُّ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِجِزى الأكْثَرِ اِسْتِعْمالًا في الخَيْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذاكَ أوَّلًا وبِنُجازِي ثانِيًا لِيَكُونَ كُلٌّ أوْفَقَ بِعِلَّتِهِ وهَذا جارٍ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في الإشارَةِ، فَتَدَبَّرْ جِدًّا.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We placed between them and the cities which We had blessed [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey, [saying], "Travel between them by night or day in safety."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى آخِرِهِ عُطِفَ بِمَجْمُوعِهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهو حِكايَةٌ لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ، وما فَعَلُوا بِها مِنَ الكُفْرانِ وما حاقَ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ وما قَبْلُ كانَ حِكايَةً لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ في مَساكِنِهِمْ ومَحَلِّ إقامَتِهِمْ وما فَعَلُوا بِها وما فُعِلَ بِهِمْ، والمُرادُ بِالقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها قُرى الشّامِ وذَلِكَ بِكَثْرَةِ أشْجارِها وأثْمارِها والتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ هي قُرى بَيْتِ المَقْدِسِ وعَنْ مُجاهِدٍ هي السَّراوِيَّةُ، وعَنْ وهْبٍ قُرى صَنْعاءَ، وقالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: قُرى مَأْرِبَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ حَتّى قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ.

ومَعْنى ‏‏‏‏ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مُتَواصِلَةٌ يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِمَن في بَعْضِها ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ الأُخْرى، وهَذا يَقْتَضِي القُرْبَ الشَّدِيدَ لَكِنْ سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في مِقْدارِ ما بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ، وقالَ المُبَرِّدُ ظاهِرَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أيْ عَلى الآكامِ والظِّرابِ وهي أشْرَفُ القُرى، وقِيلَ ظاهِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ يُقالُ هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ مَعْرُوفٌ وتَعُرْفُ القَرْيَةُ لِحُسْنِها ورِعايَةِ أهْلِها المارِّينَ عَلَيْها، وقِيلَ: ظاهِرَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى الطُّرُقِ لِيَسْهُلَ سَيْرُ السّابِلَةِ فِيها.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى ‏‏‏‏ خارِجَةٌ عَنِ المُدُنِ فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِّغارِ الَّتِي في ظَواهِرِ المُدُنِ كَأنَّهُ فَصَلَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَيْنَ القُرى الصِّغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ، وظَواهِرُ المُدُنِ ما خَرَجَ عَنْها في الفَيافِي، ومِنهُ قَوْلُهم نَزَلْنا بِظاهِرِ البَلَدِ الفُلانِيِّ أيْ خارِجًا عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةُ قُرَيْشِ البِطاحِ لا قُرَيْشِ الظَّواهِرِ
يَعْنِي أنَّ الخارِجِينَ مِن بَطْحاءِ مَكَّةَ ويُقالُ لِلسّاكِنِينَ خارِجَ البَلَدِ أهْلُ الضَّواحِي وأهْلُ البَوادِي أيْضًا.
صفحة 130

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ جَعَلْنا نِسْبَةَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السَّيْرِ، قِيلَ مَن سارَ مِن قَرْيَةٍ صَباحًا وصَلَ إلى أُخْرى وقْتَ الظَّهِيرَةِ والقَيْلُولَةِ ومَن سارَ بَعْدَ الظُّهْرِ وصَلَ إلى أُخْرى عِنْدَ الغُرُوبِ، فَلا يُحْتاجُ لِحَمْلِ زادٍ ولا مَبِيتٍ في أرْضٍ خالِيَةٍ ولا يَخافُ مِن عَدُوٍّ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ مِيلٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَقادِيرُ المَراحِلِ كانَتِ القُرى عَلى مَقادِيرِها، وهَذا هو الأوْفَقُ بِمَعْنى ‏‏‏‏ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ قَتادَةَ، وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّهُ مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ القُرْبِ، حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِن نَفْسِ القُرى، والظّاهِرُ أنَّ ‏‏‏‏‏‏ أمْرٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ أوْ نَحْوِهِ، وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مَتى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ ‏‏‏‏‏ مَن كُلِّ ما تَكْرَهُونَهُ لا يَخْتَلِفُ إلّا مَن فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، وقَدَّمَ اللَّيالِي لِأنَّها مَظِنَّةُ الخَوْفِ مِن مُغْتالٍ وإنْ قِيلَ اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ أوْ لِأنَّها سابِقَةٌ عَلى الأيّامِ أوْ قُلْنا سِيرُوا فِيها آمِنِينَ، وإنْ تَطاوَلَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم وامْتَدَّتْ لَيالِيَ وأيّامًا كَثِيرَةً، قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ ولَوْ وجَدَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يَهْجُهُ، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَكم وأيّامَكُمْ، أيْ مُدَّةَ أعْمارِكم لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ، وقُدِّمَتِ اللَّيالِي لِسَبْقِها.

وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عُلِمَ فائِدَةُ ذِكْرِ اللَّيالِي والأيّامِ وإنْ كانَ السَّيْرُ لا يَخْلُو عَنْهُما، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً، وإنَّما نَزَلَ تَمْكِينُهم مِنَ السَّيْرِ المَذْكُورِ وتَسْوِيَةُ مَبادِئِهِ وأسْبابِهِ مَنزِلَةَ القَوْلِ لَهم وأمْرِهِمْ بِذَلِكَ والأمْرُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْإباحَةِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لَمّا طالَتْ بِهِمْ مُدَّةُ النِّعْمَةِ بَطَرُوا ومَلُّوا وآثَرُوا الَّذِي هو أدْنى عَلى الَّذِي هو خَيْرٌ كَما فَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، وقالُوا: لَوْ كانَتْ مَتاجِرُنا أبْعَدَ كانَ ما نَجْلِبُهُ مِنها أشْهى وأغْلى فَطَلَبُوا تَبْدِيلَ اِتِّصالِ العُمْرانِ وفَصْلِ المَفاوِزِ والقِفارِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ إظْهارُ القادِرِينَ مِنهم عَلى قَطْعِها بِرُكُوبِ الرَّواحِلِ وتَزَوُّدِ الأزْوادِ الفَخْرَ والكِبْرَ عَلى الفُقَراءِ العاجِزِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَعَجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الإجابَةَ بِتَخْرِيبِ القُرى المُتَوَسِّطَةِ وجَعَلَها بَلْقَعًا لا يُسْمَعُ فِيها داعٍ ولا مُجِيبٌ، والظّاهِرُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِلِسانِ القالِ، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يَكُونُوا قالُوا ‏‏‏ بِلِسانِ الحالِ أيْ فَلَمّا كَفَرُوا فَقَدْ طَلَبُوا أنْ يُبْعَدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ ويُخَرَّبَ المَعْمُورُ مِن دِيارِهِمْ.

وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ «بَعِّدْ» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ فِعْلُ طَلَبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ «رَبُّنا» رَفْعًا «بَعَّدَ» بِالتَّشْدِيدِ فِعْلًا ماضِيًا، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ ويَعْقُوبُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو صالِحٍ وابْنُ أبِي لَيْلى والكَلْبِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وسَلامٌ وأبُو حَيْوَةَ «رَبُّنا» رَفْعًا و«باعِدْ» طَلَبًا مِنَ المُفاعَلَةِ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا وسَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أخُو الحَسَنِ وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ «رَبَّنا» بِالنَّصْبِ «بَعُدَ» بِضَمِّ العَيْنِ فِعْلًا ماضِيًا «بَيْنَ» بِالنَّصْبِ إلّا سَعِيدًا مِنهم فَإنَّهُ يَضُمُّ النُّونَ ويَجْعَلُ «بَيْنَ» فاعِلًا، ومَن نَصَبَ فالفاعِلُ عِنْدَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى «اَلسَّيْرِ» ومَن نَصَبَ «رَبَّنا» جَعَلَهُ مُنادًى فَإنْ جاءَ بَعْدَهُ طَلَبٌ كانَ ذَلِكَ أشَرًا وبَطَرًا، وفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ وإنْ جاءَ فِعْلًا ماضِيًا كانَ ذَلِكَ شَكْوى مِن مَسافَةِ ما بَيْنَ قُراهم مَعَ قِصَرِها لِتَجاوُزِهِمْ في التَّرَفُّهِ والتَّنَعُّمِ أوْ شَكْوى مِمّا حَلَّ بِهِمْ مِن بَعْدِ الأسْفارِ الَّتِي طَلَبُوها بَعْدَ وُقُوعِها أوْ دُعاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَن رَفَعَ «رَبُّنا» فَلا يَكُونُ الفِعْلُ عِنْدَهُ إلّا ماضِيًا والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّكْوى عَلى ما قِيلَ، ونَصْبُ «بَيْنَ» بَعْدَ كُلِّ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ في إحْدى القِراءاتِ ماضِيًا كانَ أوْ طَلَبًا عِنْدَ أبِي حَيّانَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقِراءَةِ الرَّفْعِ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مُتَعَدٍّ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ السَّيْرُ وهو أسْهَلُ مِن إخْراجِ الظَّرْفِ الغَيْرِ المُتَصَرِّفِ
صفحة 131
عَنْ ظَرْفِيَّتِهِ.

