All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Al-Wāqiʿah 56:78 Juzʾ 27 Page 537

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

In a Register well-protected;

Read in the muṣḥaf

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وصْفٌ آخَرُ لِلْقُرْآنِ أيْ كائِنٌ في كِتابٍ مَصُونٍ عَنْ غَيْرِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَن سِواهم، فالمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: أيْ في كِتابٍ مَصُونٍ عَنِ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ وهو المُصْحَفُ الَّذِي بِأيْدِي المُسْلِمِينَ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإخْبارَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَصاحِفُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: في كِتابٍ أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وحُكِيَ ذَلِكَ في البَحْرِ ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: ذُكِرَ في كِتابٍ مَكْنُونٍ كَرَمُهُ وشَرَفُهُ، فالمَعْنى عَلى هَذا الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ عَلى هَذا بِالكِتابِ الجِنْسُ لِتَصِحَّ إرادَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي وصْفِ ذَلِكَ بِالمَكْنُونِ خَفاءٌ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ جَلِيلُ الشَّأْنِ عَظِيمُ القَدْرِ فَإنَّ السَّتْرَ كاللّازِمِ لِلشَّيْءِ الجَلِيلِ، وجُوِّزَ إرادَةُ هَذا المَعْنى المَجازِيِّ
صفحة 154
عَلى غَيْرِ هَذا القَوْلِ مِنَ الأقْوالِ، وقِيلَ: الكِتابُ المَكْنُونُ قَلْبُ المُؤْمِنِ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ في كِتابٍ مَكْنُونٍ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لَيْسَ إلّا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يُوسُفَ: 63] والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ بِكَرِيمٍ كَما يُقالُ زَيْدٌ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، والمَعْنى إنَّهُ كَرِيمٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَرِيمًا عِنْدَ الكُفّارِ، والوَصْفِيَّةُ أبْلَغُ كَما لا يَخْفى،

‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

None touch it except the purified.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ إمّا صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِكِتابٍ مُرادًا بِهِ اللَّوْحُ، فالمُرادُ بِالمُطَهَّرُونَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيِ المُطَهَّرُونَ المُنَزَّهُونَ عَنْ كَدَرِ الطَّبِيعَةِ ودَنَسِ الحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ، وقِيلَ: عَنْ كَدَرِ الأجْسامِ ودَنَسِ الهَيُولى والطَّهارَةُ عَلَيْهِما طَهارَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، ونَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ وعَلى ما فِيهِ، وإمّا صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ.

والمُرادُ بِالمُطَهَّرُونَ المُطَهَّرُونَ عَنِ الحَدَثِ الأصْغَرِ والحَدَثِ الأكْبَرِ بِحِمْلِ الطَّهارَةِ عَلى الشَّرْعِيَّةِ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا مَن هو عَلى طَهارَةٍ مِنَ النّاسِ فالنَّفْيُ هَنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النُّورَ: 3] وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ»» الحَدِيثَ وهو بِمَعْنى النَّهْيِ بَلْ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ، وهَذا أحَدُ أوْجُهٍ ذَكَرُوها لِلْعُدُولِ عَنْ جَعْلِ - لا - ناهِيَةً، وثانِيها أنَّ المُتَبادَرَ كَوْنُ الجُمْلَةِ صِفَةً والأصْلُ فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً ولا داعِيَ لِاعْتِبارِ الإنْشائِيَّةِ وارْتِكابِ التَّأْوِيلِ، وثالِثُها أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الضَّمَّةِ أنَّها إعْرابٌ فالحَمْلُ عَلى غَيْرِهِ فِيهِ إلْباسٌ، ورابِعُها أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ ما يَمَسُّهُ وهي تُؤَيِّدُ أنَّ لا نافِيَةٌ وكَوْنُ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَرْوِيٌّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذا أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ في بَعْضِ الآثارِ عَنْ بَعْضِ هَؤُلاءِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الضَّمِيرَ في ‏ ‏‏‏‏‏ مَعَ كَوْنِ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ ذاكَ عِنْدَ رَبِّ العالَمِينَ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ المَلائِكَةِ فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ والنَّجِسُ، والمُنافِقُ الرَّجِسُ، وأخْرَجاهُما وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في المَعْرِفَةِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: في الآيَةِ الكِتابُ المُنَزَّلُ في السَّماءِ لا يَمَسُّهُ إلّا المَلائِكَةُ، ويُشِيرُ إلَيْهِ ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ النُّعَيْمِيِّ قالَ: قالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هَذِهِ الآيَةِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أنَّها بِمَنزِلَةِ الآيَةِ الَّتِي في عَبَسَ ﴿كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: 11 - 16] وكَوْنُ المُرادِ بِهِمُ المُطَهَّرِينَ مِنَ الأحْداثِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وسالِمٍ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَلْمانَ - يَعْنِي الفارِسِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فانْطَلَقَ إلى حاجَةٍ فَتَوارى عَنّا فَخَرَجَ إلَيْنا فَقُلْنا لَوْ تَوَضَّأْتَ فَسَألْناكَ عَنْ أشْياءَ مِنَ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: سَلُونِي فَإنِّي لَسْتُ أمَسُّهُ إنَّما يَمَسُّهُ المُطَهَّرُونَ ثُمَّ تَلا ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏، وقِيلَ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، والمُرادُ - بِالمُطَهَّرُونَ - المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، والمَسُّ مَجازٌ عَنِ الطَّلَبِ كاللَّمْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجِنَّ: 8] أيْ لا يَطْلُبُهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ أرَ هَذا مَرْوِيًّا عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، والنَّفْيُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ، ورَجَّحَ جَمْعٌ جَعْلَ الجُمْلَةِ وصْفًا لِلْقُرْآنِ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحُرْمَتِهِ وتَعْظِيمِهِ لا لِشَأْنِ الكِتابِ المَكْنُونِ، وإنْ كانَ في تَعْظِيمِهِ تَعْظِيمُهُ. وصَحَّحَ الإمامُ جَعْلَها وصْفًا لِلْكِتابِ - وفِيهِ نَظَرٌ - وعَلى الوَصْفِيَّةِ لِلْقُرْآنِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى اخْتِيارِ تَفْسِيرِ المُطَهَّرِينَ بِالمُطَهَّرِينَ عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ.

