All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Ash-Shuʿarāʾ 26:12 Juzʾ 19 Page 367

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

افْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِنِداءِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ تَحْنِينٌ واسْتِسْلامٌ. وإنَّما خافَ أنْ يُكَذِّبُوهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرِّسالَةِ لا يَتَلَقّاها المُرْسَلُ إلَيْهِمْ إلّا بِالتَّكْذِيبِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ خائِفًا مِنَ التَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خُلِعَتْ عَلَيْهِ الرِّسالَةُ عَنِ اللَّهِ وقَرَ في صَدْرِهِ الحِرْصُ عَلى نَجاحِ رِسالَتِهِ فَكانَ تَكْذِيبُهُ فِيها مَخُوفًا مِنهُ.

(‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ فَهو عَطْفٌ عَلى (‏‏‏‏)

صفحة ١٠٦
أوْ تَكُونُ الواوُ لِلْحالِ فَتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ: والحالُ يَضِيقُ ساعَتَئِذٍ صَدْرِي مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ.
والضِّيقُ: ضِدُّ السِّعَةِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْغَضَبِ والكَمَدِ؛ لِأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ انْفِعالٌ ويَنْشَأُ عَنْهُ انْضِغاطُ الأعْصابِ في الصَّدْرِ والقَلْبِ مِن تَأْثِيرِ الإدْراكِ الخاصِّ عَلى جَمْعِ الأعْصابِ الكائِنِ بِالدِّماغِ الَّذِي هو المُدْرِكُ فَيُحِسُّ بِشِبْهِ امْتِلاءٍ في الصَّدْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١٢٥]) وقَوْلِهِ: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]) في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْسَفُ ويَكْمَدُ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ويَجِيشُ في نَفْسِهِ رَوْمُ إقْناعِهِمْ بِصِدْقِهِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ إذا خَطَرَتْ في العَقْلِ نَشَأ مِنها إعْدادُ البَراهِينِ، وفي ذَلِكَ الإعْدادِ تَكَلُّفٌ وتَعَبٌ لِلْفِكْرِ فَإذا أبانَها أحَسَّ بِارْتِياحٍ وبِشِبْهِ السِّعَةِ في الصَّدْرِ فَسَمّى ذَلِكَ شَرْحًا لِلصَّدْرِ، ولِذَلِكَ سَألَهُ مُوسى في الآيَةِ الأُخْرى (‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [طه: ٢٥]) .

والِانْطِلاقُ حَقِيقَتُهُ مُطاوِعُ أطْلَقَهُ إذا أرْسَلَهُ ولَمْ يَحْبِسْهُ فَهو حَقِيقَةٌ في الذَّهابِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِفَصاحَةِ اللِّسانِ وبَيانِهِ في الكَلامِ، أيْ يَنْحَبِسُ لِسانِي فَلا يُبَيِّنُ عِنْدَ إرادَةِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، وعَطْفُهُ عَلى (يَضِيقُ صَدْرِي) ) يُنْبِئُ بِأنَّهُ أرادَ بِضِيقِ الصَّدْرِ تَكاثُرَ خَواطِرِ الِاسْتِدْلالِ في نَفْسِهِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهُ لِيُقْنِعَهم بِصِدْقِهِ حَتّى يَحُسَّ كَأنَّ صَدْرَهُ قَدِ امْتَلَأ والشَّأْنُ أنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِمِقْدارِ ما يُفْصِحُ عَنْهُ صاحِبُهُ مِن إبْلاغِهِ إلى السّامِعِينَ فَإذا كانَتْ في لِسانِهِ حَبْسَةٌ وعِيٌّ بَقِيَتِ الخَواطِرُ مُتَلَجْلِجَةً في صَدْرِهِ. والمَعْنى: ويَضِيقُ صَدْرِي حِينَ يُكَذِّبُونَنِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]،) (‏‏ ‏‏‏‏‏) مَرْفُوعَيْنِ عَطْفًا عَلى (‏‏‏‏)، ولِذَلِكَ حَقَّقَهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ أيْقَنَ بِحُصُولِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جِبِلِّيٌّ عِنْدَ تَلَقِّي التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ أمانَةَ الرِّسالَةِ والحِرْصَ عَلى تَنْفِيذِ مُرادِ اللَّهِ يُحْدِثُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لا مَحالَةَ، وإذْ قَدْ كانَ انْحِباسُ لِسانِهِ يَقِينًا عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ مِن أجْلِ ذَلِكَ التَّيَقُّنِ كانَ فِعْلا (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]) (‏‏ ‏‏‏‏‏) مَعْطُوفَيْنِ عَلى ما هو مُحَقَّقٌ عِنْدَهُ وهو حُصُولُ الخَوْفِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَكُونا مَعْطُوفَيْنِ عَلى (‏‏‏‏‏‏) المَخُوفِ مِنهُ المُتَوَقَّعِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُحَقَّقَ الحُصُولِ يَجْعَلُهُ أحْرى مِنَ المُتَوَقَّعِ.

