All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Qaṣaṣ 28:87 Juzʾ 20 Page 396

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And never let them avert you from the verses of Allah after they have been revealed to you. And invite [people] to your Lord. And never be of those who associate others with Allah.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [القصص: ٨٥]، وما عُطِفَ عَلَيْها، وما تَخَلَّلَ

صفحة ١٩٥
بَيْنَهُما مِمّا اقْتَضى جَمِيعُهُ الوَعْدَ بِنَصْرِهِ وظُهُورِ أمْرِهِ وفَوْزِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّهُ جاءَ مِنَ اللَّهِ إلى قَوْمٍ هم في ضَلالٍ مُبِينٍ، وأنَّ الَّذِي رَحِمَهُ فَآتاهُ الكِتابَ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ مِنهُ لا يَجْعَلُ أمْرَهُ سُدًى، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَحْذِيرِهِ مِن أدْنى مُظاهَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّ فِعْلَ الكَوْنِ لَمّا وقَعَ في سِياقِ النَّهْيِ وكانَ سِياقُ النَّهْيِ مِثْلَ سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّ النَّهْيَ أخُو النَّفْيِ في سائِرِ تَصارِيفِ الكَلامِ - كانَ وُقُوعُ فِعْلِ الكَوْنِ في سِياقِهِ مُفِيدًا تَعْمِيمَ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ كَوْنٍ مِن أكْوانِ المُظاهَرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ.
والظَّهِيرُ: المُعِينُ، والمُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ، وهي مَراتِبُ أعْلاها النُّصْرَةُ، وأدْناها المُصانَعَةُ والتَّسامُحُ؛ لِأنَّ في المُصانَعَةِ عَلى المَرْغُوبِ إعانَةً لِراغِبِهِ، فَلَمّا شَمِلَ النَّهْيُ جَمِيعَ أكْوانِ المُظاهَرَةِ لَهُمُ - اقْتَضى النَّهْيُ عَنْ مُصانَعَتِهِمْ والتَّسامُحِ مَعَهم، وهو يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّ المُظاهَرَةِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ الأمْرِ بِالغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ كَصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . وهَذا المَعْنى يُناسِبُ كَوْنَ الآياتِ آخَرَ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وبَعْدَ مُتارَكَتِهِ المُشْرِكِينَ ومُغادَرَتِهِ البَلَدَ الَّذِي يَعْمُرُونَهُ.

وقِيلَ: النَّهْيُ لِلتَّهْيِيجِ لِإثارَةِ غَضَبِ النَّبِيءِ ﷺ عَلَيْهِمْ وتَقْوِيَةِ داعِي شِدَّتِهِ مَعَهم. ووَجْهُ تَأْوِيلِ النَّهْيِ بِصَرْفِهِ عَنْ ظاهِرِهِ أوْ عَنْ بَعْضِ ظاهِرِهِ هو أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ لا يُفْرَضُ وُقُوعُهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ حَتّى يَنْهى عَنْهُ، فَكانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلى أنَّهُ مُئَوَّلٌ.

وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلَيْهِ عَنْ أنْ يَصُدُّوهُ عَنْ آياتِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ أنْ يَتَقَبَّلَ مِنهم ما فِيهِ صَدٌّ عَنْ آياتِ اللَّهِ، كَما يَقُولُ العَرَبُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، كَنَّوْا بِهِ عَنْ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، فَيَعْرِفَ المُتَكَلِّمُ النّاهِي فِعْلَهُ. والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الرُّكُونِ إلى الكافِرِينَ في شَيْءٍ مِن شُئُونِ الإسْلامِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ يُحاوِلُونَ صَرْفَ المُسْلِمِينَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٢٦] .

وقِيلَ: هو لِلتَّهْيِيجِ أيْضًا، وتَأْوِيلُ هَذا النَّهْيِ آكَدُ مِن تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ في ﴿لا يَصُدُّنَّكَ﴾ نَهْيَ صِرْفَةٍ كَما كانَ الأمْرُ في قَوْلِهِ:

صفحة ١٩٦
‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٤٣] أمْرَ تَكْوِينٍ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ لِرَسُولِهِ صَرْفَ المُشْرِكِينَ عَنْ أنْ يَصُدُّوهُ عَنْ آياتِ اللَّهِ، وذَلِكَ إذْ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِأنْ أمَرَهُ بِالهِجْرَةِ ويَسَّرَها لَهُ ولِلْمُسْلِمِينَ مَعَهُ.
والتَّقْيِيدُ بِالبَعْدِيَّةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ أيًّا ما كانَ المُرادُ مِنهُ، أيْ لا يَجُوزُ أنْ يَصُدُّوكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أنْزَلَها إلَيْكَ، فَإنَّهُ ما أنْزَلَها إلَيْكَ إلّا لِلْأخْذِ بِها ودَوامِ تِلاوَتِها، فَلَوْ فُرِضَ أنْ يَصُدُّوكَ عَنْها لَذَهَبَ إنْزالُها إلَيْكَ بُطْلًا وعَبَثًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ [البقرة: ٢١٣] .

والأمْرُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ لا إلى إيجادِ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ، أيْ لا يَصْرِفُكَ إعْراضُ المُشْرِكِينَ عَنْ إعادَةِ دَعْوَتِهِمْ إعْذارًا لَهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ مُسْتَعْمَلًا في الأكْمَلِ مِن أنْواعِهِ، أيْ أنَّكَ بَعْدَ الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ أشَدُّ تَمَكُّنًا في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ مِمّا كُنْتَ مِن قَبْلُ؛ لِأنَّ تَشْغِيبَ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ كانَ يُرَنِّقُ صَفاءَ تَفَرُّغِهِ لِلدَّعْوَةِ.

وجَمِيعُ هَذِهِ النَّواهِي والأوامِرِ داخِلَةٌ في حَيِّزِ التَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَإنْ حُمِلَتْ ”مِن“ فِيهِ عَلى مَعْنى التَّبْعِيضِ كانَ النَّهْيُ مُئَوَّلًا يُمَثِّلُ ما أوَّلُوا بِهِ النَّهْيَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ أنَّهُ لِلتَّهْيِيجِ، أوْ أنَّ المَقْصُودَ بِهِ المُسْلِمُونَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Qaṣaṣ 28:87