وفِي الأحْكامِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى مَنعِ المُحْدِثِ مِن مَسِّ المُصْحَفِ وهو ظاهِرٌ في
صفحة 155
اخْتِيارِ ذَلِكَ، والِاحْتِمالُ جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ المَكْنُونِ أوْ لِلْقُرْآنِ، وكَوْنُ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ عَدَلَ الأكْثَرُونَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى ذَلِكَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالإخْبارِ، فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ مالِكٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ «فِي كِتابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «ولا تَمَسَّ القُرْآنَ إلّا عَلى طُهُورٍ»».

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مَنعُ مَسِّ غَيْرِ الطّاهِرِ القُرْآنَ مِنَ الآيَةِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الآخَرَيْنِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّها أفادَتْ تَعْظِيمَ شَأْنِ القُرْآنِ وكَوْنُهُ كَرِيمًا، والمَسُّ بِغَيْرِ طُهْرٍ مُخِلٌّ بِتَعْظِيمِهِ فَتَأْباهُ الآيَةُ وهو كَما تَرى، وأطالَ الإمامُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن راجَعَهُ، نَعَمْ لا شَكَّ في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ ومُقْتَضى ذَلِكَ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ ولا يَنْحَصِرُ الِاعْتِناءُ بِمَنعِ غَيْرِ الطّاهِرِ عَنْ مَسِّهِ بَلْ يَكُونُ بِأشْياءَ كَثِيرَةٍ كالإكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والوُضُوءِ لَها وأنْ لا يَقْرَأهُ الشَّخْصُ وهو مُتَنَجِّسُ الفَمِ فَإنَّهُ مَكْرُوهٌ.

وقِيلَ: حَرامٌ كالمَسِّ بِاليَدِ المُتَنَجِّسَةِ، وكَوْنُ القِراءَةِ في مَكانٍ نَظِيفٍ، والقارِئُ مُسْتَقْبِلٌ القِبْلَةَ مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ ووَقارٍ مُطْرِقًا رَأْسَهُ، والِاسْتِياكُ لِقِراءَتِهِ، والتَّرْتِيلُ، والتَّدَبُّرُ، والبُكاءُ، أوِ التَّباكِي، وتَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ وأنْ لا يَتَّخِذَهُ مَعِيشَةً، وأنْ يُحافِظَ عَلى أنْ لا يَنْسى آيَةً أُوتِيَها مِنهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ ««عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أرَ ذَنْبًا أعْظَمَ مِن سُورَةِ القُرْآنِ أوْ آيَةٍ أُوتِيَها رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَها»، وأنْ لا يُجامِعَ بِحَضْرَتِهِ فَإنْ أرادَ سَتَرَهُ، وأنْ لا يَضَعَ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وغَيْرِها فَوْقَهُ، وأنْ لا يُقَلِّبَ أوْراقَهُ بِأُصْبُعٍ عَلَيْها بُزاقٌ يَنْفَصِلُ مِنهُ شَيْءٌ فَقَدْ قِيلَ بِكُفْرِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ إلى أُمُورٍ أُخَرَ مَذْكُورَةٍ في مَحالِّها، وفي وُجُوبِ كَوْنِ القارِئِ طاهِرًا مِنَ الأحْداثِ خِلافٌ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِراءَةُ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ لا يَقْرَأ إلّا طاهِرٌ وكَأنَّهُمُ اعْتَبَرُوهُ كَسائِرِ الأذْكارِ والفَرْقُ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ.