وقُرِئَ «بُوعِدَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ اِبْنُ يَعْمُرَ «سَفَرِنا» بِالأفْرادِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلسَّخَطِ والعَذابِ حِينَ بَطَرُوا النِّعْمَةَ وغَمَطُوها ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، وهي ما يُتَحَدَّثُ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّلَهِّي والِاسْتِغْرابِ لا جَمْعُ حَدِيثٍ عَلى خِلافِ القِياسِ، وجَعْلُهم نَفْسَ الأحادِيثِ إمّا عَلى المُبالَغَةِ أوْ تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ جَعَلْناهم بِحَدِيثٍ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ مِن أحْوالِهِمْ ومُعْتَبِرِينَ بِعاقِبَتِهِمْ ومَآلِهِمْ.

وقِيلَ المُرادُ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا الحَدِيثُ عَنْهُمْ، ولَوْ بَقِيَ مِنهم طائِفَةٌ لَمْ يَكُونُوا أحادِيثَ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ فَرَّقْناهم كُلَّ تَفْرِيقٍ، عَلى أنَّ المُمَزَّقَ مَصْدَرٌ أوْ كُلَّ مَطْرَحِ ومَكانِ تَفْرِيقٍ عَلى أنَّهُ اِسْمُ مَكانٍ، وفي التَّعْبِيرِ بِالتَّمْزِيقِ الخاصِّ بِتَفْرِيقِ المُتَّصِلِ وخَرْقِهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ والدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ التَّأْثِيرِ والإيلامِ ما لا يَخْفى أيْ مَزَّقْناهم تَمْزِيقًا لا غايَةَ وراءَهُ بِحَيْثُ يُضْرَبُ مَثَلًا في كُلِّ فُرْقَةٍ لَيْسَ بَعْدَها وِصالٍ، وعَنِ اِبْنِ سَلامٍ أنَّ المُرادَ جَعَلْناهم تُرابًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وهو أوْفَقُ بِالتَّمْزِيقِ، إلّا أنَّ جَمِيعَ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ عَلى خِلافِهِ وأنَّ المُرادَ بِتَمْزِيقِهِمْ تَفْرِيقُهم بِالتَّباعُدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ غَيْرَ بَعِيدٍ حَدِيثُ كَيْفِيَّةِ تَفَرُّقِهِمْ في جَوابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِفَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ.

وفِي الكَشّافِ لَحِقَ غَسّانُ بِالشّامِ وأنْمارُ بِيَثْرِبَ وجُذامُ بِتُهامَةَ والأزْدُ بِعُمانَ، وفي التَّحْرِيرِ وقَعَ مِنهم قُضاعَةُ بِمَكَّةَ وأسَدٌ بِالبَحْرَيْنِ وخُزاعَةُ بِتُهامَةَ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ إرْسالِ السَّيْلِ العَرِمِ. وفي البَحْرِ أنَّ في الحَدِيثِ أنَّ سَبَأً أبُو عَشَرَةِ قَبائِلَ فَلَمّا جاءَ السَّيْلُ عَلى مَأْرِبَ تَيامَنَ مِنها سِتَّةُ قَبائِلَ وتَشاءَمَتْ أرْبَعَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَفَرُّقَهم كانَ قُبَيْلَ مَجِيءِ السَّيْلِ.

