All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ar-Raʿd 13:6 Juzʾ 13 Page 250

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةُ (‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٥])؛ لِأنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ حِكايَةٌ لِغَرِيبِ أحْوالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ والِاسْتِخْفافِ بِالوَعِيدِ. فابْتَدَأ بِذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ تَكْذِيبَهم بِوَعِيدِ الدُّنْيا لِتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ. وفي الِاسْتِخْفافِ بِوَعِيدِ نُزُولِ العَذابِ وعَدِّهِمْ إيّاهُ مُسْتَحِيلًا في حالِ أنَّهم شاهَدُوا آثارَ العَذابِ النّازِلِ
بِالأُمَمِ قَبْلَهم، وما ذَلِكَ إلّا لِذُهُولِهِمْ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي سَبَقَتِ الكَلامَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلَيْها والتَّفْرِيعِ عَنْها، فَهم يَسْتَعْجِلُونَ بِنُزُولِهِ بِهِمُ اسْتِخْفافًا واسْتِهْزاءً كَقَوْلِهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأنفال: ٣٢]، وقَوْلِهِمْ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٢].
والباءُ في (بِالسَّيِّئَةِ) لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى ما لَمْ يَكُنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والسَّيِّئَةُ: الحالَةُ السَّيِّئَةُ. وهي هُنا المُصِيبَةُ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَحُلُّ بِهِ. والحَسَنَةُ ضِدُّها، أيْ أنَّهم سَألُوا مِنَ الآياتِ ما فِيهِ عَذابٌ بِسُوءٍ، كَقَوْلِهِمْ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٢] دُونَ أنْ يَسْألُوا آيَةً مِنَ الحَسَناتِ.

فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِكايَةً لِبَعْضِ أحْوالِ سُؤالِهِمُ الظّانِّينَ أنَّهُ تَعْجِيزٌ، والدّالِّينَ بِهِ عَلى التَّهَكُّمِ بِالعَذابِ.

وقَبْلِيَّةُ السَّيِّئَةِ قَبْلِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، أيْ مُخْتارِينَ السَّيِّئَةَ دُونَ الحَسَنَةِ. وسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النمل: ٤٦] في سُورَةِ النَّمْلِ فانْظُرْهُ.

وجُمْلَةُ (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏) في مَوْضِعِ الحالِ. وهو مَحَلُّ زِيادَةِ التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُعْذُرُونَ فِيهِ لَوْ كانُوا لَمْ يَرَوْا آثارَ الأُمَمَ المُعَذَّبَةِ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ.

والمَثُلاتُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَلَّثَةِ: جَمْعُ مَثُلَةٍ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الثّاءِ كَسَمُرَةٍ، وبِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ كَعُرْفَةٍ: وهي العُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكُونُ مِثالًا تُمَثَّلُ بِهِ العُقُوباتُ.

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏)، وهَذا كَشْفٌ لِغُرُورِهِمْ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم لِأنَّهم لَمّا
اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ وتَعَرَّضُوا لِسُؤالِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ ورَأوْا أنَّهُ لَمْ يُعَجَّلْ لَهم حُلُولُهُ اعْتَرَتْهم ضَراوَةٌ بِالتَّكْذِيبِ وحَسِبُوا تَأْخِيرَ العَذابِ عَجْزًا مِنَ المُتَوَعِّدِ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ وهم يَجْهَلُونَ أنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ يُمْهِلُ عِبادَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، فالمَغْفِرَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَغْفِرَةِ المُوَقَّتَةِ، وهي التَّجاوُزُ عَنْ ضَراوَةِ تَكْذِيبِهِمْ، وتَأْخِيرُ العَذابِ إلى أجَلٍ، كَما قالَ تَعالى ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [هود: ٨].
وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى عَذابِ الدُّنْيا وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ كَما قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الدخان: ١٥]، أيْ عَذابِ الدُّنْيا، وهو الجُوعُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ قُرَيْشٌ بَعْدَ أنْ كانَ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ و(عَلى) في قَوْلِهِ (عَلى ظُلْمِهِمْ) بِمَعْنى مَعَ.

وسِياقُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَغْفِرَةِ هُنا التَّجاوُزُ عَنِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا بِتَأْخِيرِ العِقابِ لَهم إلى أجَلٍ أرادَهُ اللَّهُ أوْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، وأنَّ المُرادَ بِالعِقابِ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ضِدُّ تِلْكَ المَغْفِرَةِ وهو العِقابُ المُؤَجَّلُ في الدُّنْيا أوْ عِقابُ يَوْمِ الحِسابِ، فَمَحْمَلُ الظُّلْمِ عَلى ما هو المَشْهُورُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ مِن إطْلاقِهِ عَلى الشِّرْكِ.

ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الظُّلْمُ عَلى ارْتِكابِ الذُّنُوبِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَإطْلاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [النساء: ١٦٠] فَلا تَعارُضَ أصْلًا بَيْنَ هَذا المَحْمَلِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ٤٨] كَما هو ظاهِرٌ.

وفائِدَةُ هَذِهِ العِلاوَةِ إظْهارُ شِدَّةِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبادِهِ في الدُّنْيا كَما قالَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [فاطر: ٤٥].
وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ احْتِراسٌ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ المَغْفِرَةَ المَذْكُورَةَ مَغْفِرَةٌ دائِمَةٌ تَعْرِيضًا بِأنَّ العِقابَ حالٌّ بِهِمْ مِن بَعْدُ.