وقَرَأ عِيسى «المُطْهَرُونَ» اسْمَ مَفْعُولٍ مُخَفَّفًا مِن أطْهَرَ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرو، وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «المُطَهِّرُونَ» بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وتَشْدِيدِ الهاءِ وكَسْرِها اسْمُ فاعِلٍ مِن طَهَّرَ أيْ ( المُطَهِّرُونَ ) أنْفُسَهم، أوْ غَيْرَهم بِالِاسْتِغْفارِ لَهم والإلْهامِ، وعَنْهُ أيْضًا «المُطَّهِّرُونَ» بِتَشْدِيدِهِما وأصْلُهُ المُتَطَهِّرُونَ فَأُدْغِمَ التّاءُ بَعْدَ إبْدالِها في الطّاءِ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وقُرِئَ المُتَطَهِّرُونَ عَلى الأصْلِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ أيْ مُنَزَّلٌ، أوْ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ يَنْزِلُ نُجُومًا مِن بَيْنِ سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ في نَفْسِهِ تَنْزِيلٌ ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْرى بَعْضِ أسْمائِهِ فَقِيلَ جاءَ في التَّنْزِيلِ كَذا ونَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو تَنْزِيلٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ عَلى نُزِّلَ تَنْزِيلًا.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then is it to this statement that you are indifferent

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أتُعْرِضُونَ فَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِإعْظامِهِ وإجْلالِهِ والإيمانِ بِما تَضَمَّنَهُ وأرْشَدَ إلَيْهِ وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُتَهاوِنُونَ بِهِ كَمَن يَدْهُنُ في الأمْرِ أيْ يَلِينُ جانِبُهُ ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ تَهاوُنًا بِهِ، وأصْلُ الِإدْهانِ كَما قِيلَ: جَعْلُ الأدِيمِ ونَحْوِهِ مَدْهُونًا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّهْنِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلَيِّنًا لَيِّنًا مَحْسُوسًا يُرادُ بِهِ اللِّينُ المَعْنَوِيُّ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ اللِّينِ أوِ اسْتُعِيرَ لَهُ، ولِذا سُمِّيَتِ المُداراةُ مُداهَنَةً وهَذا مَجازٌ مَعْرُوفٌ ولِشُهْرَتِهِ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ولِذا تَجَوَّزَ بِهِ هُنا عَنِ التَّهاوُنِ أيْضًا لِأنَّ المُتَهاوِنَ بِالأمْرِ
صفحة 156
لا يَتَصَلَّبُ فِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّجّاجِ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مُكَذِّبُونَ وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّكْذِيبَ مِن فُرُوعِ التَّهاوُنِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أيْ مُنافِقُونَ في التَّصْدِيقِ بِهِ تَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا بِهِ وإذا خَلَوْتُمْ إلى إخْوانِكم قُلْتُمْ: إنّا مَعَكم والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ وما قَدَّمْناهُ أوْلى، والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْكُفّارِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهَذا الحَدِيثِ ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: وكانُوا يَقُولُونَ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقِعَةَ: 47، 48] فالكَلامُ عَوْدٌ إلى ذَلِكَ بَعْدَ رَدِّهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أفَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ في إنْكارِ البَعْثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ أصْحابَكم أيْ تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ مُداهَنَةً أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ وعَلى الإصْرارِ عَلَيْهِ عازِمُونَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ وسَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And make [the thanks for] your provision that you deny [the Provider]?