صفحة ١٠٧
وقَرَأ يَعْقُوبُ (﴿ويَضِيقُ﴾) (‏‏ ‏‏‏‏‏) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى (‏‏‏‏‏‏)، أيْ يَتَوَقَّعُ أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ ولا يَنْطَلِقَ لِسانُهُ، قِيلَ: كانَتْ بِمُوسى حُبْسَةٌ في لِسانِهِ إذا تَكَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ولَيْسَ القَصْدُ مِن هَذا الكَلامِ التَّنَصُّلَ مِنَ الِاضْطِلاعِ بِهَذا التَّكْلِيفِ العَظِيمِ ولَكِنَّ القَصْدَ تَمْهِيدُ ما فَرَّعَهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ تَشْرِيكِ أخِيهِ هارُونَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنهُ عَلى الِاسْتِدْلالِ والخَطابَةِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [القصص: ٣٤]) . فَقَوْلُهُ هُنا: (‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏) مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ ما في الآيَةِ الأُخْرى فَيُعْلَمُ أنَّ في الكَلامِ هُنا إيجازًا. وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ: فَأرْسِلْ إلى هارُونَ عِوَضًا عَنِّي.
وإنَّما سَألَ اللَّهَ الإرْسالَ إلى هارُونَ ولَمْ يَسْألْهُ أنْ يُكَلِّمَ هارُونَ كَما كَلَّمَهُ هو؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ المُناجاةِ. والمَعْنى: فَأرْسِلْ مَلَكًا بِالوَحْيِ إلى هارُونَ أنْ يَكُونَ مَعِي.

وقَوْلُهُ: (‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏) تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ النَّصْرِ والتَّأْيِيدِ وأنْ يَكْفِيَهُ شَرَّ عَدُوِّهِ حَتّى يُؤَدِّيَ ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» .

والذَّنْبُ: الجُرْمُ ومُخالَفَةُ الواجِبِ في قَوانِينِهِمْ. وأُطْلِقَ الذَّنْبُ عَلى المُؤاخَذَةِ فَإنَّ الَّذِي لَهم عَلَيْهِ هو حَقُّ المُطالَبَةِ بِدَمِ القَتِيلِ الَّذِي وكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، وتَوَعَّدَهُ القِبْطُ إنْ ظَفِرُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ فَخَرَجَ مِن مِصْرَ خائِفًا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَجُّهِهِ إلى بِلادِ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ ما في شَرْعِ القِبْطِ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرْعٌ إلَهِيٌّ في أحْكامِ قَتْلِ النَّفْسِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ سَمّاهُ ذَنْبًا؛ لِأنَّ قَتْلَ أحَدٍ في غَيْرِ قِصاصٍ ولا دِفاعٍ عَنْ نَفْسِ المُدافِعِ يُعْتَبَرُ جُرْمًا في قَوانِينِ جَماعاتِ البَشَرِ مِن عَهْدِ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ، وقَدْ قالَ في سُورَةِ القَصَصِ: (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [القصص: ١٥] ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ [القصص: ١٦]) . وأيًّا ما كانَ فَهو جَعَلَهُ ذَنْبًا لَهم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: (‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏) لَيْسَ هَلَعًا وفَرَقًا مِنَ المَوْتِ، فَإنَّهُ لَمّا أصْبَحَ في مَقامِ الرِّسالَةِ ما كانَ بِالَّذِي يُبالِي أنْ يَمُوتَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ولَكِنَّهُ خَشِيَ العائِقَ مِن

صفحة ١٠٨
إتْمامِ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِمّا فِيهِ لَهُ ثَوابٌ جَزِيلٌ ودَرَجَةٌ عُلْيا.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (﴿يَقْتُلُونِ﴾) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وذِكْرُ هارُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shuʿarāʾ 26:12