All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Yūsuf 12:9 Juzʾ 12 Page 236

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الكَلامَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ عَنْ غَرَضِ القائِلِينَ مِمّا قالُوهُ فَهَذا المَقْصُودُ لِلْقائِلِينَ. وإنَّما جَعَلُوا لَهُ الكَلامَ السّابِقَ كالمُقَدِّمَةِ لِتَتَأثَّرَ نُفُوسُ السّامِعِينَ فَإذا أُلْقِيَ إلَيْها المَطْلُوبُ كانَتْ سَرِيعَةَ الِامْتِثالِ إلَيْهِ.

وهَذا فَنٌّ مِن صِناعَةِ الخَطابَةِ أنْ يَفْتَتِحَ الخَطِيبُ كَلامَهُ بِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السّامِعِينَ لِتَتَأثَّرَ بِالغَرَضِ المَطْلُوبِ، فَإنَّ حالَةَ تَأثُّرِ النُّفُوسِ تُغْنِي عَنِ الخَطِيبِ

صفحة ٢٢٣
غِناءَ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ مِن بَيانِ العِلَلِ والفَوائِدِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ عَشْرَةَ: ”فَلَمّا دَفَنُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رِباوَةٍ، مُتَأبِّطًا لِهِراوَةٍ، فَقالَ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ“ . وانْهَلَّ في الخُطَبِ.
والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإرْشادِ. وأرادُوا ارْتِكابَ شَيْءٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ يُوسُفَ وأبِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - تَفْرِقَةً لا يُحاوِلُ مِن جَرّائِها اقْتِرابًا بِأنْ يَعْدِمُوهُ أوْ يَنْقُلُوهُ إلى أرْضٍ أُخْرى فَيَهْلَكُ أوْ يُفْتَرَسُ.

وهَذِهِ آيَةٌ مِن عِبَرِ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ وهي التَّخَلُّصُ مِن مُزاحَمَةِ الفاضِلِ بِفَضْلِهِ لِمَن هو دُونَهُ فِيهِ أوْ مُساوِيَهُ بِإعْدامِ صاحِبِ الفَضْلِ وهي أكْبَرُ جَرِيمَةٍ لِاشْتِمالِها عَلى الحَسَدِ، والإضْرارِ بِالغَيْرِ، وانْتِهاكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وهم قَدْ كانُوا أهْلَ دِينٍ ومِن بَيْتِ نُبُوَّةٍ وقَدْ أصْلَحَ اللَّهُ حالَهم مِن بَعْدُ وأثْنى عَلَيْهِمْ وسَمّاهُمُ الأسْباطَ.

وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أوْدِعُوهُ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أوْ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالمَفْعُولِ فِيهِ لِأنَّ أرْضًا اسْمُ مَكانٍ فَلَمّا كانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ وزادَ إبْهامًا بِالتَّنْكِيرِ عُومِلَ مُعامَلَةَ أسْماءِ الجِهاتِ، وهَذا أضْعَفُ الوُجُوهِ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ أرْضٌ مَجْهُولَةٌ لِأبِيهِ.

وجَزْمُ (يَخْلُ) في جَوابِ الأمْرِ، أيْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم.

والخُلُوُّ: حَقِيقَتُهُ الفَراغُ. وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في عَدَمِ التَّوَجُّهِ لِمَن لا يَرْغَبُونَ تَوَجُّهَهُ لَهُ، فَكَأنَّ الوَجْهَ خَلا مِن أشْياءٍ كانَتْ حالَّةً فِيهِ.

واللّامُ في قَوْلِهُ: (لَكم) لامُ العِلَّةِ، أيْ يَخْلُ وجْهُ أبِيكم لِأجْلِكم، بِمَعْنى أنَّهُ يَخْلُو مِمَّنْ عَداكم فَيَنْفَرِدُ لَكم.

صفحة ٢٢٤
وهَذا المَعْنى كِنايَةُ تَلْوِيحٍ عَنْ خُلُوصِ مَحَبَّتِهِ لَهم دُونَ مُشارِكٍ.
وعَطَفَ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ مِن بَعْدِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى (يَخْلُ) لِيَكُونَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ لِلْأمْرِ. فالمُرادُ كَوْنٌ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّلاحِ فِيهِ الصَّلاحَ الدُّنْيَوِيَّ، أيْ صَلاحَ الأحْوالِ في عَيْشِهِمْ مَعَ أبِيهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاحَ الدِّينِيَّ.

وإنَّما لَمْ يُدَبِّرُوا شَيْئًا في إعْدامِ أخِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَفَقَةً عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ.

وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمًا) بَيْنَ كانَ وخَبَرِها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ صَلاحَ الحالِ صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ فِيهِمْ كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.

وهَذا الأمْرُ صَدَرَ مِن قائِلِهِ وسامِعِيهِ مِنهم قَبْلَ اتِّصافِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِالوِلايَةِ لِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ كَبِيرَةِ القَتْلِ أوِ التَّعْذِيبِ والِاعْتِداءِ، وكَبِيرَةِ العُقُوقِ.

The same ayah, in another commentary

Yūsuf 12:9