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ شُكْرَكم ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وبِنَجْمِ كَذا وكَذا، أخْرَجَ ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو إمّا إشارَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا أيْ شُكْرُ رِزْقِكم أوْ إشارَةٌ إلى أنَّ الرِّزْقَ مَجازٌ عَنْ لازِمِهِ وهو الشُّكْرُ، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ ما رُزِقَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى شَكَرَهُ، ونُقِلَ عَنِ الكَرْمانِيِّ أنَّهُ نَقَلَ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ الرِّزْقَ مِن أسْماءِ الشُّكْرِ واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ ولَعَلَّهُ هو ما حَكاهُ الهَيْثَمُ، وفي البَحْرِ وغَيْرِهِ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنَ عَبّاسٍ قَرَآ - شُكْرَكم - بَدَلَ ( رِزْقَكم ) وحَمَلَهُ بَعْضُ شُرّاحِ البُخارِيِّ عَلى التَّفْسِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتِّلاوَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: «قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «الواقِعَةَ» في الفَجْرِ فَقالَ: «وتَجْعَلُونَ - شُكْرَكم - أنَّكم تُكَذِّبُونَ» فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: إنِّي قَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ سَيَقُولُ قائِلٌ لِمَ قَرَأها هَكَذا إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ كانُوا إذا أُمْطِرُوا قالُوا: أُمْطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - وتَجْعَلُونَ - شُكْرَكم أنَّكم إذا مُطِرْتُمْ تُكَذِّبُونَ -» ومَعْنى جَعْلِ شُكْرِهِمِ التَّكْذِيبَ جَعْلُ التَّكْذِيبِ مَكانَ الشُّكْرِ فَكَأنَّهُ عَيَّنَهُ عِنْدَهم فَهو مِن بابِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ كَيُّ الصَّحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ
وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وتَجْعَلُونَ ) إلَخْ نَزَلَ في القائِلِينَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما قَبْلُ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««مُطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أصْبَحَ مِنَ النّاسِ شاكِرٌ ومِنهم كافِرٌ قالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وضَعَها اللَّهُ وقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الواقِعَةَ: 75] حَتّى بَلَغَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏» .

وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَ ذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُرْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلُوا الحِجْرَ فَأمَرَهم ﷺ أنْ لا يَحْمِلُوا مِن مائِهِ شَيْئًا ثُمَّ ارْتَحَلُوا ونَزَلُوا مَنزِلًا آخَرَ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا فَأُمْطِرُوا وسَقَوْا فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُتَّهَمُ بِالنِّفاقِ: إنَّما مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَنَزَلَ ما نَزَلَ»، ولَعَلَّ جَمْعًا مِنَ الكُفّارِ قالُوا نَحْوَ ذَلِكَ أيْضًا بَلْ هم لَمْ يَزالُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، والأخْبارُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ في القائِلِينَ بِالأنْواءِ، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها تَوْبِيخٌ لِأُولَئِكَ، وظاهِرُ مُقابَلَةِ الشُّكْرِ بِالكُفْرِ في الحَدِيثِ السّابِقِ أنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ كُفْرانُ النِّعْمَةِ إذا أُضِيفَتْ لِغَيْرِ مُوجِدِها جَلَّ جَلالُهُ
صفحة 157
وقَدْ صَحَّ ذِكْرُهُ مَعَ الإيمانِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجَهْنِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصُّبْحَ بِالحُدَيْبِيَةِ في إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمّا سَلَّمَ أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكم في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَقالَ: قالَ: ما أنْعَمْتُ عَلى عِبادِي نِعْمَةً إلّا أصْبَحَ فَرِيقٌ مِنهم بِها كافِرِينَ فَأمّا مَن آمَنَ بِي وحَمِدَنِي عَلى سُقْيايَ فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِي وكَفَرَ بِالكَواكِبِ وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِالكَوْكَبِ وكَفَرَ بِي»» والآيَةُ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها في قائِلِي ذَلِكَ ظاهِرَةٌ في كُفْرِهِمِ المُقابِلِ لِلْإيمانِ فَكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ اعْتِقادِ أنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ حَقِيقَةً مُوجِدَةٌ لِلْمَطَرِ وهو كُفْرٌ بِلا رَيْبٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والنَّوْءُ مِيقاتٌ وعَلامَةٌ لَهُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وقِيلَ: تَسْمِيَتُهُ كُفْرًا لِأنَّهُ يُفْضِي إلَيْهِ إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ حَقِيقَةً.

هَذا وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ - وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم - لِنِعْمَةِ القُرْآنِ - أنَّكم تُكَذِّبُونَ - بِهِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ: بِئْسَ ما أخَذَ القَوْمُ لِأنْفُسِهِمْ لَمْ يُرْزَقُوا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا التَّكْذِيبَ.