قالَ عَبْدُ المَلِكِ في شَرْحِ قَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ: إنَّ أرْضَ سَبَأٍ مِنَ اليَمَنِ كانَتِ العِمارَةُ فِيها أزِيدُ مِن مَسِيرَةِ شَهْرَيْنِ لِلرّاكِبِ المُجِدِّ، وكانَ أهْلُها يَقْتَبِسُونَ النّارَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ وكانَ أوَّلُ مَن خَرَجَ مِنَ اليَمَنِ في أوَّلِ الأمْرِ عَمْرُو بْنُ عامِرٍ، وكانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أنَّهُ كانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ كاهِنَةٌ يُقالُ لَها طَرِيفَةُ الخَيْرِ وكانَتْ رَأتْ في مَنامِها أنَّ سَحابَةً غَشِيَتْ أرْضَهم فَأرْعَدَتْ وأبْرَقَتْ ثُمَّ صَعِقَتْ فَأحْرَقَتْ كُلَّ ما وقَعَتْ عَلَيْهِ فَفَزِعَتْ طَرِيفَةُ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وأتَتِ المَلِكَ عَمْرًا وهي تَقُولُ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ أزالَ عَنِّي النَّوْمَ رَأيْتُ غَيْمًا أرْعَدَ وأبْرَقَ وزَمْجَرَ وأصْعَقَ فَما وقَعَ عَلى شَيْءٍ إلّا أحْرَقَ، فَلَمّا رَأى ما داخِلَها مِنَ الفَزَعِ سَكَّنَها، ثُمَّ إنْ عَمْرًا دَخَلَ عَلى حَدِيقَةٍ لَهُ ومَعَهُ جارِيَتانِ مِن جَوارِيهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ طَرِيفَةُ فَحَرَجَتْ إلَيْهِ وخَرَجَ مَعَها وصَيْفٌ لَها اِسْمُهُ سِنانٌ فَلَمّا بَرَزَتْ مِن بَيْتِها عَرَضَ لَها ثَلاثَ مَناجِدَ مُنْتَصِباتٍ عَلى أرْجُلِهِنَّ واضِعاتٍ أيْدِيهِنَّ عَلى أعْيُنِهِنَّ وهي دَوابُّ تُشْبِهُ اليَرابِيعَ فَقَعَدَتْ إلى الأرْضِ واضِعَةً يَدَيْها عَلى عَيْنَيْها وقالَتْ لِوَصِيفِها: إذا ذَهَبَتْ هَذِهِ المَناجِدُ فَأخْبِرْنِي، فَلَمّا ذَهَبَتْ أخْبَرَها فانْطَلَقَتْ مُسْرِعَةً، فَلَمّا عارَضَها الخَلِيجُ الَّذِي في حَدِيقَةِ عَمْرٍو وثَبَتْ مِنَ الماءِ سُلَحْفاةٌ فَوَقَعَتْ عَلى الطَّرِيقِ عَلى ظَهْرِها وجَعَلَتْ تَرُومُ الِانْقِلابَ فَلا تَسْتَطِيعُ وتَسْتَعِينُ بِذَنَبِها فَتَحْثُو التُّرابَ عَلى بَطْنِها مِن