All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Ḥujurāt 49:3 Juzʾ 26 Page 515

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allah - they are the ones whose hearts Allah has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الحجرات: ٢] كانَ أبُو بَكْرٍ لا يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ إلّا كَأخِي السِّرارِ، أيْ مُصاحِبِ السِّرِّ مِنَ الكَلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ الآيَةَ» . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ التَّحْذِيرَ الَّذِي في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ٢] إلَخْ يُثِيرُ في النَّفْسِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ ضِدِّ حالِ الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ وجَزاءِ عَمَلِهِمْ، وتُفِيدُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلَ النَّهْيَيْنِ بِذِكْرِ الجَزاءِ عَنْ ضِدِّ المَنهِيِّ عَنْهُما وأكَّدَ هَذا الِاهْتِمامَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِالخَبَرِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ لِأجْلِ ما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ.

وإذْ قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ مُحَصِّلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ٢] وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ٢] الأمْرُ بِخَفْضِ الصَّوْتِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ يَتَّضِحُ لَكَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ نَوْطِ

صفحة ٢٢٣
الثَّناءِ هُنا بِعَدَمِ رَفْعِ الصَّوْتِ وعَدَمِ الجَهْرِ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ إلى نَوْطِهِ بِغَضِّ الصَّوْتِ عِنْدَهُ.
والغَضُّ حَقِيقَتُهُ: خَفْضُ العَيْنِ، أيْ أنْ لا يُحَدِّقَ بِها إلى الشَّخْصِ وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِخَفْضِ الصَّوْتِ والمِيلِ بِهِ إلى الإسْرارِ.

والِامْتِحانُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وهو افْتِعالٌ مِن مَحَنَهُ، إذا اخْتَبَرَهُ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: اضْطَرَّهُ إلى كَذا.

واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلتَّقْوى“ لامُ العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: امْتَحَنَ قُلُوبَهم لِأجْلِ التَّقْوى، أيْ لِتَكُونَ فِيها التَّقْوى، أيْ لِيَكُونُوا أتْقِياءَ، يُقالُ: امْتُحِنَ فُلانٌ لِلشَّيْءِ الفُلانِيِّ كَما يُقالُ: جُرِّبَ لِلشَّيْءِ ودُرِّبَ لِلنُّهُوضِ بِالأمْرِ، أيْ فَهو مُضْطَلِعٌ بِهِ لَيْسَ بِوانٍ عَنْهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الِامْتِحانَ كِنايَةً عَلى تَمَكُّنِ التَّقْوى مِن قُلُوبِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلَيْها بِحَيْثُ لا يُوجِدُونَ في حالٍ ما غَيْرَ مُتَّقِينَ وهي كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ لِكَوْنِ الِانْتِقالِ بَعْدَهُ لَوازِمُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ فِعْلُ ”امْتَحَنَ“ مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ العِلْمِ، أيْ عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم مُتَّقُونَ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: ”لِلتَّقْوى“ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن قُلُوبٍ، أيْ كائِنَةً لِلتَّقْوى، فاللّامُ لِلِاخْتِصاصِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خَبَرُ (إنَّ) وهو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنِفَةِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ. وجَعَلَ في الكَشّافِ خَبَرَ (إنَّ) هو اسْمُ الإشارَةِ مَعَ خَبَرِهِ وجَعَلَ جُمْلَةَ ”لَهم“ مُسْتَأْنَفَةً ولِكُلٍّ وجْهٌ فانْظُرْهُ.

وقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ بِنَظْمِها الَّذِي رُتِّبَتْ عَلَيْهِ مِن إيقاعِ الغاضِّينَ أصْواتَهُمُ اسْمًا لِـ " (إنَّ) المُؤَكِّدَةِ وتَصْيِيرُ خَبَرِها جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْرِفَتَيْنِ مَعًا. والمُبْتَدَأُ اسْمُ الإشارَةِ، واسْتِئْنافُ الجُمْلَةِ المُسْتَوْدَعَةِ ما هو جَزاؤُهم عَلى عَمَلِهِمْ، وإيرادُ الجَزاءِ نَكِرَةً مُبْهَمًا أمْرُهُ ناظِرَةً في الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ الِاعْتِدادِ والِارْتِضاءِ لِما فَعَلَ الَّذِينَ وقَّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفي الإعْلامِ بِمَبْلَغِ عِزَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وقَدْرِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ اهـ.

وهَذا الوَعْدُ والثَّناءُ يَشْمَلانِ ابْتِداءَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ إذْ كانَ كِلاهُما يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَأخِي السِّرارِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥujurāt 49:3