وفِي الإرْشادِ أنَّهُ الأوْفَقُ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ، وأقُولُ ما قَدَّمْناهُ تَفْسِيرٌ مَأْثُورٌ نَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ المَقْبُولَةُ، وذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَيْسَ فِيهِ ما يَأْبى إرادَةَ مَعْنى مُطابِقٍ لِسَبَبِ النُّزُولِ ومُوافِقٌ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ أنْ وصَفَ القُرْآنَ بِما دَلَّ عَلى جَلالَةِ شَأْنِهِ وعِزَّةِ مَكانِهِ وأشْعَرَ بِاشْتِمالِهِ عَلى ما فِيهِ تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ وتَحْلِيَتُها بِما يُوجِبُ كَمالَها مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ ونَحْوِها حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَعَبَّرَ جَلَّ وعَلا عَنْ ذاتِهِ سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الرَّبِّ الدّالِّ عَلى التَّرْبِيَةِ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

وقَدْ يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِكَرِيمٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ نَفّاعٌ جَمُّ المَنافِعِ فَإنَّهُ لا مَنفَعَةَ أجَلَّ مِمّا ذُكِرَ وكانَ قَدْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ بَعِيدٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنَزِّلُ لِماءِ المَطَرِ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا قالَ عَزَّ قائِلًا: أفَبِهَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى العَقائِدِ الحَقَّةِ المُرْشِدِ إلى ما فِيهِ نَفْعُكم أنْتُمْ مُتَهاوِنُونَ فَلا تَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ وتَجْعَلُونَ بَدَلَ شُكْرِكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ، ومِن ذَلِكَ أنَّكم تَقُولُونَ إذا مُطِرْتُمْ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَتُسْنِدُونَ إنْزالَ المَطَرِ إلى الكَواكِبِ وقَدْ أرْشَدَكم غَيْرَ مَرَّةٍ إلى ما يَأْبى ذَلِكَ مِنَ العَقائِدِ وهَداكم إلى أنَّهُ تَعالى هو المُنَزِّلُ لِلْمَطَرِ لا الكَواكِبُ ولا غَيْرُها أصْلًا - فَما جاءَ مِن تَفْسِيرِ تُكَذِّبُونَ بِتَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إلّا بَيانَ نَوْعٍ اقْتَضاهُ الحالُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ المَنعُوتِ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ وكَوْنُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَزْعُمُهُ الكُفّارُ تَكْذِيبًا بِهِ مِمّا لا يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، وهَذا لا تَمَحُّلَ فِيهِ، وقَدْ يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالرِّزْقِ المَطَرُ وكَوْنُ ( تُكَذِّبُونَ ) عَلى مَعْنى تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ - أيِ المَطَرِ - مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ وإنْ لَمْ أقِفْ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في أثَرٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، المَعْنى أفَبِهَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ المُرْشِدِ إلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنهُ تَعالى لا غَيْرُ المُصَرِّحِ عَنْ قَرِيبٍ بِأنَّهُ المُنَزِّلُ لِلْمَطَرِ وحْدَهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ تُكَذِّبُونَ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّجّاجِ ومِن ذَلِكَ أنَّكم تَجْعَلُونَ مَوْضِعَ شُكْرِ ما يَرْزُقُكم مِنَ المَطَرِ ويُنَزِّلُهُ لَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ، والتَّبْكِيتُ الآتِي مَبْنِيٌّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ المَفْهُومِ مِن ( تُكَذِّبُونَ ) أوْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَكِنَّ التَّكْذِيبَ بِهِ بِاعْتِبارِ التَّكْذِيبِ بِبَعْضِ ما نَطَقَ بِهِ بِما سَبَقَ وتَوَقُّفُ المُرادِ بِالآيَةِ عَلى الخَبَرِ غَيْرُ بِدْعٍ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وحالُ عَطْفِ ( تَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ) عَلى ما قَبْلَهُ لا يَخْفى عَلى نَبِيِّهِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِفَهْمِ كِتابِهِ الكَرِيمِ.

صفحة 158
وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «تَكْذِبُونَ» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الكَذِبِ وهو قَوْلُهم في القُرْآنِ إنَّهُ - وحاشاهُ - افْتِراءٌ ويَرْجِعُ إلى هَذا قَوْلُهم في المَطَرِ: إنَّهُ مِنَ الأنْواءِ لِأنَّ القُرْآنَ ناطِقٌ بِخِلافِهِ،

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Wāqiʿah 56:78