جَنْباتِهِ وتَقْذِفُ بِالبَوْلِ عَلى بَطْنِها قَذْفًا فَلَمّا رَأتْها طَرِيفَةُ جَلَسَتْ إلى الأرْضِ فَلَمّا عادَتِ السُّلَحْفاةُ إلى الماءِ مَضَتْ طَرِيفَةُ إلى أنْ دَخَلَتْ عَلى عَمْرٍو وذَلِكَ حِينَ اِنْتَصَفَ النَّهارُ في ساعَةٍ شَدِيدٍ حَرُّها فَإذا الشَّجَرُ يَتَكافَأُ مِن غَيْرِ رِيحٍ، فَلَمّا رَآها اِسْتَحى مِنها وأمَرَ الجارِيَتَيْنِ بِالِانْصِرافِ إلى ناحِيَةٍ ثُمَّ قالَ لَها يا طَرِيفَةُ فَكَهَنَتْ وقالَتْ: والنُّورِ والظَّلْماءِ والأرْضِ والسَّماءِ إنَّ الشَّجَرَ لَهالِكٌ ولَيَعُودَنَّ الماءُ كَما كانَ في الزَّمَنِ السّالِكِ قالَ عَمْرٌو: مَن أخْبَرَكِ بِهَذا؟ قالَتْ: أخْبَرَتْنِي المَناجِدُ بِسِنِينَ شَدائِدَ يَقْطَعُ فِيها الوَلَدُ الوالِدَ، قالَ: ما تَقُولِينَ؟ قالَتْ: أقُولُ قَوْلَ النَّدْمانِ لَهِيفًا لَقَدْ رَأيْتُ سُلْحُفًا تَجْرُفُ التُّرابَ
صفحة 132
جَرْفًا وتَقْذِفُ بِالبَوْلِ قَذْفًا، فَدَخَلَتِ الحَدِيقَةُ فَإذا الشَّجَرُ مِن غَيْرِ رِيحٍ يَتَكَفّى، قالَ: ما تَرَيْنَ في ذَلِكَ؟ قالَتْ: هي داهِيَةٌ دَهْياءُ مِن أُمُورٍ جَسِيمَةٍ ومَصائِبَ عَظِيمَةٍ، قالَ: وما هو ويْلُكِ؟ قالَتْ: أجَلْ، وإنَّ فِيهِ الوَيْلَ، ومالَكَ فِيهِ مِن نَيْلٍ، وإنَّ الوَيْلَ فِيما يَجِيءُ بِهِ السَّيْلُ، فَأُلْقِيَ عَمْرٌو عَنْ فِراشِهِ وقالَ: ما هَذا يا طَرِيفَةُ؟ قالَتْ: خَطْبٌ جَلِيلٌ وحُزْنٌ طَوِيلٌ وخَلَفٌ قَلِيلٌ، قالَ: وما عَلامَةُ ما تَذْكُرِينَ؟ قالَتِ: اِذْهَبْ إلى السَّدِّ فَإذا رَأيْتَ جُرَذًا يُكْثِرُ بِيَدَيْهِ في السَّدِّ الحَفْرَ ويَقْلِبُ بِرِجْلَيْهِ مِن أجْلِ الصَّخْرِ، فاعْلَمْ أنَّ الغَمْرَ غَمْرٌ وأنَّهُ قَدْ وقَعَ الأمْرُ، قالَ: وما الَّذِي تَذْكُرِينَ؟ قالَتْ: وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَزَلَ وباطِلٌ بَطَلَ ونَكالٌ بِنا نَكَلَ، فَبِغَيْرِكَ يا عَمْرُو يَكُونُ، الثَّكَلُ فانْطَلَقَ عَمْرٌو فَإذا الجُرَذُ يَقْلِبُ بِرِجْلَيْهِ صَخْرَةً ما يُقِلُّها خَمْسُونَ رَجُلًا فَرَجَعَ وهو يَقُولُ:

أبْصَرْتُ أمْرًا عادَنِي مِنهُ ألَمٌ وهاجَ لِي مِن هَوْلِهِ بُرْحُ السَّقَمِ

مِن جُرَذٍ كَفَحْلِ خِنْزِيرِ الأجَمِ

أوْ كَبْشِ صِرْمٍ مِن أفاوِيقِ الغَنَمِ

يَسْحَبُ قُطْرًا مِن جَلامِيدِ العَرِمِ

لَهُ مَخالِيبُ وأنْيابُ قَضَمِ

ما فاتَهُ سَحْلًا مِنَ الصَّخْرِ قَصَمَ
فَقالَتْ طَرِيفَةُ: وإنَّ مِن عَلامَةِ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ أنْ تَجْلِسَ فَتَأْمُرَ بِزُجاجَةٍ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَإنَّ الرِّيحَ يَمْلَؤُها مِن تُرابِ البَطْحاءِ مِن سَهْلِ الوادِي وحَزَنِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الجِنانَ مُظَلَّلَةٌ لا يَدْخُلُها شَمْسٌ ولا رِيحٌ فَأمَرَ عَمْرٌو بِزُجاجَةٍ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولَمْ تَمْكُثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى اِمْتَلَأتْ مِنَ التُّرابِ فَأخْبَرَها بِذَلِكَ، وقالَ لَها: مَتى يَكُونُ ذَلِكَ الخَرابُ الَّذِي يَحْدُثُ في السَّدِّ؟ قالَتْ لَهُ: فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ سَبْعُ سِنِينَ، قالَ: فَفي أيُّها يَكُونُ؟ قالَتْ: لا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَوْ عَلِمَهُ أحَدٌ لَعَلِمْتُهُ، وأنَّهُ لا تَأْتِي عَلَيَّ لَيْلَةٌ فِيما بَيْنِي وبَيْنَ السَّبْعِ سِنِينَ إلّا ظَنَنْتُ هَلاكَهُ في غَدِها أوْ في مَسائِها، ثُمَّ رَأى عَمْرٌو في مَنامِهِ سَيْلَ العَرِمِ، وقِيلَ لَهُ: إنَّ آيَةَ ذَلِكَ أنْ تَرى الحَصْباءَ قَدْ ظَهَرَتْ في سَعَفِ النَّخْلِ فَنَظَرَ إلَيْها فَوَجَدَ الحَصْباءَ قَدْ ظَهَرَتْ فِيها فَعَلِمَ أنَّهُ واقِعٌ وأنَّ بِلادَهم سَتَخْرُبُ فَكَتَمَ ذَلِكَ وأجْمَعَ عَلى بَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ بِأرْضِ مَأْرِبَ، وأنْ يَخْرُجَ مِنها هو ووَلَدُهُ ثُمَّ خَشِيَ أنْ تُنْكِرَ النّاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَأمَرَ أحَدَ أوْلادِهِ إذا دَعاهُ لِما يَدْعُوهُ إلَيْهِ أنْ يَتَأبّى عَلَيْهِ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ في المَلَأِ مِنَ النّاسِ، وإذا لَطَمَهُ يَرْفَعُ هو يَدَهُ ويَلْطِمُهُ ثُمَّ صَنَعَ عَمْرٌو طَعامًا وبَعَثَ إلى أهْلِ مَأْرِبَ أنَّ عَمْرًا قَدْ صَنَعَ طَعاما يَوْمَ مَجْدٍ وذِكْرٍ، فَأُحْضِرُوا طَعامَهُ، فَلَمّا جَلَسَ النّاسُ لِلطَّعامِ جَلَسَ عِنْدَهُ اِبْنُهُ الَّذِي أمَرَهُ بِما قَدْ أمَرَهُ فَجَعَلَ يَأْمُرُهُ فَيَتَأبّى عَلَيْهِ فَرَفَعَ عَمْرٌو يَدَهُ فَلَطَمَهُ فَلَطَمَهُ اِبْنُهُ وكانَ اِسْمُهُ مالِكًا، فَصاحَ عَمْرٌو وا ذُلّاهُ يَوْمَ فَخْرِ عَمْرٍو وبَهْجَتِهِ صَبِيٌّ يَضْرِبُ وجْهَهُ، وحَلِفَ لَيَقْتُلَنَّهُ فَلَمْ يَزالُوا يَرْغَبُونَ إلَيْهِ حَتّى تَرَكَ، وقالَ: واَللَّهِ لا أُقِيمُ بِمَوْضِعٍ صُنِعَ فِيهِ بِيَّ هَذا ولَأبِيعُنَّ أمْوالِي حَتّى لا يَرِثَ بَعْدِي مِنها شَيْئًا، فَقالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اِغْتَنَمُوا غَيْظَ عَمْرٍو واشْتَرُوا مِنهُ أمْوالَهُ قَبْلَ أنْ يَرْضى، فابْتاعَ النّاسُ مِنهُ كُلَّ مالِهِ بِأرْضِ مَأْرِبَ وفَشا بَعْضُ حَدِيثِهِ فِيما بَلَغَهُ مِن شَأْنِ سَيْلِ العَرِمِ فَقامَ ناسٌ مِنَ الأزْدِ فَباعُوا أمْوالَهم فَلَمّا أكْثَرُوا البَيْعَ اِسْتَنْكَرَ النّاسُ ذَلِكَ فَأمْسَكُوا عَنِ الشِّراءِ، فَلَمّا اِجْتَمَعَتْ إلى عَمْرٍو أمْوالُهُ أخْبَرَ النّاسَ بِشَأْنِ السَّيْلِ وخَرَجَ فَخَرَجَ لِخُرُوجِهِ مِنها بِشْرٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلُوا أرْضَ عَكَّ فَحارَبَتْهم عَكُّ فارْتَحَلُوا عَنْ بِلادِهِمْ ثُمَّ اِصْطَلَحُوا وبَقُوا بِها حَتّى ماتَ عَمْرٌو وتَفَرَّقُوا في البِلادِ، فَمِنهم مَن سارَ إلى الشّامِ وهم أوْلادُ جَفْنَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ، ومِنهم مَن سارَ إلى يَثْرِبَ وهم أبْناءُ قَبِيلَةِ الأوْسِ والخَزْرَجِ وأبُوهُما حارِثَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ، وسارَتْ أزْدُ السَّراةِ إلى السَّراةِ وأزْدُ عُمانَ
صفحة 133
إلى عُمانَ، وسارَ مالِكُ بْنُ فَهُمٍ إلى العِراقِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ عَمْرٍو بِيَسِيرٍ مِن أرْضِ اليَمَنِ طَيِّئٌ فَنَزَلَتْ أجَأ وسُلْمى، ونَزَلَتْ أبْناءُ رَبِيعَةَ بْنِ حارِثَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَمْرٍو تُهامَةَ، وسُمُّوا خُزاعَةَ لِانْخِزاعِهِمْ مِن إخْوانِهِمْ ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى السَّدِّ السَّيْلَ فَهَدَمَهُ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ الأعْشى:

وفِي ذاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ومَأْرِبُ عَفا عَلَيْها العَرِمُ

رُخامُ بِنْتِهِ لَهم حَمِيرٌ ∗∗∗ إذا جاءَ مُوارِهٌ لَمْ يَرِمْ

فَأرْوى الزُّرُوعَ وأعْنابِها ∗∗∗ عَلى سِعَةٍ ماؤُهم إذْ قَسِمْ

فَصارُوا أيادِيَ ما يَقْدِرُو ∗∗∗ نَ مِنهُ عَلى شُرْبِ طِفْلٍ فَطِمْ
وذَكَرَ المَيْدانِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّ طَرِيفَةَ الكاهِنَةَ قَدْ رَأتْ في كَهانَتِها أنَّ سَدَّ مَأْرِبَ سَيَخْرَبُ وأنَّهُ سَيَأْتِي سَيْلُ العَرِمِ فَيُخَرِّبُ الجَنَّتَيْنِ فَباعَ عَمْرُو بْنُ عامِرٍ أمْوالَهُ وسارَ هو وقَوْمُهُ حَتّى اِنْتَهَوْا إلى مَكَّةَ فَأقامُوا بِها وبِما حَوْلَها فَأصابَتْهُمُ الحُمّى وكانُوا بِبَلَدٍ لا يَدْرُونَ فِيهِ ما الحُمّى فَدَعَوا طَرِيفَةَ فَشَكَوا إلَيْها الَّذِي أصابَهم فَقالَتْ لَهُمْ: أصابَنِي الَّذِي تَشْكُونَ، وهو مُفَرِّقٌ بَيْنَنا، قالُوا فَماذا تَأْمُرِينَ، قالَتْ: مَن كانَ مِنكم ذا هَمٍّ بِعِيدٍ وجَمَلٍ شَدِيدٍ ومَزادٍ جَدِيدٍ فَلْيَلْحَقْ بِقَصْرِ عُمانَ المَشِيدِ، فَكانَتْ أزْدُ عُمانَ، ثُمَّ قالَتْ: مَن كانَ مِنكم ذا جَلَدٍ وقَسْرٍ وصَبْرٍ عَلى أزَماتِ الدَّهْرِ فَعَلَيْهِ بِالأراكِ مِن بَطْنِ مُرٍّ فَكانَتْ خُزاعَةُ، ثُمَّ قالَتْ: مَن كانَ مِنكم يُرِيدُ الرّاسِياتِ في الوَحْلِ المُطْعِماتِ في المَحْلِ فَلْيَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذاتِ النَّخْلِ فَكانَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ، ثُمَّ قالَتْ: مَن كانَ مِنكم يُرِيدُ الخَمْرَ والخَمِيرَ والمُلْكَ والتَّأْسِيرَ ويَلْبَسُ الدِّيباجَ والحَرِيرَ فَلْيَلْحَقْ بِبَصْرى وغُوِيرَ وهُما مِن أرْضِ الشّامِ فَكانَ الَّذِينَ سَكَنُوها آلَ جَفْنَةَ مِن غَسّانَ، ثُمَّ قالَتْ: مَن كانَ مِنكم يُرِيدُ الثِّيابَ الرِّقاقَ والخَيْلَ العِتاقَ وكُنُوزَ الأرْزاقِ والدَّمَ المُهْراقَ فَلْيَلْحَقْ بِأرْضِ العِراقِ، فَكانَ الَّذِينَ سَكَنُوها آلُ جَذِيمَةَ الأبْرَشِ ومَن كانَ بِالحِيرَةِ وآلُ مُحْرِقٍ، والحَقُّ أنَّ تَمْزِيقَهم وتَفْرِيقَهم في البِلادِ كانَ بَعْدَ إرْسالِ السَّيْلِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ خُرُوجُ بَعْضِهِمْ قُبَيْلَهُ حِينَ اِسْتَشْعَرُوا وُقُوعَهُ، وفي المَثَلِ: ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبَأٍ، ويُقالُ تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَأٍ، ويُرْوى أيادِيَ وهو بِمَعْنى الأوْلادِ لِأنَّهم أعْضادُ الرَّجُلِ لِتَقَوِّيهِ بِهِمْ.

وفِي المُفَصَّلِ أنَّ الأيْدِيَ الأنْفُسُ كِنايَةً أوْ مَجازًا قالَ في الكَشْفِ: وهو حَسَنٌ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِيَّةِ بِتَقْدِيرِ (مِثْلَ) لِاقْتِضاءِ المَعْنى إيّاهُ مَعَ عَدَمِ تَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى البِلادِ أوِ الطُّرُقُ مِن قَوْلِهِمْ خُذْ يَدَ البَحْرِ أيْ طَرِيقَهُ وجانِبَهُ، أيْ تَفَرَّقُوا في طُرُقٍ شَتّى، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى هَذا مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِدُونِ تَقْدِيرِ (فِي) كَما أشارَ إلَيْهِ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ، ورُبَّما يُظَنُّ أنَّ الأيْدِيَ أوِ الأيادِيَ بِمَعْنى النِّعَمِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، ويُقالُ في الشَّخْصِ إذا كانَ مُشَتَّتَ الهَمِّ مُوَزَّعَ الخاطِرِ كانَ أيادِيَ سَبَأٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُ كُثَيِّرُ عَزَّةَ:

أيادِي سَبَأٍ يا عَزُّ ما كُنْتُ بَعْدَكم ∗∗∗ فَلَمْ يَحِلَّ بِالعَيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنظَرُ
‏‏ ‏ ‏‏‏ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ ‏‏‏ عَظِيمَةً ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ شَأْنُهُ الصَّبْرُ عَلى الشَّهَواتِ ودَواعِي الهَوى وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، وقِيلَ: شَأْنُهُ الصَّبْرُ عَلى النِّعَمِ بِأنْ لا يَبْطَرُ ولا يَطْغى ولَيْسَ بِذاكَ ‏‏‏‏‏ شَأْنُهُ الشُّكْرُ عَلى النِّعَمِ، وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ بِذَلِكَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And Iblees had already confirmed through them his assumption, so they followed him, except for a party of believers.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 34:17–21 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Sabaʾ 34:17